التصويت بالأغلبية على قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة في مجلس المستشارين
“أفضل مظهر للحرية هو القانون، فالحرية دون قانون ليست سوى رخصة للجهل والفوضى”، من هذه المقاربة العميقة للفيلسوف الألماني “هيغل” ، يشقّ المغرب طريقاً وعراً ومساراً مؤسساتياً نموذجياً لبناء سلطة رابعة تجمع بين قدسية الحرية وصرامة التنظيم. إنها الموازنة الصعبة التي تجسدت في استكمال المسار التشريعي لمشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، واضعاً حداً لسنوات من الترقب والجدل، ليعلن رسمياً عن ميلاد عهد جديد لتنظيم مهنة المتاعب في المملكة المغربية، عهد يقطع بشكل نهائي مع مظاهر العشوائية والتبعية وعدم احترام الضوابط القانونية.
هذا التحول التاريخي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة مسار مؤسساتي دقيق وعميق في طريق التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة بالمغرب؛ حيث كانت البداية من المحكمة الدستورية التي تفحصت النص بعناية وضمنت مواءمته للمقتضيات الدستورية الكبرى للمملكة، مما أضفى عليه تحصيناً قانونياً متيناً. وعقب هذه التزكية الدستورية، نال المشروع ثقة ممثلي الأمة في مجلس النواب، الذي صادق عليه في جلسة عمومية بأغلبية مريحة شهدت تأييد 70 نائباً ومعارضة 25 آخرين، دون تسجيل أي امتناع، مما عكس وقتها رغبة سياسية واضحة في الدفع بالقطاع نحو الأمام.
ولأن النصوص التشريعية الكبرى تحتاج إلى حكمة الغرفة الثانية، فقد حظي مشروع القانون بمحطة حاسمة ومفصلية داخل مجلس المستشارين، حيث جاء التصويت بالأغلبية ليحسم الجدل بشكل قاطع ويمهد الطريق لدخول القانون حيز التنفيذ. وقد حظي المشروع بتأييد 17 مستشاراً مقابل معارضة 7 مستشارين، دون تسجيل أي حالة امتناع عن التصويت، وهي النتيجة التي تحمل دلالات سياسية ومهنية بالغة الأهمية.
إن تصويت مجلس المستشارين بالأغلبية لا يمثل مجرد إجراء شكلي، بل هو تزكية حقيقية وعميقة من لدن المكونات المهنية والاقتصادية والترابية التي يتشكل منها المجلس. لقد عبّر هذا التصويت عن وعي جماعي بضرورة إنهاء حالة المؤقت التي عاشها الجسم الصحفي المغربي، ويمثل انتصاراً حقيقياً لمهنة الصحافة ونبل رسالتها، كونه يضع القواعد الأساسية لتنظيم ذاتي ديمقراطي ومستقل، قادر على مواجهة التحديات المستقبلية وصيانة أخلاقيات المهنة.
هذا المسار المتكامل، الذي زاوج بين الرقابة الدستورية الصارمة والشرعية التشريعية بغرفتي البرلمان، تُطوى اليوم وبشكل نهائي صفحة التدبير المؤقت والارتجالية التي طالما رهنَت تطور المشهد الإعلامي. إن المغرب يفتح اليوم، بكثير من الثقة والمسؤولية، صفحة جديدة مشرقة في تاريخ الصحافة الوطنية؛ صفحة ترتكز على الحكامة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحصين البيت الداخلي للجسم الصحفي، بما يضمن صيانة كرامة الصحافيين ويعزز دور سلطة رابعة قوية، مستقلة، ومهنية في مغرب التعددية والديمقراطية.