بوح الأحد:موسم الهجرة إلى فاس دعم النخبة والإحتضان الشعبي لآليات السيادة،
اجتمعت في هذا الأسبوع ثلاث مناسبات ذات دلالات كبيرة. تهم الأولى الذكرى 67 لتأسيس القوات المسلحة الملكية (14 ماي)، والثانية الذكرى 67 لتأسيس الأمن الوطني (16 ماي)، والثالثة مرور 20 سنة على الأحداث الإرهابية التي عرفتها الدار البيضاء وكانت مؤشرا خطيرا على أن الخطر الإرهابي صار يتهدد أمن واستقرار المغرب وأقرب إلينا من حبل الوريد.
من استهدف المغرب والمغاربة سنة 2003 بتلك التفجيرات الإرهابية كان يعي جيدا دلالة الزمان والمكان، وكان يود من خلالهما إرسال رسائل، مشفرة وواضحة، عديدة في اتجاهات مختلفة ولأكثر من جهة. كان الهدف التنغيص على احتفالات المؤسسة العسكرية والأمنية وإظهارهما مؤسستين ضعيفتين وغير قادرتين على تأمين البلاد والمغاربة. كان الهدف من اختيار المكان استهداف شريان الحياة الاقتصادية وضرب أكبر تجمع بشري في البلاد لإظهار الإرهابيين كقوة لا تخشى أحدا وقادرة على ضرب المناطق التي يفترض أنها الأكثر أمنا. ويمكن التوسع أكثر في دلالة تلك التفجيرات الإرهابية بتقديم تفسيرات أكثر عمقا لاختيار أماكن التفجير المخطط لها، سواء دار اسبانيا أو فندق فرح أو المقبرة اليهودية. ترى كيف سيكون حالنا اليوم لو نجح ذلك المخطط في تحقيق أهدافه؟ كيف سيكون المغرب لو لم يتم التصدي لذلك المخطط في حينه؟
إضعاف الأمن وشل الاقتصاد وضرب السياحة وإثارة الفتنة بين المغاربة مخطط جهنمي يدفع ثمنه المواطنون والدولة والمحيط الإقليمي على حد سواء، ولذلك فالنجاح في التصدي له وتصفير أهدافه إنجاز يكتب بماء من ذهب لكل المؤسسات الوطنية التي اشتغلت من قريب أو بعيد لتحقيقه. ولفهم حجم هذا النجاح ما علينا إلا تذكر الأحداث الإرهابية التي ضربت جربة التونسية مؤخرا لنعي خطورة هذا المخطط. ضربة موجعة أخرى تلقاها الموسم السياحي في تونس ومؤشر آخر ينضاف لمؤشرات أخرى حول عدم الاستقرار في تونس، وإن أضيف ما سبق للتخبط الاقتصادي والتدهور الاجتماعي والاستنساخ المشوه لفكرة النظام الرئاسي الذي صار مرادفا للحكم الفردي المطلق المشخصن وليس المؤسساتي ثم الرهانات الخاطئة على الكابرانات فإننا سنفهم أسباب هذه العزلة التونسية والأوضاع التي تنذر بكارثة توجد عليها تونس والتي لا يستحقها التوانسة. حفظ الله تونس والتوانسة من كل مكروه.
لكل دولة رموز وآليات سيادية مثل العملة والعلم والنشيد وغيرها، وهناك آلية أخطر هي التي تكون ضمن الأولويات المستهدفة دائما من طرف أعداء الوطن، وهي المؤسسة الأمنية والعسكرية. هي أول من يحاول مثيرو الفتنة إضعافها وإلهاءها وإشغالها وإرهاقها وتشتيت اهتماماتها وتركيزها وجهودها. لنتذكر سنة 2011 واختيار 25 يناير يوما للاحتجاج في مصر وهو يوم يتزامن مع عيد الشرطة هناك، ولنتذكر الاستنزاف الذي عانت منه تلك المؤسسة خلال أيام الاحتجاجات مما اضطر الدولة للاستنجاد بالمؤسسة العسكرية، وبقية القصة ومآلات تلك الأحداث يعرفها الجميع اليوم.
يحسب لنساء ورجال هذه المؤسسة أنهم كانوا في الصف الأول للتضحية، ويحسب لقيادة هذه المؤسسة أنها سلكت أقوم مسلك للقضاء على الخطر الإرهابي بأقل تكلفة وبأكثر قدر من الفعالية وبمنهجية مغربية خالصة طوقت هذا الخطر وجعلت المغرب في مأمن منه رغم أنه كان من أكثر الدول المستهدفة بمخططاته التخريبية.
في هذا السياق العام والخاص، ينبغي أن نفهم الاستهداف الذي تتعرض له هذه المؤسسة الأمنية التي أفشلت مخططات إرهابية حقيقية داخل التراب المغربي وقدمت معلومات أحبطت مخططات إرهابية خارج التراب المغربي كما تعترف بذلك دول كثيرة.
لقد سبق لجلالة الملك في خطاب ثورة الملك والشعب لسنة 2021 أن ذكر بحقيقة الحملات التي تستهدف هذه المؤسسة الأمنية حين قال حرفيا “كما دبروا حملة واسعة، لتشويه صورة مؤسساتنا الأمنية، ومحاولة التأثير على قوتها وفعاليتها، في الحفاظ على أمن واستقرار المغرب؛ إضافة إلى الدعم والتنسيق، الذي تقوم به في محيطنا الإقليمي والدولي، باعتراف عدد من الدول نفسها”. هذا النجاح في التصدي، العلاجي والوقائي، للظاهرة الإرهابية، داخل المغرب وخارجه، لم يعد محط شك، وهو مصدر فخر للمغاربة جميعا لأنه إنجاز دولة بكل مكوناتها تولته نيابة عنهم وباحتضان وتوكيل منهم المؤسسة الأمنية. وهذه مناسبة أخرى للتذكير بالدور الخبيث لبعض المساميم الذين يستغرقون جهودا خرافية للنيل من هذه المؤسسة متناسين أنهم يضعفون الدولة ويضعون المغاربة أمام الخطر بدون حماية. نميز بين النقد والهدم. النقد مطلوب وأول من يطلبه هم القائمون على هذه المؤسسة الأمنية، ومن أجل ذلك ينظمون الأبواب المفتوحة للاستماع والتواصل وتلقي الشكايات والاقتراحات والملاحظات، ولكن النقد غير الهدم الممنهج وتحطيم المعنويات. تتبع عمل المؤسسة الأمنية بالنقد والملاحظات كان سببا في تقويم الكثير من الأخطاء التي فتح حولها تحقيقات ونال من تسبب فيها جزاءه. هذا مطلوب ومرحب به. هنا أتذكر شيخ المساميم زيان الذي نفى صفة المؤسسة عن الأمن ووصفه بالجهاز وألصق به صفة سياسية هو بعيد عنها. الأمن مؤسسة كما سماها جلالة الملك وليس جهازا بالمعنى القدحي الذي يلمز إليه زيان الذي ألف تلك الألفاظ عبر تاريخه الوسخ حين كان ماكينة للتصدي للمناضلين، وهو مؤسسة وطنية سيادية محايدة مِلْكٌ لكل المغاربة ولا دخل لها بالسياسة التي هي شأن الفاعلين السياسيين. هذه مناسبة أخرى للتذكير بخطورة هذه التصريحات المسمومة وآثارها إن لم تجد من يتصدى لها ويفضح خلفياتها وهذا دور الإعلام أساسا، أما زيان فقد بلغ أرذل العمر ولم يعد يفكر فيما يقول قبل قوله لأنه فقد الفرامل ويتصور نفسه وحيد عصره الخبير في كل شيء. حتى وهو داخل زنزانته، تُنشر له في موقعه الميت تحليلات حول تحلية المياه رغم أن الموضوع تخصصي دقيق والأولى أن لا يخوض فيه إلا متخصصون. لم يعد أمام زيان إلا ادعاء أنه يستنسخ منه “زيانات” وترفع عنه الحجب ويخترق الجدران ليدلي بتصريحاته وتحليلاته. هذا هو زيان الذي لا يعي أتباعه أنه يشكل خطرا على نفسه وتركه في هذه الحال وتشجيعه على هذه التصرفات يضاعف حالته المرضية ويعقد تعافيه من “بلية” الثرثرة في كل شيء بدون علم. على من يحب زيان أو يدعي ذلك أن يستره ولا يفضحه بنشر تُرّهاته على الملأ فيسيء إليه من حيث يظن أنه يقدم له خدمة. وعلى زيان أن يستسلم لقدره ويعي أن للسن مقتضاه ويتخلص من وهم أنه ما يزال شابا لأنه قادر على سياقة سيارته أو ما زال يستثار بمفاتن موكلاته. أصعب مرض يمكن أن يصيب أمثال زيان هو التصابي. عافانا الله وإياكم.
نِعْم المبادرة هي تلك التي أطلقها الملك وهو يأمر، بمناسبة ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية، بـإنشاء المركز الملكي للدراسات وأبحاث الدفاع التابع للكلية الملكية للدراسات العسكرية العليا ليتولى المساهمة في تكريس ثقافة المقاربة الاستراتيجية في التعامل مع إشكاليات وتحديات منظومة الدفاع والأمن، في أبعادها الشاملة، وخلق فضاء للكفاءات التحليلية المدنية والعسكرية. سيعزز هذا المقترح التفوق المغربي الذي كان أساس الانتصارات الدبلوماسية والسياسية التي حققها المغرب دفاعا عن وحدته الترابية. لقد كان للحسم العسكري في الميدان دور كبير في إسناد الدور الدبلوماسي والسياسي.
نِعْم الشعار ذلك الذي اختارته مديرية الأمن الوطني لاحتفالاتها ” 67 سنة من التحديث المتواصل لمرفق مواطن”. تحديث متواصل واستمرارية متجددة لطرق العمل وأدوات الاشتغال وبنيات المؤسسة لربح رهان المفهوم الجديد للسلطة وجعل الأمن مرفقا عموميا مواطنا مندمجا في محيطه. يشهد لهذه المؤسسة أنها تعيش تغيرات متسارعة وكبيرة غيرت الكثير من الانطباعات لدى المغاربة حولها. خلال مدة وجيزة ربحت المؤسسة الأمنية رهانات كثيرة جعلت المغاربة يحتضنوها ويتلقون التحولات التي تعيشها بقبول حسن.
إقدام المديرية العامة للأمن الوطني على تنظيم الاحتفال السنوي بمدينة فاس في مكان مفتوح وخارج مقرها دليل آخر على الانفتاح الذي بلغته. دقة تنظيم الحفل الافتتاحي وجودة العروض دليل آخر على المجهودات المبذولة منذ سنوات لمواكبة التطورات الحاصلة في هذا المجال. حجم الحضور وتنوعه ونوعيته دليل إضافي على الشعور بأهمية ما تقوم به المؤسسة الأمنية من عمل واقتناع من طرف كل الحاضرين بأن دعم الأمن صار مسؤولية الجميع. الأمن شأن مجتمعي تتولاه هذه المؤسسة نيابة عن الجميع ويلزم دعم وتثمين وتشجيع والاعتراف بمن يقف على ذلك الثغر من ثغور حماية الجدار.
لقد كان يوم الثلاثاء يوما مشهودا، هو موسم الهجرة إلى فاس حيث وقف الجميع على حجم الإنجاز الأمني، وفهم كل من تابعه سر نعمة الاستقرار والأمن الذي ينعم به المغرب والمغاربة. وكأني بالمساميم مرة أخرى تصيبهم الصدمة فيرددون اللازمة الممجوجة عن تصدر حموشي للمشهد واستئثاره بحديث وسائل الإعلام.
من تابع احتفالات هذه الذكرى يكتشف سر نجاح حموشي. حضر وزير الداخلية بصفته الرئيس التسلسلي والمسؤول السياسي وتناوب على الكلمة المعنيون وظل حموشي الرجل الصامت الذي يتحدث عنه فعله وإنجازاته وبصمته ومنهجية تفكيره واشتغاله التي لا تخطئها عين مراقب. ألا يستحق هذا الإنجاز الحديث عنه إعلاميا؟
بلغ السم بعلي لمرابط مبلغا جعله يقف مشدوها أمام هذا الاحتضان والاعتراف الشعبي بعمل المؤسسة الأمنية ويتأسف متهكما، والحقيقة أن هذه هي أمنيته، على عدم دعوته للحضور. لا مكان لك هناك طالما لم تتصف بالموضوعية التي تجعلك تقف محايدا وغير متحامل بشكل خاطئ ومجاني على دولتك ومؤسساتها السيادية. لا مكان لك هناك لأنك اخترت أن تكون ظهيرا للكابرانات على البلد الذي آواك. لن تكون هناك في وضع مريح لأنك أسلمت قلمك لمن يدفع لك نظير ما تكتبه من سوء عن بلدك. لا يكفي أن تدعي أنك لست معارضا وأنك مجرد صحافي. جلباب المعارضة أكبر منك بكثير ولن تستطيع له سبيلا، ومهنة الصحافة بعيدة عنك لأنك تضع ذاتك محور كل شيء.
يعيش لمرابط في الماضي ولو استعمل في روتينه السياسي الأبيض والأسود وتجنب الصورة بالألوان لكان من مؤسسي “صحافة زمان” على وزن “روتانا زمان”. يحتاج لمرابط وأمثاله إلى الاستفاقة من سباتهم الذي طال حتى صار يشبه نومة أهل الكهف، وعليه أن يزيل الغشاوة عن بصره وبصيرته ليرى المغرب الجديد، وعليه أن ينتزع من الكابرانات وسمبريرو استقلاليته عوض حالة الذل والعبودية التي يعيشها وتجعل كل من يعرفه أيام زمان يشفق على الحال الذي هو عليه اليوم حتى صار في مرمى نيران معارضي آخر زمان.
ربحت المؤسسة الأمنية تحت قيادة عبد اللطيف حموشي رهان الأنسنة فصارت مرفق خدمة للمغاربة، وربحت رهان الحرفية فصارت تضاهي في جودة عملها مؤسسات أمنية لدول عريقة رغم الفارق الكبير في الإمكانيات لأنها راهنت على العامل البشري ونظام الحوافز الوطنية التي تحركه، وربحت رهان النجاعة والفعالية والأرقام التي قدمت بهذه المناسبة أكبر دليل على ذلك، وربحت رهان التواصل حيث صارت المؤسسة الأكثر تواصلا وانفتاحا وإخبارا بكل ما يلزم أن يعرفه المغاربة عنها، وربحت رهان التخليق والشفافية حيث لم تعد تتسامح مع مظاهر سوء التدبير والفساد، وربحت رهان الجاذبية حيث صارت مؤسسة تستقطب أهم الكفاءات مما انعكس على جودة أدائها. لن ينسى المغاربة أن هذه المؤسسة كانت في الخط الأول لمواجهة وباء كوفيد وأعضاؤها كانوا في مقدمة من جرب عليهم اللقاح حينها. لذلك ربحوا تعاطف المغاربة.
يغيظ المساميم سماع هذه الحقائق ولكن المناسبة شرط. والمناسبة تستلزم الاعتراف لكل ذي فضل بفضله، ولو أنهم يعتبرون ذلك واجبا وليس فضلا ويقومون به بحب وليس منة على المغاربة.
أصبح لهذه المؤسسة حاضنة شعبية واسعة ومتنوعة ويتضح ذلك من الإقبال الجماهيري على الأبواب المفتوحة. هذا يعكس حالة الرضى الشعبي عن أدائها. ما الذي يجعل رياضيين وأكاديميين ومثقفين يحجون إلى فاس ليشهدوا ذلك الاحتفال الكبير؟ ما الذي يجعل متألقا مثل وليد الركراكي يكون من المهنئين لهذه المؤسسة بهذه المناسبة؟ هل هي الحاجة لامتيازات وهو المستغني عنها والقادر على كسب مداخيل تفوق بأضعاف ما يتقاضاه من المغرب؟ ما الذي أقنعه بجدوى الحضور لهذه المناسبة وهو الذي ترعرع في بيئة تجعله لا يستجيب لما هو غير مقتنع به؟
لا شيء يجعل الركراكي وغيره من الحاضرين يقبلون على تقاسم هذه اللحظة الاحتفالية مع نساء ورجال هذه المؤسسة سوى توجيه رسالة اعتراف وامتنان لهم جميعا على ما يقومون به لتأمين البلاد والعباد. هؤلاء جميعا يعرفون أن عمل هذه المؤسسة يهيئ لهم بيئة مناسبة للعمل والتفوق والإبداع في مجالاتهم.
بالمقابل، نجد مقاولة فري كلشي نشطة في “التنوعير”. توفيق بوعشرين الذي يقضي عقوبته السجنية بشكل عادي يريد امتيازات لا حق له فيها، ويريد فرض صفة معتقل رأي أو معتقل سياسي رغم أن جريمته مقرفة يستحيي الإنسان من ذكرها أمام الملأ. محاكمته أقفلت باستنفاذه لكل مراحلها وحكمه صار حائزا لقوة الشيء المقضي به. كيف يمكن الاستجابة لمطالبه خارج القانون؟ هل بيانات المقاولة وتدوينات الزوجة والغلمان والتخويف بالمنظمات يمكنه ردع مؤسسة وطنية عن إنفاذ القانون؟
وفي السياق نفسه، يحاول أجراء مقاولة فري كلشي نفض غبار النسيان عن ملف سليمان باستغلال ذكراه. الأولى في هذه الذكرى تذكر ما اقترفه سليمان والمسارعة إلى الاعتذار لضحيته. الأولى نصح توفيق وسليمان وغيرهما بالاعتراف بالحقيقة وتسوية وضعيتهم مع الضحايا والتماس العفو منهم والاعتذار للمغاربة. الأولى تجنب التغطية على الحقيقة وادعاء أن سبب محاكمة هؤلاء صفتهم المهنية لأن هذا مناف للحقيقة. إنهم مواطنون مذنبون في السجون يقضون عقوبتهم في ظروف تليق بما ارتكبوه من جرائم ويتمتعون بما تكفله لهم القوانين من حقوق وعليهم بالمقابل أن ينسوا وسواس أنهم معتقلون فوق القانون. وعليهم أن يتذكروا أن زمن الاستقواء على مؤسسات الدولة ولى إلى غير رجعة.
استيقظ بروكسي الفرنسي متأخرا وتجاهل كل المستجدات التي تؤكد عدم وجود أدلة إدانة ضد المغرب بخصوص بيغاسوس. ولأنه أجير ضد المغرب فقد ارتضى لنفسه أن يكون تاجر خردة الإشاعات ضد المغرب. فضل بروكسي إعادة تدوير الشائعات القديمة ونشرها في وقت كان عليه فحص تقرير اللجنة البرلمانية الأوربية الأخير ومطالبة المنابر التي تنشر ضد المغرب بالاتصاف بالمهنية ونشر أدلتها ضد المغرب عوض الكلام المرسل الذي لا تسنده أدلة.
هي حالة “الجعرة” التي تصيب المساميم والطوابرية خلال مثل هذه المناسبات وهم يحصدون الهزائم ويطويهم النسيان. في هذا المغرب لا يصح إلا الصحيح.
وعلاقة بفرنسا، لا يسع المستمع لسفير فرنسا في الرباط إلا الخجل من هذه “السنطيحة” التي يتمتع بها أمثاله. السفير كريستوف لوكورتيي وخلال زيارة إلى إحدى الشركات المغربية بمدينة الدار البيضاء كال للعلاقات المغربية الفرنسية مديحا يجعل المستمع إليه يتصور هذه العلاقات سمنا على عسل. مرة أخرى يمكن التماس العذر لهذا السفير الذي يريد تحقيق اختراق في هذه العلاقات المتوترة والبحث عن بصيص أمل في هذا الانسداد الذي تسبب فيه أساسا ماكرون رهينة الدولة العميقة في فرنسا.
لماذا يتجاهل السفير الفرنسي النسب المرتفعة لرفض طلبات التأشيرة من طرف سفارته في المغرب؟ لماذا لا يذكر بأن هذا مؤشر مقلق ينبئ عن إرادة فرنسا الحفاظ على علاقات غير متكافئة؟ لماذا يتجاهل أن الدولة العميقة في فرنسا حاضرة في كل ما يسيء للمغرب؟
لن ينفع السفير الفرنسي حوار مع مجلة مغربية، ولن ينفعه زيارات لمقاولات مغربية يستعرض خلالها مهاراته الدبلوماسية، ولن ينفعه تجاهل نصف الكأس الفارغ بشأن العلاقات المغربية الفرنسية. يعي المغاربة هذه اللعبة جيدا، وهم صاروا على علم بحقيقة العلاقة بين البلدين والمتسبب في حالة الفتور التي تعيشها، وينتظرون خطوات عملية من الدولة الفرنسية تصلح ما أفسدوه من قبل. قبل هذا ستكون مثل هذه الجهود صبا للماء على الرمل ليس إلا.
في بوح الأسبوع الماضي ختمت بالحديث عن الانتخابات التركية. قلت حينها بأن أردوغان في وضع حرج لا يحسد عليه سواء نجح أو لم ينجح. وها قد تأكد كل شيء بعد نهاية الانتخابات.
لأول مرة تقام جولة ثانية للانتخابات الرئاسية في تركيا. حصاد أردوغان أوصل تركيا لحالة انقسام مجتمعي حقيقي حيث ينقسم الشارع التركي إلى كتلتين متقاربتين.
فشل أردوغان الإسلامي الذي بشر بمشروع الإسلام السياسي ولم يحصد طيلة عقدين سوى شق خريطة الإسلام السياسي في تركيا وصناعة عداوات مع كولن وداوود أوغلو وفاتح أربكان وعلي باباجان وعبد الله غل. فشل أردوغان في نيل رضى ناخبي إسطنبول رغم أنه صنع مجده السياسي فيها ورغم الهوى الإسلامي لكتلة واسعة من ساكنتها.
فشل أردوغان الطامح لمائوية جديدة ينسي فيها الأتراك زعيمهم أتاتورك. حجم التصويت له ضعيف وحجم معارضيه يجعله بالكاد رئيسا عليه تقديم تنازلات كثيرة ليستحق لقب رئيس لكل التركيين فأحرى أن يكون زعيما للأمة.
فشل أردوغان الذي بنى جزءا من شعبيته على مناصرة فلسطين وإحراج شيمون بيريز في منتدى دافوس. انتهى المطاف بأردوغان إلى إعادة التطبيع مع إسرائيل بشكل أقوى مما كان عليه سابقا.
فشل أردوغان الذي حلم بإنعاش “الخلافة العثمانية” في قيادة السُّنة وانتهى به المطاف متقوقعا في البحث عن رضى المسلمين الأتراك وتوصل إلى أن ما تمناه كان أضغاث أحلام ليس إلا.
فشل مشروع أردوغان الاقتصادي بعد الانهيار الذي عرفته الليرة والتضخم الذي تعيشه تركيا واتضح للأتراك أن المعجزة التركية ليست بذلك الشكل الذي تم تصويره وأن المتغيرات قد تعصف فجأة بكل تلك الإنجازات.
فشل أردوغان في كل تدخلاته الإقليمية، سواء مساندته لإخوان مصر أو سوريا أو ليبيا. ها هو قبيل الانتخابات يجري مصالحات كبيرة مع كل هذه الدول بحثا عن مقعد الرئاسة بأي شكل.
نجاح أردوغان في الجولة الثانية لم يعد مزعجا لأي أحد، بل صار مطلوبا لدى بعض خصومه لأنه سيكون في وضع لا يحسد عليه وأوراقه انكشفت ونقط قوته تقلصت.
الدول لا تدار بالحماس، وربح الرضى الشعبي لا يكون بالشعبوية، ودغدغة العواطف سلاح ذو حدين وعواقبه على المدى البعيد تكون وخيمة على مستعمله قبل غيره. في التجربة الأردوغانية درس آخر للأردوغانيين المغاربة.
بالمقابل، سيلاحظ أن التصويت العقابي لأردوغان قابله تصويت لحزبه في البرلمان الذي صار يمتلك رفقة باقي مكونات تحالف الشعب أغلبية. هذا مثال آخر على أن المشكل في شخص أردوغان.
نلتقي في بوح قادم.