معرض الكتاب ورهان المصالحة مع القراءة في زمن الرقمنة
معرض الكتاب ورهان المصالحة مع القراءة في زمن الرقمنة
في كل دورة من دورات المعرض الدولي للكتاب، يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: هل ما يزال للكتاب مكان في حياة المغاربة وسط زخم الرقمنة؟ لا يقدّم معرض الرباط، الذي تحوّل إلى موعد ثقافي بارز، جوابًا نهائيًا، لكنه يكشف بوضوح أن العلاقة مع القراءة لم تنقطع، بقدر ما أنها تعيد تشكيل نفسها تحت ضغط التحولات الرقمية. يظل معرض الكتاب لحظة استثنائية، باعتباره سوقًا دوليا للكتب وبوصفه طقسًا ثقافيًا يعيد ترتيب العلاقة بين المغاربة والقراءة، ويقترح شكلًا جديدًا من المصالحة بين الإنسان والنص في عصر الرقمنة.
تشير المؤشرات الميدانية إلى إقبال لافت على أروقة المعرض في دورته 31، خصوصًا من فئات الشباب والطلبة.
لا يكون القارئ في فضاءات المعرض، مجرد مستهلك، بقدر ما يتحول إلى كائن يختبر المعرفة بحواسه: يلمس الغلاف، يشم رائحة الورق، يتصفح الصفحات ببطء، ويصغي إلى أصوات الكتّاب في الندوات. هذا التعدد الحسي يخلق تجربة لا يمكن للرقمنة أن تعوّضها بالكامل. فالعلاقة مع الكتاب هنا ليست فقط معرفية، بل وجدانية أيضًا، تستدعي ذاكرة القراءة الأولى، وتوقظ الحنين إلى لحظات الاكتشاف.. غير أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة عودة قوية إلى القراءة العميقة، بقدر ما يعكس تعطشًا للقاء مباشر مع الكتاب والكاتب، وفضولًا ثقافيًا يتجاوز ما تتيحه الشاشات. فالرقمنة، رغم توسيعها لدوائر الوصول إلى المعرفة، أسهمت أيضًا في ترسيخ أنمaاط قراءة سريعة ومجزأة، قائمة على التصفح أكثر من التمحيص.
في هذا السياق، يبرز المعرض كفضاء بديل يعيد الاعتبار لزمن القراءة البطيء. حيث يستعيد الكتاب حضوره المادي، وتستعيد القراءة بعدها الحسي: تصفح، اختيار، نقاش مباشر.
كما تتحول الندوات واللقاءات إلى منصات للنقاش العمومي حول قضايا الثقافة والهوية، وهو ما يمنح الحدث بعدًا يتجاوز البعد التجاري إلى وظيفة ثقافية ومجتمعية واضحة. يعيد «معرض الكتاب» للقراءة بعدها الجماعي. في زمن الفردانية الرقمية، حيث يقرأ كل فرد في عزلة خلف شاشته، يخلق المعرض فضاءً للقاء: بين القرّاء، بين الأجيال، بين الكاتب وجمهوره. إنه فضاء للحوار، للاختلاف، ولتبادل الأسئلة. ليس المعرض مجرد احتفاء بالكتاب، بل احتفاء بالفعل الثقافي كفعل اجتماعي، يربط بين الأفراد ويؤسس لنقاش عمومي حول المعرفة والهوية.
لكن هذا الدور – رغم إيجابياته الكبرى وحرص المنظمين على تطوير كل دورة بشكل مبدع حقا خاصة في السنوات الأخيرة- يظل محدودًا بزمن المعرض الدولي للكتاب وبالمعارض الجهوية.
فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الزخم الموسمي إلى سلوك دائم. تقارير قطاعية سابقة كانت قد نبهت إلى ضعف معدلات القراءة خارج الفضاءات التعليمية، وإلى محدودية شبكة المكتبات العمومية، فضلًا عن إشكاليات التوزيع وارتفاع أسعار الكتب مقارنة بالقدرة الشرائية. وهي عوامل تجعل من المصالحة مع القراءة مشروعًا مركبًا، يتطلب تدخلًا يتجاوز المبادرات الظرفية.
في المقابل، تفرض الرقمنة نفسها كمعطى لا يمكن تجاهله. فبدل التعامل معها كخصم للكتاب، تبرز الحاجة إلى استثمارها كأداة داعمة: منصات القراءة الرقمية، الكتب الإلكترونية، والمحتوى الثقافي على وسائل التواصل يمكن أن تشكل جسورًا نحو الكتاب الورقي، لا بدائل عنه. تُظهر التجارب الدولية أن التكامل بين الورقي والرقمي هو الخيار الأكثر نجاعة، شرط تأطيره بسياسات تشجع على الإنتاج المحلي وتضمن جودة المحتوى.
على مستوى السياسات العمومية، أبرزت الرؤية المتكاملة لسياسة الوزارة الوصية فعاليتها في الحفاظ على علاقة المغاربة بالكتاب رغم تحدي الرقمنة وإغراءاتها خاصة من خلال: دعم النشر، توسيع شبكة المكتبات، إدماج القراءة في الفضاءات العامة وتحفيز المبادرات المدنية. إلا أن المدرسة تبقى مطالبة بإعادة النظر في طرق تدريس النصوص، بما يعيد للقراءة بعدها الممتع، بعيدًا عن المقاربات الاختزالية التي تحصرها في الامتحان.
إن معرض الكتاب، في هذا الأفق، هو مرآة لتحولات عميقة في علاقة المجتمع المغربي بالمعرفة.
هو دعوة لإعادة التفكير في معنى القراءة، في زمن تُختزل فيه المعرفة إلى معلومات سريعة. وهو أيضًا فرصة لإعادة الاعتبار للكتاب كفضاء للحرية، للتأمل، ولإعادة بناء الذات.. يقدّم معرض الكتاب صورة مركّبة عن واقع القراءة في المغرب: حضور جماهيري ملحوظ يقابله تحدٍّ بنيوي في ترسيخ عادة القراءة. وبين ضغط الرقمنة وإمكاناتها، يبقى الرهان قائمًا على بناء علاقة متوازنة مع المعرفة، يكون فيها الكتاب، ورقيًا كان أو رقميًا، عنصرًا فاعلًا في الحياة اليومية. يفتح المعرض الدولي للكتاب الباب، لكن ما بعده هو الاختبار الحقيقي.
