بورتريه..عبد الوهاب الدكالي: سريالي النغم الذي طوع الشجن المغربي
رحل اليوم في هدوء “الدار البيضاء”، ذلك الفتى الذي لم يكبر أبداً في طموحه، عبد الوهاب الدكالي، تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه إلا صدى صوته الرخيم. عن عمر ناهز الـ 85، ترجل “عميد الأغنية المغربية” عن صهوة الإبداع، هو الذي لم يكن مجرد مطرب، بل كان حالة ذهنية، ومدرسة موسيقية جمعت بين فخامة الماضي وتمرّد الحداثة.
بدأت الحكاية في فاس عام 1941، هناك حيث تتنفس الجدران تاريخاً. لم يكن الدكالي عازفاً فحسب، بل كان مشروع فنانٍ شامل؛ طفلٌ تسكنه هواجس الرسم والتمثيل قبل أن تستوطنه الموسيقى. في عام 1957، قرر أن يمنح صوته للجمهور، وفي 1959 سجل أولى نوتاته في سجل الخلود. لقد كان الدكالي يمتلك “عين الرسام” وهو يلحن، يرى الكلمة لوناً، ويحول النغم إلى لوحة تشكيلية، مما جعل أعماله تتسم ببعدٍ بصري ومسرحي لم يعهده الطرب الكلاسيكي من قبل.
حين غنى الدكالي “ما أنا إلا بشر”، لم يحصد الأسطوانة الذهبية فحسب، بل صاغ بياناً فلسفياً عن الوجع والحب والاعتراف بالضعف. تميز مساره بقدرة مذهلة على “المغامرة المحسوبة”؛ فبين شجن “كان يا ما كان” وكبرياء “أغار عليك”، كان يتنقل بخفة العارف بمقامات الروح. أما “سوق البشرية” التي هزت مسارح القاهرة في التسعينيات، فكانت صرخة فنية تثبت أن المحلية المغربية حين تخلص لذاتها، تصل إلى ذروة العالمية.
لم يكتفِ الدكالي بمحبة الجماهير في المقاهي والبيوت، بل كان “سفيراً فوق العادة” للثقافة المغربية. تكريمه من قبل الفاتيكان في مناسبتين لم يكن مجرد بروتوكول، بل اعترافاً بقدرة فنه على مد الجسور بين الأديان والثقافات. واختياره شخصية العام العربي في 1991 كان تتويجاً لمسيرة رجلٍ جعل من “القفطان” الموسيقي المغربي زياً عالمياً يرتديه كل ذواق.
برحيله اليوم، يفقد المغرب ركناً حصيناً من أركان “الزمن الجميل”. رحل الرجل الذي علّم الأجيال أن الموسيقى ليست مجرد طرب، بل هي موقف، وفكر، وأناقة في التعبير. غادرنا الدكالي جسداً، لكنه ترك لنا “كنزاً” من الألحان سيبقى بمثابة البوصلة لكل من يبحث عن هوية موسيقية مغربية أصيلة ومتجددة.
صفوة القول أن الجمال في فن الدكالي لم يكن في صوته فقط، بل في صمته الذي يسبق النغمة، وفي حسه الذي جعل من المغربي العادي بطلاً في رواية موسيقية لا تنتهي.”
