بوح الأحد: الملك يطيح من جديد بأوهام الأفاكين…
بوح الأحد: الملك يطيح من جديد بأوهام الأفاكين، قرارات لجنة الكاف تعطي الشرعية للجوء المغرب إلى محكمة الطاس التابعة للفيفا، حموشي لا تساهل مع السلوكات المرضية التي تضر بمشاريع ٱستراتيجية بعد الإطاحة بفاسدين بطنجة المدينة، فضيحة أخرى لطوابري بالحجة و الدليل و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
صدق مرة أخرى بلاغ الديوان الملكي وكذب الملفقون والمصطادون في المياه العكرة. بضعة أيام كانت كافية لتؤكد أن فحوى بلاغ الديوان الملكي بشأن صحة الملك صحيح مائة في المائة وأن ما يردده الأفاكون من شائعات كله كذب وبهتان. هي كانت مجرد “ألم في أسفل الظهر مع تشنج عضلي دون أي علامة تدعو إلى القلق وتتطلب فقط علاجا طبيا ملائما وفترة راحة وظيفية”. هكذا كان منطوق البلاغ الذي لا يستوعب أي تأويل آخر لعباراته ولكن من احترفوا الشائعات ظنوا أنهم وجدوا كنزا يروجون به لترهاتهم وأسطوانتهم المشروخة.
وما هي إلا أيام قليلة فعلا حتى استأنف الملك مهامه العادية إلى أن صدر بلاغ الأربعاء الذي كان دليلا آخر على أن الملك منشغل بالمهام الاستراتيجية التي تخدم مستقبل المغرب وتساهم في وضعه في خانة القوى الكبرى.
بعد نجاح الكان والانضمام لمجلس السلام، حان الوقت وجاء الدور على مشروع مهم يتعلق بوضع اللمسات الأخيرة لانطلاق مشروع استراتيجي مهيكل لمنطقة في أمس الحاجة لمشروع يجذب إليها الاستثمارات ويساهم في تعزيز بنيتها التحتية ويضعها في السرعة التي يسير بها المغرب وينصفها مجاليا ويضمن لها فرصا كانت تنتظرها منذ عقود.
جلسة العمل التي ترأسها الملك حول المركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط لم تكن اجتماعا عاديا يندرج ضمن الأجندة اليومية للأنشطة الملكية، بل كانت لحظة إعلان عن إدخال منطقة بكاملها لدينامية اقتصادية ستكون لها ثمار اجتماعية على كل ساكنتها، ولذلك كانت توجيهات الملك واضحة ب”الحرص على أن تستفيد من مزايا هذه الاستثمارات جميع الأقاليم الواقعة ضمن نطاق إشعاع الميناء، ومواكبة المشروع ببرامج للتأهيل الحضري بغية النهوض بالإطار المعيشي بالمنطقة، وإنجاز مخطط عمل متعدد الأبعاد يؤمن التنمية المستقبلية للمشروع”. انشغال بالإنسان والمجال بالتوازي مع مشروع الميناء، وهذه هي سياسة الملك منذ عرفه المغاربة.
هي خطوة أخرى تؤكد صواب استراتيجية المغرب التي تستفيد من موقعه الجغرافي الحيوي لتجعله رافعة تنموية ودعامة لتموقع إقليمي ودولي. لقد بين الاهتمام بالموانئ فعاليته بنجاح ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح أول مركز مينائي بإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وضمن أوائل الموانئ في العالم، ويتأكد الدور المحوري لهذا القطاع في العالم كله، وخاصة في المواقع التي تعرف حركة تجارية عالية عابرة للقارات، كما هو الحال مع البحر الأبيض المتوسط.
من العوامل الاستراتيجية التي ترفع أسهم المغرب في العالم موقعه الذي يزيده جاذبية إنشاء موانئ متطورة من الجيل الجديد تكون مراكز ومنصات لنشاط تنقل الأشخاص والبضائع، وقد كانت هذه الخطوة ضربة لكل من يريد تقزيم دور المغرب ولن يهنأ له بال حتى يرى المغرب صاغرا وهو ما لن يكون له أبدا.
يمكن النظر للتغطيات الإعلامية لبعض المنابر والقنوات الأجنبية، وحينها سنفهم من يضره هذا النوع من المشاريع لدرجة تجاهلها، ومن يقزم تناول هذا الحدث لأنه لا يقوى على استيعاب الحقيقة التي تضع المغرب في عداد المراكز المينائية المتقدمة في البحر المتوسط.
سينضاف ميناء الناظور لموانئ أخرى لتتكامل أدوارها، سواء في ضفة الأطلسي مثل ميناء الداخلة أو ضفة المتوسط. لا يتعلق الأمر بإنشاء ميناء فقط -رغم أهمية الموانئ تجاريا واقتصاديا وصناعيا- لأنه مجرد محفز لتوسيع النشاط التجاري والصناعي والمالي في المنطقة كلها مع ما يترتب عن ذلك من مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة ودينامية اقتصادية تعم منطقة هي في أمس الحاجة لمبادرة مثل هذه تنصفها وتضعها في مقدمة المدن المغربية.
قد يكون سبب تخصيص مدينة الناظور بهذا المشروع موقعها الاستراتيجي، ولكن هذا لا يجب أن يغيب البعد الآخر للاختيار، وهو تحقيق عدالة مجالية والتعامل مع كل مدن المغرب بنوع من التوازن بغية تحقيق ما نص عليه الدستور من إنصاف ترابي بخصوص تنظيم المرافق العمومية.
يبرز هذا المشروع مرة أخرى انشغالات الملك بتبويء المغرب المكانة التي تليق به دوليا، وتهممه بكل مناطق المغرب بشكل متساو، وحرصه على اعتماد سياسات ناجعة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما أكده بلاغ الديوان الملكي “يأتي المشروع الجديد للناظور غرب المتوسط استكمالا لهذا الطموح الملكي، من أجل إرساء منظومة مينائية وطنية فعالة ومتكاملة، في خدمة تنافسية الاقتصاد الوطني، وخلق فرص الشغل، والتنمية المتوازنة للمجالات الترابية”.
حجم الاستثمار (بلغ حتى اليوم 51 مليار درهم) ومجالات نشاط الميناء المرتقب خلال الربع الأخير من هذه السنة يؤكدان أهمية هذا المشروع الذي سيكون له كذلك دور كبير في تأمين السيادة الطاقية للمغرب بسبب المركز الطاقي الذي “يضم أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة، بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، بالإضافة إلى محطة للمحروقات. ويستجيب هذا المكون الاستراتيجي بشكل مباشر لمقتضيات السيادة الطاقية للمملكة”. ولذلك فهذا الاستثمار أكبر من مجرد مشروع اقتصادي أو تجاري لأنه سيؤمن جزءا مهما من سيادة المغرب في المستقبل ويقلص خضوعه للتقلبات السريعة للسوق الدولية.
اعتماد سياسة تشييد الموانئ تعكس رؤية استراتيجية مبنية على الثقة التي يتمتع بها المغرب لدى كبار الفاعلين الدوليين في القطاعين الملاحي والصناعي، وهي التي يستحضرها المغرب في الاستفادة من شريطه البحري ليكون فاعلا في هذا القطاع الحيوي في عالم المستقبل. والمؤكد أن المغرب بتعاونه وما هو معهود عليه سيكون مركز جذب عالمي في المستقبل القريب.
لا نستغرب إذن إن استعرت الحملات على المغرب واجتهد بعض الحاقدين في محاولات إفشال هذه المشاريع وتبخيسها لأنهم يصطدمون بقيادة لا تساوم على هذه المشاريع السيادية وتضرب في العمق مصالح توسعية لمن يريد أن يبني قوة على حساب المغرب أو يتصور أنه بإمكانه إضعافه بمشاريع ضرار.
اهتمامات المغرب ومشاريعه تجسد طموح ملك وشعب بجعل المغرب في مراتب متقدمة، وحرص الملك على أن يفتح باب الاستفادة من هذه النجاحات لكل دول القارة الإفريقية من خلال الاستفادة من منفذ بحري للمحيط الأطلسي وتوسيع دائرة التعاون جنوب جنوب والمشاريع الاستثمارية المهمة في عدد من دول القارة يؤكد رؤية ملكية للصورة والإشعاع الذي يجب أن يكون عليه المغرب مستقبلا.
كل المؤشرات تؤكد أن المستقبل لإفريقيا لأنها القارة التي لم تأخذ حظها فيما سبق من التنمية، ولذلك ففرص الاستثمار فيها واعدة وبهامش أرباح أكبر من غيرها من المناطق، وأرضها ما تزال خصبة في كل الميادين الاقتصادية. هذه القارة وحدها قادرة على تأمين سلة غذائية تغطي احتياجات العالم كله، وهي التي تتربع على أهم المعادن الثمينة لصناعات المستقبل، وهي التي تؤمن نقل البضائع بأقل تكلفة وأسرع وقت وأيسر طريق وأكثر أمانا في العالم، وهي التي تتوفر على رأسمال بشري يمكنه تحقيق الكثير إن تمت العناية به وقد كان للأفارقة دور هام في إعادة إعمار أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، وقد اقر بهذا مبكرا فرانسوا ميتران سنة 1957 عندما كان وزيرا للعدل “بدون إفريقيا فرنسا لن تملك أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين”، وهي الحقيقة التي تأكدت بتراجع قوة فرنسا حين فقدت نفوذها في الكثير من دول القارة خلال السنوات الأخيرة. ولذلك لا عجب من هذا التركيز على دولها من طرف كل القوى في العالم، ولا يجب أن نستسهل الأدوار القارية المهمة التي يضطلع بها المغرب لتقوية دولها وتعضيد التعاون بينها وتوحيد صفها.
لا يمكن ونحن نتحدث في هذا المستوى الطموح غض الطرف عن فضيحة قرارات لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم حول أحداث المباراة النهائية للكان.
بغض النظر عن كل ما يمكن أن يقال بشأن أحقية المغرب بلقب تلك البطولة، وقد سميته في بوحي السابق ب”البطل غير المتوج”، فإن السرعة التي تمت بها تلك القرارات وفحواها تبرز أزمة بنيوية داخل هذا الاتحاد. قرارات كانت عبارة عن فضيحة على رؤوس الأشهاد في العالم لأن من يقارن تلك القرارات مع ما رآه بأم عينيه في تلك المباراة التي شاهدها وأعاد مشاهدة لقطاتها المثيرة الملايير في العالم يخرج بانطباع واحد مفاده أن هذه المؤسسة لا ترقى إلى ما يجب أن تكون عليه القارة الإفريقية وما تستحقه كرتها ورياضتها وشعوبها.
ساوت القرارات التأديبية للكاف بين الضحية والجلاد وعاقبت المظلوم بعقوبات أقسى أحيانا من الظالم، وعقوباتها تعطي -من حيث تدري أو لا تدري- ضوءا أخضر لتكرارها في مناسبات قادمة وتشجع على جعل الفوضى أسلوبا لتدبير التنافس عوض الاحتكام إلى أخلاق الرياضة وقوانينها، وتزيد الشعور لدى كثيرين بانعدام الأمن القانوني والقضائي، وتحرم جماهير الساحرة المستديرة من متعة الفرجة الكروية، وتؤكد الأحكام النمطية على القارة الإفريقية ومؤسساتها بأنها بؤرة فساد وزبونية.
أعرف مسبقا أن طيفا واسعا من المغاربة، فقد شهية الاستماع إلى أي شيء يخص كرة القدم الإفريقية، وهو حقهم لأن ما تعرض له المغرب منذ تلك المباراة حتى صدور هذه القرارات التأديبية كان مجزرة أكدت أن المؤامرة على المغرب كانت مكتملة الأركان.
قدم المغرب نموذجا لفريق كروي مزج بين فرجة اللعب وأخلاق التنافس والتحلي بالروح الرياضية، وقدم المغاربة نموذجا للجمهور العاشق للكرة والراقي والمتحضر لأنه يحمل على ظهره وفي جعبته تاريخا عريقا، وقدمت مؤسسات الدولة المغربية المثال على حسن الانخراط في تنظيم دورة غير مسبوقة في كل المجالات، وما تزال الأرقام القياسية تتوالى تباعا، وآخرها ما نشره الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بشأن دورة المغرب التي حطمت أرقاما قياسية جديدة، بلغت 6 مليارات مشاهدة رقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبأنها أصبحت أكثر المنافسات القارية لكرة القدم مشاهدة، حيث وصلت مشاهدة فيديوهاتها ل5.2 مليارات مشاهدة وهو رقم استثنائي وغير مسبوق، كما تم تسجيل ما مجموعه 285 مليون تفاعل.
استفاد المغرب من هذه المحطة وخسر مناوؤوه، وسقطت الكاف في اختبار الحياد والنزاهة والشفافية، وأمامنا محطة 2030 لتنصفنا أكثر وحتما سيكون المغاربة أكثر انخراطا ورقيا ووعيا مقارنة مع هذه الكان.
تأكد للمزايدين على المغرب بدعوى تحكمه في الكاف أن ما يروجونه أكاذيب. وأن الرتبة الثامنة التي يحتلها المغرب عالميا نالها عن جدارة واستحقاق بسبب سياسة كروية ناجحة لا محيد لمن أراد النجاح من الاستفادة منها.
ما حدث في مداولات نازلة إفساد المباراة النهائية، وما صدر من قرارات أكبر من مجرد إضرار بالمغرب وظلم له. هو إساءة للقارة الإفريقية برمتها، دولا ومنظمات وشعوبا، لأنه زكى ما يتداول حول مؤسسات القارة من انتقادات بشأن ممارسات الزبونية والفساد وغيرهما.
لا يمكن أن تقوم للقارة قائمة ما لم تقطع مع هذه الممارسات، ولن يكون لها مكان في المستقبل بدون تعميم الشفافية في كل مداولاتها وقراراتها.
ربح المغرب من هذه الدورة الكثير في مجالات ذات صلة بالكرة أو بعيدة عنها، فقد منحته مجموعة Voyage Privé الفرنسية، الرائدة أوروبيا في مجال السفر الإلكتروني المتميز، لقب “أفضل وجهة سياحية لسنة 2025”. وربح أنه قدم الوجه الحسن للقارة الإفريقية وبين أنها تستحق أفضل مما هي عليه ولا ينقصها شيء لتكون في وضع أفضل. هذا العمل هو محط تقدير العالم كله، وأول من يعي أهميته هم المغاربة لأنهم رفعوا رأسهم عاليا بعد هذا الإنجاز.
يستوعب المغاربة اليوم أكثر من أي وقت حجم الأضرار التي لقيها المغرب من بعض مؤسسات القارة في قضايا كثيرة، وضمنها قضية وحدتنا الترابية، ويقدرون اليوم بعد هذه الفضيحة التي عايشها هذا الجيل حجم الشجاعة التي تحلى بها المغرب ليتجاوز كل تلك الإساءات ويغلب المصالح الكبرى ولا يسقط في الحسابات الضيقة. لا يمكن أن نفر من القدر الجغرافي، وأمامنا مجهود كبير، ولن نسقط في الفخ الذي ينصبه البعض لنا بالسقوط في ردود أفعال غير محسوبة وتعميم تصرفات انتقامية على أدائنا القاري في مجالات أخرى غير الكرة لأن الأكيد بأن مكاننا الطبيعي وسط افريقيا والمستقبل وسطها كله واعد رغم ما يبدو من صعوبات وإكراهات.
من تابع مشاهد تسرب المياه داخل ملعب كامب نو بمدينة برشلونة -الذي خضع لترميم كلي استغرق سنتين وأنفق عليه ما يقارب 1.5 مليار يورو- يدرك حجم ما أنجزه المغرب في الملاعب التسعة التي احتضنت دورة الكان وصمودها في وجه تساقطات مطرية غير مسبوقة وبشكل دائم دون أن يكون لها أثر على صلاحية الملاعب وجودتها. مع التأكيد أن ما شهده هذا الملعب الإسباني لم يكن المرة الأولى، فقد سبقه حادث مماثل قبل خمسة أشهر تقريبا.
لم نر الإسبان يغرقون مواقع التواصل الاجتماعي بالتنكيت والتبخيس والسخرية، بل رأينا على العكس جمهور الكوليز –اللقب الذي يطلق على جمهور برشلونة- يدافع عن فريقه وأشغال الترميم تجاه جماهير الميرنغي الساخرة. هذا ما يفتقده جزء ممن ينسبون للمغاربة ولا شغل لهم غير الهدم ولا يعجبهم العجب لأن عقدة “البراني” تحكم تفكيرهم وتعميم الفشل يمثل راحة نفسية للتغطية على فشلهم.
هي مناسبة أخرى للتذكير بأن الفرح بنجاح أو الإشادة بتفوق أو الرضى عن نتيجة لا تعني تقديم شيك أبيض لأحد، ولا تفيد وصول مرحلة الكمال، ولكنها يجب أن تندرج ضمن إشاعة ثقافة إيجابية في المجتمع تعرف كيف ومتى تنتقد، ومن تنتقد بلغة دافعة للعمل والتطوير وليس بنية الهدم.
لا يمكن لهذه النجاحات أن تستمر وتتسع دائرتها بدون تفعيل قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة وتحريك مساطر المتابعة والمساءلة ضد كل من يتورط في جرائم الفساد في كل المجالات، ومرة أخرى تعطي المؤسسة الأمنية المثال بإقدام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على فتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، للتحقق من الأفعال الإجرامية المنسوبة لأربع وعشرين شخصا، من بينهم ستة شرطيين وستة موظفين في فرقة محلية لمراقبة التراب الوطني وعنصرين من الجمارك، وذلك للاشتباه في تورطهم في الامتناع عن القيام بعمل من أعمال وظيفتهم بغرض الارتشاء، واستغلال النفوذ والمشاركة في تهريب بضائع وسلع أجنبية.
هذا ما عهدناه في هذه المؤسسة ومن مديرها عبد اللطيف حموشي. لا يمكن التساهل مع سلوكات مرضية تهدم مشاريع ذات صبغة استراتيجية، وغير مقبول ممن يجب أن يسهر على أمن المرافق العامة أن يكون أول من يضر بها -وطبعا هذا لا ينفي قرينة البراءة في انتظار أن تقول العدالة كلمتها- وهذه الخطوة في حاجة إلى تعميم في كل المرافق بهذا الحجم حتى تبقى الصرامة هي القاعدة.
كلما حل الأسبوع الأخير من شهر يناير يتذكر الجميع ما حدث منذ عقد ونصف (سنة 2011) من أحداث عاصفة أسقطت أنظمة وأفشلت دولا وتسببت في حروب أهلية وعطلت مسيرة منطقة بأكملها. أطلق عليه حينها “ربيع” عربي ثم اتضح أنه كان خريفا فكك المنطقة وأضعفها بمخطط خارجي نفذته قوى داخلية يمكن اليوم رؤية مصيرها المخزي.
كل تجارب ذلك الخريف فشلت، وكل من تجاوب معها كان مصيره الفشل، وحتى من كان وراءها يحصي اليوم خسائره البشرية والسياسية بعد تصنيفه ضمن المنظمات الإرهابية. كانت تلك التجربة درسا للشعوب التي فهمت أن الأنظمة الأكثر استقرارا هي الملكيات المتجذرة وغير المحتاجة لخدمات تنظيمات وظيفية مصنوعة للقيام بمهام ضد شعبها ووطنها ولا ولاء لها إلا لمن يدفع أكثر.
انتهت تلك “الجذبة” وانتهى من قادها، وشكل خلالها المغرب استثناء بطريقة تعامله معها لأنه لم يكن ينتظرها ولأنه كان متقدما على مطالبها، فالمغرب عرف ربيعه الهادئ مبكرا منذ مطلع الألفية الثالثة.
في سنة 2011 كان المغرب في فترة حصاد لما زرعه طيلة أزيد من عقد، فكانت النتيجة الطبيعية لكل ذلك العقد الماضي دستورا جديدا متقدما عن سابقه، وشكل دولة يقوم على الجهوية المتقدمة دون خوف من تبعات ذلك على وحدة البلاد وتلاحم مكوناته وانصهارها في هوية مغربية موحدة، ومبادرة حكم ذاتي للأقاليم الصحراوية كانت بمثابة الضربة القاضية لكل الانفصاليين ومناصريهم. وها هو المغرب يعيش موسم حصاده الدائم بعد ربيعه الهادئ.
لا يمكن للطوابرية الاستمرار في استرجاع “نوستالجيا الربيع” دون وضع مسافة عن تلك المرحلة وفهم أبعادها، ومن حركها، والوجهة التي نحتها، وآثارها الكارثية. وبالتأكيد فإنهم لم يستفيدوا لأن ما حدث السنة الماضية أكد أنهم مجرد كراكيز رهن الإشارة في أي مشروع تخريبي تحت أي مسمى.
بالمقابل، بين المغاربة أنهم استوعبوا ذلك الدرس جيدا ولم ينخرطوا في مغامرة “الزيديين:Z” التي ماتت في مهدها وفشلت في إرهاق السلطات الأمنية كما كان الحال مع تجربة 25 يناير في مصر سنة 2011.
يقظة وتجربة وخبرة هذه المؤسسة كانت حصنا للبلاد في فترة “تزعزع” فيها بعض من الساسة والفاعلين عديمي الرؤية وفاقدي حس المسؤولية.
نهاية كل متربص بالمغرب ومؤسساته ومقدساته تكون دائما فضيحة على رؤوس الأشهاد. فضيحة أحد الطوابرية هذا الأسبوع ونهايته كانت عالمية وتستحق أن تكتب سيناريو لفيلم كوميدي لأنها كشفت غباءه وحقده الذي أعماه عن الانتباه للمقلب الذي وضع له فسقط فيه بالضربة القاضية. الطوابري الذي اتضح أنه حاطب ليل وصاحب “أذن واحدة” وببغاء يقرأ -والأصح أنه يتهجى- ما يكتب له ويبعث إليه دون تثبت هو اليوم في حالة مرضية اختلط فيها مرضه العقلي بالنفسي بالجسدي وشكله ينبئ عن حاله ولا غرابة إن رأينا حالة الجنون عنده زادت لأنها من علامات الوجع الذي أصابه. سيكون هو كذلك عبرة لمن يريد أن يسلك مسلكه، والنصيحة للجميع أن يتعظ ويتحلى ببعض من العقل ليفهم أن هذا المغرب كبير ومؤسساته شامخة وأكبر من أن يساء إليها من طرف طوابري مأجور لا فرق بينه وبين سلة المهملات التي تقبل أن يوضع فيها كل ما عافه الناس.
لم يعتبر هذا الطوابري بمن سبقه من طوابرية وسائل التواصل الاجتماعي خارج المغرب، فمنهم من انتهى به المطاف متشردا أو في السجن أو يبحث عن لجوء باصطناع وضع أقلية جنسانية أو يبحث عن تسوية لن تأتي أو مبتزا لضعاف النفوس أو دمية في يد من يدفع له ما يغطي به احتياجاته الضرورية.
ما حدث مع هذا الطوابري يؤكد أن خريف الطوابرية متواصل، وأنهم يعيشون زمن النهاية. والحمد لله أن المغاربة انتبهوا لذلك مبكرا فهجروا خزعبلاتهم لأنهم لم يروا منهم إلا الأكاذيب.
لا شك أن عملية الظل الأسود Sombra Negraشكلت مفخرة أخرى من مفاخر المغرب. مصدر خبرها هذه المرة كان من خارج المغرب بواسطة السلطات الإسبانية التي أكدت أن النجاح كان بفضل تعاون المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب مع المركز الوطني للاستخبارات الإسباني وعدة أجهزة ومؤسسات دولية.
توقيت هذه العملية كان جد مهم وطابعها التشاركي كان أكثر أهمية وحجمها جدير بالانتباه.
الطابع التشاركي يبين حجم التعاون بين الدول والمنظمات المعنية لإيقاف تجارة المخدرات الصلبة والدور الذي يضطلع به المغرب كشريك موثوق، فقد تمت العملية بفضل تعاون مباشر مع الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة بالمملكة المتحدة، ووكالة أمريكية، وأيضا السلطات في البرتغال وفرنسا وكولومبيا وبريطانيا والرأس الأخضر، بالإضافة إلى الأوروبول والمركز الأوروبي لتحليل ومكافحة المخدرات.
حجم الكوكايين المصادر بلغ 57 ألف كيلوغرام، والشبكة المتورطة التي تم تفكيكها تتكون من حوالي 100 شخص، وهي شبكة لها هيكلية تنظيمية واسعة تمتد من غاليسيا والبرتغال إلى عدة مقاطعات إسبانية، وكذا المغرب وجزر الكناري.
نجاح ميداني آخر ينضاف إلى نجاحات في واجهات أخرى للمؤسسة الأمنية.
أصبحت الدبلوماسية الأمنية ثابتا ضمن نشاط حموشي. هذا الأسبوع اجتماع عمل مع السيد ميكاييل ويرن مدير الشرطة رئيس الوحدة الوطنية المختصة بمكافحة الجريمة المنظمة بدولة الدانمارك، والذي كان مرفوقا بمسؤولين عن الأمن ومكافحة الجريمة وممثلي سفارة الدانمارك بالرباط. وكالعادة ركز هذا الاجتماع على القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك، بما فيها تقييم مستوى التعاون الثنائي في مجال مكافحة شبكات الجريمة العابرة للحدود الوطنية وحركية التنظيمات الإرهابية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتقوية آليات التنسيق في ميدان تتبع وملاحقة وتسليم الأشخاص المطلوبين من الجانبين على الصعيد الدولي. كعادة حموشي في مثل هذه المناسبات يحرص على مأسسة هذا التعاون، ولذلك أفضى الاجتماع إلى الترتيب لوضع إطار مؤسساتي وقانوني يسمح بتوطيد التعاون بين مصالح الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني بالمغرب ونظيرتها بدولة الدانمارك، خصوصا فيما يتعلق بتبادل الخبرات والمساعدة التقنية وتدعيم برامج التكوين الشرطي المشترك وتعزيز التعاون العملياتي. كما اتفق الطرفان على أولوية التوقيع قريبا على مذكرة تفاهم مشتركة، كإطار مرجعي للتعاون الثنائي، ستشكل المدخل الأساسي لبناء أسس تعاون أمني متين، يجسد الأهمية المتزايدة للمملكة المغربية كشريك أساسي وموثوق به ضمن المنظومة الدولية لمكافحة الجريمة والإرهاب والتطرف.
و آخر ما تم تداوله هو إعلان السلطات النمساوية ليلة الجمعة عن توقيف مواطن نمساوي بتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني مرتبط بتنظيم داعش و تخطيطه لإعتداءات إرهابية واسعة النطاق بالنمسا كانت موضوع إشادة من طرف كاتب الدولة النمساوي لحماية الدستور و المدير العام للأمن العمومي النمساوي و آعتراف وزارة الداخلية النمساوية بأن المعلومات التي وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني كانت حاسمة في نجاح التحقيقات بعد إيقاف الإرهابي النمساوي.
لا شيء يوقف تقدم المغرب وجاذبيته للتعاون في مجالات عديدة لأنه دولة موثوقة ومتعاونة ولا تخضع محاربة الجريمة والتطرف والإرهاب لأي اعتبارات سوى استقرار الدول وسلامة شعوبها.
حين قلت بأن عبد اللطيف حموشي خارج التصنيف، ونجاحاته أصبحت جزءا من عمله الدائم لم يكن ذلك بصيغة المبالغة، لأنه يعطي دائما المثال على ذلك ويكون في الريادة للأوراش اللازم فتحها، وخطوة فتح تحقيق حول ميناء طنجة المدينة مع 24 شخصا دفعة واحدة تؤكد أن لا تسامح مع الفساد والمفسدين.
لا يمكن ختم هذا البوح دون الحديث عن الكماشة التي أصبحت تحيط بالجارة وتضيق عليها الدائرة ولم تعد معها المناورات قادرة على ربح الوقت وتشتيت الانتباه عن التسريع بحل قضية الصحراء المغربية.
مسعد بولس -مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط- حل بالجزائر في إطار زيارة للمنطقة المغاربية، وطبعا لا موضوع يتقدم على تنفيذ القرار الأممي الذي أقر بأن هذه الدولة طرفا في هذا النزاع المفتعل مبطلا ما ظلت تدعيه دائما.
لا مشكلة للمغرب في أن تكون لهذه الدولة علاقات جيدة مع كل دول ومنظمات العالم، بل يرى المغرب ذلك عاملا مساعدا على تصفية الأجواء المغاربية وإعادة نظامها إلى جادة الصواب ونقطة لصالح المغرب وغيره من دول المنطقة. الأهم في جدول عمل الزيارة هو هل باستطاعة هذا النظام أن يبني علاقات دائمة وموثوقة مع باقي الدول لأن التجربة أثبتت أنه لا يفي بالتزاماته، والأكثر أهمية من كل ما سبق هو هل يمتلك هذا النظام الشجاعة للانخراط طوعا في تنفيذ القرار الأممي أم سيجر إلى ذلك تحت الضغط؟
هذا ما ستبرزه الأيام القادمة. والكماشة تضيق أكثر يوما بعد آخر، وآخر الأخبار الحزينة لقصر المرادية ما صدر عن الدورة الـ15 لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي الذي أكد فيه الأوربيون (27 دولة) مرة أخرى موقفهم بأن “حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق” من أجل تسوية نهائية لهذا النزاع الإقليمي.
نلتقي في بوح قادم.