بركة: 45% من الخضر والفواكه لا تمر عبر أسواق الجملة
بركة: 45% من الخضر والفواكه لا تمر عبر أسواق الجملة والوسطاء يستحوذون على 50% من السعر النهائي
شوف تيفي
نظمت رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، يوم أمس الخميس 11 يونيو 2026 بالدار البيضاء، اللقاء الموضوعاتي الرابع حول “حماية الأسر المغربية من الغلاء التصاعدي للمواد الأساسية: آليات مؤسساتية وإجراءات مواطنة”، وذلك برئاسة نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال.
وفي كلمة له بهذه المناسبة، شدد نزار بركة على أن هذا اللقاء لا يندرج في إطار المزايدات السياسية، بل يهدف إلى البحث عن حلول عملية تتماشى مع التوجيهات الملكية الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم الفلاحين، والتصدي للممارسات غير المشروعة لبعض الوسطاء، مشيرا إلى أن معطيات المندوبية السامية للتخطيط تعكس حجم القلق الاجتماعي، إذ ترى 75% من الأسر أن قدرتها الشرائية تراجعت، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.5%.
ورغم تراجع معدل التضخم، أوضح الأمين العام أن الإحساس بارتفاع تكاليف المعيشة ما زال قائما، لأن المواد الأساسية تستحوذ على جزء كبير من إنفاق الأسر، حيث تمثل نحو 8.5% من ميزانية الأسر متوسطة الدخل، وترتفع إلى ما بين 45% و50% لدى الأسر الفقيرة.
كما استعرض، بركة أبرز العوامل التي ساهمت في ارتفاع أسعار اللحوم والخضر وغيرها من المنتجات الأساسية، ومن بينها تداعيات الجفاف، والاضطرابات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الإقليمية، إضافة إلى اختلال توازن العرض في السوق الداخلية نتيجة ارتفاع الصادرات في بعض الفترات، ما دفع الحكومة أحيانا إلى وقف تصدير بعض الخضار لضمان توازن السوق الوطنية.
ولفت إلى أن ما بين 35% و45% من الخضر والفواكه لا تمر عبر أسواق الجملة، الأمر الذي يؤثر على شفافية الإمدادات والأسعار، كما أن تعدد الوسطاء أدى إلى تضخم هوامش الربح وارتفاع الأسعار بشكل لا يعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج أو التوزيع.
وأوضح الأمين العام أن دراسة أنجزها مجلس المنافسة كشفت أن الوسطاء يستحوذون على ما بين 34% و50% من السعر النهائي للمنتجات، وهو ما يحرم الفلاح من عائد عادل ويثقل كاهل المستهلك، لتصبح الفئة الوحيدة المستفيدة من هذا الوضع هي بعض الوسطاء.
كما أكد نزار بركة أن معالجة هذه الإشكالات تتطلب حلولا هيكلية وليست إجراءات ظرفية، موضحا أنه رغم استحالة التحكم في العوامل المناخية أو الأزمات الجيوسياسية، فإن بالإمكان حماية المواطنين والفلاحين من خلال تنظيم الأسواق، ومحاربة اقتصاد الريع، وضمان توزيع أكثر عدالة للقيمة المضافة.
كما شدد الأمين العام على أن تحقيق “الثمن العادل” للمواد الأساسية لا يعني تثبيت الأسعار، وإنما إيجاد توازن يضمن للفلاح دخلا منصفا، ويحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للأسر، مع تمكين الموزعين من الحصول على هامش ربح معقول يتناسب مع الخدمات التي يقدمونها.
وفي سياق عرضه للحلول المقترحة، أكد نزار بركة أن معالجة هذه الإشكالات تستوجب تعزيز السيادة الغذائية عبر ضمان حد أدنى من الإنتاج الوطني يكفل الأمن التمويني، إلى جانب الاستثمار الأمثل في الموارد المائية المتاحة.
وأوضح أن التساقطات المطرية الأخيرة وفرت احتياطات مائية من شأنها دعم مياه الشرب والري خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن التوجيهات الملكية تؤكد ضرورة ضمان التزويد الكامل بالماء الصالح للشرب وتغطية نسبة كبيرة من حاجيات السقي، فضلاً عن أهمية مشاريع الربط بين الأحواض المائية في دعم النشاط الفلاحي بمختلف جهات المملكة.
كما دعا الأمين العام إلى اعتماد سياسة فلاحية تتلاءم مع الإمكانات المائية المتوفرة، مع إعطاء الأولوية للإنتاج الموجه لتلبية حاجيات السوق الوطنية وتعزيز السيادة الغذائية، مبرزا كذلك أهمية تسريع وتيرة الرقمنة وتوظيف التقنيات الحديثة في القطاع الفلاحي بما يساهم في رفع الإنتاجية وترشيد استهلاك المياه، مؤكدا أن تحقيق السيادة يعني أيضا حماية الفلاح من أن يكون الحلقة الأضعف وضمان استفادته من عائد عادل دون الإضرار بالقدرة الشرائية للمستهلك.
وأشار نزار بركة إلى ضرورة إحداث قطيعة مع منظومة التسويق الحالية، مبرزا أن إصلاح أسواق الجملة كان مطروحا منذ سنوات، لكنه ظل مؤجلا رغم تعاقب الحكومات، وأضاف أن عددا من التجارب الدولية أظهرت أن تدبير سلاسل تسويق المواد الأساسية يتطلب آليات أكثر كفاءة في التجميع والتوزيع، خاصة في ظل ما يعانيه السوق المغربي من ضعف التنظيم وتعدد المتدخلين غير المؤسساتيين.
وفي هذا الإطار، استحضر الأمين العام بعض النماذج المقارنة، من بينها التجربة الإسبانية في مجال تنظيم السلاسل الغذائية، والتي تعتمد على شركات متخصصة ذات طابع عمومي أو شبه عمومي أو على مؤسسات توزيع كبرى تعمل ضمن إطار تنظيمي واضح.
وأكد أن المغرب يحتاج إلى آليات مماثلة تعمل تحت إشراف الدولة بما يخدم مصالح الفلاح والمستهلك على حد سواء، سواء من خلال شركات وطنية أو جهوية، دون أن يكون الهدف منافسة الفاعلين الاقتصاديين، بل إعادة التوازن إلى السوق والحد من الممارسات الاحتكارية والجشع.
كما دعا إلى تقليص عدد الوسطاء الذين لا يضيفون قيمة حقيقية إلى سلسلة الإنتاج والتوزيع، وإرساء منظومة فعالة للتخزين من خلال إحداث شركات جهوية متخصصة تقوم بالشراء المباشر من المنتجين والاستثمار في البنيات التخزينية، بما يضمن استقرار التموين ويقلص الفجوة بين كلفة الإنتاج وأسعار البيع للمستهلك.
ومن بين المقترحات التي طرحها أيضا، إحداث مرصد وطني لتتبع هوامش الربح في توزيع المواد الأساسية، على غرار المرصد المعتمد في قطاع المحروقات، بهدف تعزيز الشفافية ورصد الاختلالات في سلاسل التسويق.
وفي سياق متصل، لفت إلى أن نحو 200 ألف شخص يغادرون العالم القروي سنويا للاستقرار في المدن، نتيجة الضغوط التي يواجهها القطاع الفلاحي وتراجع جاذبيته لليد العاملة، وهو ما يشكل تحديا إضافيا أمام تحقيق السيادة الغذائية.
وختم نزار بركة بالتأكيد على أن الرؤية المنشودة لا تقوم على المفاضلة بين مصالح الفلاح والمستهلك، بل على بناء اقتصاد يحقق مصلحتهما معا، من خلال زيادة الإنتاج، وضمان توزيع أكثر عدالة، والانتقال من اقتصاد الغموض إلى اقتصاد الشفافية، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة، نحو سوق يخدم الفلاح والمواطن والوطن.
المصدر: شوف تي في