أيمن الحبيب
في سياق الجدل الذي رافق احتفالات فاتح ماي لهذه السنة خرج الشيخ محمد الفيزازي بتصريحات قوية ومطوّلة في برنامج “قهوة السبت” على قناة شوف تيفي معلقاً على ما وصفه بانحراف النقاش العمومي عن طابعه الاجتماعي وتحوله إلى سجالات شخصية وسياسية حادة خاصة بعد تصريحات منسوبة لعبد الإله بنكيران.
قال الفيزازي إن ما يحدث كل سنة في فاتح ماي أصبح يفقد روحه الأصلية لأن النقاش لم يعد يتمحور حول قضايا الطبقة الشغيلة مثل الأجور والغلاء والتغطية الصحية وظروف العمل بل أصبح حسب تعبيره منصباً على تصريحات مثيرة للجدل تُشخصن الأمور وتبعد النقاش عن الحقوق الحقيقية للعمال مؤكداً أن هذه المناسبة يجب أن تبقى فضاءً للدفاع عن القضايا الاجتماعية لا منصة لتبادل الاتهامات أو الدخول في معارك جانبية.
وفي رده على ما اعتبره إساءة في حقه شدد الفيزازي على رفضه القاطع لأي أوصاف جارحة أو أحكام تمس شخصه قائلاً إنه لا يقبل أن يُختزل في عبارات مسيئة أو يتم تقديمه بصورة لا تعكس حقيقته مضيفاً أن صورته لدى من يعرفه مباشرة تختلف تماماً عن الصورة التي تُرسم في الخطاب المتوتر ومعتبراً أن الحكم على الأشخاص يجب أن يكون بناءً على المعاشرة والسلوك وليس على الشعارات أو الخصومات.
وانتقل الفيزازي بعد ذلك إلى الحديث عن عبد الإله بنكيران معتبراً أنه لم يعد يضبط بوصلته السياسية وأن خطابه أصبح يميل إلى الانفعال والشعبوية أكثر من التحليل السياسي المتزن مضيفاً أن ما يثير القلق هو تحول النقاش من قضايا اجتماعية حقيقية إلى استعمال للرموز الدينية والتاريخية في الصراع السياسي وهو ما اعتبره ابتعاداً عن جوهر العمل العمومي.
كما انتقد الفيزازي ما وصفه بتوظيف الدين في السياسة قائلاً إن إدخال المرجعيات الدينية والتاريخية في الخطاب الحزبي يساهم في تشويش الوعي العام وإبعاد النقاش عن الأولويات الحقيقية للمواطنين مؤكداً أن السياسة في جوهرها يجب أن تُقاس بالنتائج الاجتماعية والاقتصادية وليس بالانتصارات الرمزية أو الإيديولوجية.
وفي جزء آخر من حديثه أشار إلى وجود مواقف سياسية وإقليمية تتعارض حسب رأيه مع مصالح الدولة المغربية ووحدتها الترابية معتبراً أن بعض السلوكيات السياسية تندرج ضمن الاصطفاف غير المسؤول وهو ما يزيد من تعقيد المشهد العام ويؤثر على تماسك النقاش الوطني.
وأكد الفيزازي أيضاً على ضرورة احترام مؤسسات الدولة وعلى رأسها إمارة المؤمنين معتبراً أن أي مساس بها أو توظيف رمزي لها في الصراعات السياسية يمس بالاستقرار الرمزي والسياسي للبلاد مستحضراً في هذا السياق بعض الوقائع التي اعتبرها ذات دلالة رمزية ولا ينبغي إدخالها في التجاذب السياسي.
وفي محور آخر رفض الفيزازي ما سماه الاستغلال السياسي للتاريخ الإسلامي وللصحابة معتبراً أن بعض الخطابات تعتمد على النسب أو الرمزية التاريخية لكسب التعاطف بدل تقديم برامج واقعية تخدم المواطنين مؤكداً أن القيمة الحقيقية لأي فاعل سياسي تكمن في ما يقدمه من حلول لا في خلفيته أو رمزيته.
وختم مداخلته بالتأكيد على أن المشهد السياسي يعاني من اختلالات في الخطاب والتواصل وأن هذا النمط من السجال يساهم في إضعاف الثقة في العمل الحزبي والسياسي داعياً إلى خطاب أكثر عقلانية ومسؤولية يركز على القضايا الاجتماعية الحقيقية بدل الدخول في صراعات شخصية أو إيديولوجية لا تخدم المواطن.
وبين هذا السجال المتصاعد يبقى النقاش مفتوحاً حول طبيعة الخطاب العمومي في المغرب وحدود التداخل بين السياسي والديني في مشهد يعكس توتراً مستمراً بين أولويات اجتماعية ملحة وصراع رمزي حول التأويل والشرعية داخل الفضاء العام.
المصدر: شوف تي في