<>

1

بوح الأحد:الإنحرافات المحتملة يجب ألا تنسينا نجاح إجهاض محاولة اقتحام باب سبتة

بوح الأحد:الإنحرافات المحتملة يجب ألا تنسينا نجاح إجهاض محاولة اقتحام باب سبتة

A- A+
  • بوح الأحد : الإنحرافات المحتملة يجب ألا تنسينا نجاح إجهاض محاولة اقتحام باب سبتة في إطار لعبة الأمم و الحسابات الإستراتيجية للمتضررين من الرصيد الإقليمي للمغرب، من الرباط إلى أنقرة حموشي يواصل تعزيز الإشعاع الدولي للأمن المغربي و أشياء أخرى…

    أبو وائل الريفي

  • طبيعي أن تتصدر محاولات اقتحام معبر باب سبتة الحدودي الاهتمام بما عرفته من إنزال نحو الفنيدق وما جاورها، وليست مشكلة أن تتصدر تلك الأحداث التراند في مواقع التواصل الاجتماعي لأن الموضوع يستحق فعلا ذلك. الحدث يجسد باختصار مأساة حقيقية وصل إليها العالم بسبب سياسات سوء توزيع الثروات ويعطي دليلا إضافيا للجرائم التي ارتكبتها القوى الاستعمارية في حق شعوب دول الجنوب التي اصطلح عليها يوما ما “العالم الثالث”. ومطلوب بشكل كبير أن تحظى تلك الأحداث بتغطيات إعلامية ودراسات تحليلية ومواكبة ميدانية لمعرفة أسبابها ومسبباتها وطرق معالجتها.
    ما هو غير طبيعي كليا هو أن ينظر إلى تلك الأحداث بمعزل عما يحدث في باقي المناطق الحدودية في العالم، سواء في الحدود الشرقية لأوربا أو في الحدود الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية أو أحيانا في الحدود بين دولتين تنتميان لنفس القارة ولكن بينهما فارق في الفرص المتاحة. المرفوض هو أن تستغل هذه الأحداث لتصفية حسابات مع بلد أو الانتصار لمقاربة انتقائية ترى من المشهد كله ما يخدم أجندات هامشية فقط. المحذور هو أن يتم التغاضي عن الأسباب الحقيقية لموجات الهجرة الجماعية النظامية وغير النظامية من بلدان الجنوب نحو عالم الإلدورادو. والمستغرب حقا هو عدم استفراغ الجهد لفهم أسباب الدعوات التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي متخذة من تاريخ 15 شتنبر موعدا مقدسا لاقتحام الحدود دون اكتراث بما يمكن أن يتسبب فيه هذا الفعل من تداعيات، والمستهجن هو عدم بذل مجهود لفهم أسباب اختيار هذا التوقيت، ومعرفة من يقف وراء تلك الدعوة، وأهدافه، وخلفياته.
    ولأن هذا البوح وصاحبه اختارا الانتصار للمنطق والتنوير والابتعاد عن الدوغمائية فإنه اختار تسليط الضوء على مناطق العتمة التي تعمد البعض تجاهلها عمدا أو جهلا حتى تكتمل الصورة لدى المتابعين وحينها يحق لكل واحد أن يتخذ موقفه الخاص مما حدث.
    ليس بمستطاعنا أن نغير الجغرافيا، وقد كان قدرنا أن نكون أقرب بوابة للقارة الإفريقية إلى أوربا التي يتصورها إنسان الجنوب بلد الأحلام والفرص والأمل للتخلص من واقع التخلف والحروب الأهلية والكساد الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي. ولذلك فليس مستغربا أن يكون المغرب بمختلف ممراته البحرية وجهة جذابة لكل الراغبين في الهجرة غير الشرعية، وخاصة أنه اختار منذ زمن التعامل بطريقة إنسانية وحقوقية واجتماعية وحضارية مع طالبي الهجرة بشكل لا يقارن مع جيرانه. والمتأمل في التحولات التي يعرفها المغرب على مستوى هجرة الأفارقة يظهر له جليا سر هذا الإقبال على المغرب الذي يتحول بشكل سريع من بلد عبور إلى بلد إقامة. ويمكن إجراء مقارنة بسيطة بين الأعداد وطرق التعامل وسط الدول المغاربية على الأقل لنرى الفرق الكبير والثقل الذي يتحمله المغرب مقارنة مع غيره.
    تعودنا خلال سنوات خلت أن موجات تدفق المهاجرين تتأثر ببعض المناسبات والتواريخ، حيث يعرف الإقبال على “الحريك” تزايدا ملفتا بالتزامن مع مناسبات أعياد يظن فيها “الحراكة” أن عدد قوات الأمن والمراقبة يتناقص بحكم العطلة، ومن أهم هذه المناسبات ليلة عيد الأضحى وعيد الفطر والمولد النبوي ورأس السنة الميلادية. ويقبل على الهجرة غير الشرعية خلال هذه المناسبات راغبون في الهجرة من جنسيات متعددة إفريقية وعربية وحتى مغاربة لم يجدوا فرصا في بلدانهم أو يبحثون عن فرص أفضل. ومن أسباب اختيار يوم 15 شتنبر يوما للهجرة الجماعية والاستجابة لتلك الدعوات هو طول مدة هذه العطلة التي دامت أربعة أيام وظنها الحراكة فرصة ذهبية لا تعوض.
    من السذاجة اختزال هذه المحاولات في رغبات فردية ليائسين لأن في ذلك تغطية وصرف نظر عن شبكات إجرامية منظمة تنشط في هذا المجال وتتاجر في البشر وتستغل بشكل بشع معاناة الناس وتغذي هذه الرغبة عبر وسطاء سريين وعلنيين أحيانا لدرجة جعلت من هذا الموضوع موردا مدرا لأرباح خيالية حيث يتداول الحديث عن أرقام بين مليونين و7 ملايين سنتيم لتهريب الشخص الواحد عبر قوارب موت تنتفي فيها كل مواصفات السفر وتتزايد فيها مخاطر الموت المحقق. ما يؤكد ذلك هو عدد العصابات التي يتم تفكيكها وعدد محاولات الهجرة الجماعية التي يتم كشفها في فترات متقاربة، ويكفي أن نذكر بأنه فقط في شهر غشت تم إحباط الآلاف من محاولات الهجرة غير الشرعية، أما إذا اعتمدنا إحصاءات لفترة أطول فالرقم له أكثر من دلالة فقد بلغ عدد الشبكات التي تم تفكيكها 177 شبكة. بلغة المعدل اليومي، نحن أمام عشرات الحالات يوميا يتم توقيفها من طرف السلطات المغربية ولا تتداول أخبار هذه الإنجازات إعلاميا ولا تحظى بتقدير حقوقي تستحقه بسبب الحرفية التي يتسم بها تدخل السلطات واحترام كل المعايير في ذلك، وهذه الأرقام تفتح الباب لفهم حقيقة المشكلة التي يواجهها المغرب وثقل العبء الذي يتحمله لتأمين الحدود والوفاء بالتزاماته تجاه المنتظم الدولي، وهذه الأرقام تؤكد أن المغرب نجح بشكل كبير في التصدي بنجاعة لظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويتجلى النجاح أكثر حين نعرف بأن نقط الهجرة كثيرة من شمال المغرب إلى جنوبه على امتداد البحر المتوسط والمحيط الأطلسي بدءا من المدن الجنوبية المحادية للاس بالماس ومرورا بالجديدة والقنيطرة والعرائش وغيرها وانتهاء بالفنيدق وما جاورها، وهو ما يتطلب موارد أكثر وإمكانيات غير عادية ولا سيما في ظل التطور الذي تعرفه عمليات “الحريك”.
    توقيف هذه الشبكات وملاحقتها بالقانون والتضييق على فضاءات نشاطها يجعلها تبحث دائما عن طرق أخرى لفك القيود عليها، وهي مستعدة للمغامرة بكل شيء من أجل ذلك. ومن هنا نفهم سر اختيار تاريخ 15 شتنبر الذي توسط عطلة طويلة وسر هذه الحملة الافتراضية التي انتشرت كالنار في الهشيم مراهنة على تجاوب فئات واسعة معها لأنها صورت عملية “الحريك” وكأنها نزهة كما قدمت الضفة الأخرى وكأنها الإلدورادو التي يكفي العبور إليها لتحقق كل الأحلام.
    من ناحية ثانية، يمكن إلقاء النظر على البروفايلات الخاصة بمن وجد في عين المكان يوم 15 شتنبر لنستنتج أنها بروفايلات جديدة لأنها لم تنتق الحراكة فهذا كان هدفا مستبعدا مقارنة مع هدف توريط السلطات العمومية المغربية ودفعها للارتباك وارتكاب أخطاء تستغل للنيل من معنوياتها بهدف تخفيض منسوب اشتغالها الذي أضر كثيرا بهذه الشبكات.
    الهجرة والبحث عن بدائل أفضل حق مشروع، والمغرب ليس ضد ذلك، ولا يقدم نفسه مستثنى من هذه الموجة، ولكن الهجرة تستلزم من المرشح توفره على شروط دنيا منها السن وبعض المؤهلات التي تتيح له القدرة على العمل والقابلية للاندماج والتطوير في مجتمعات تسير عجلتها بسرعة قد لا تسايرها أعداد كبيرة ممن ضبط في عين المكان من الأطفال والقاصرين والمراهقين والمنقطعين عن الدراسة وعديمي الكفاءة وغير القادرين على التواصل حتى مع السلطات فكيف بهم يندمجون في مجتمعات بلغات وثقافات مختلفة. استهداف حملات مواقع التواصل الاجتماعي هذه العينات كان الهدف منه ضخ حصيص من الشباب وسط أوربا يسهل اصطيادهم وتوظيفهم في أعمال قذرة هناك لأنها بعجزها عن الاندماج تصبح لقمة سائغة لشبكات الجريمة والإرهاب والمخدرات، ولا يخفى أن وراء ذلك تقديم خدمة ذهبية لليمين المتطرف ليجمع كل المهاجرين في سلة واحدة.
    النقطة الثالثة التي ستساعدنا على فهم هذا الحدث هي سعي بعض من يزعجهم استقرار المغرب وانتصاراته الدبلوماسية لفرملة إنجازاتنا بأي طريقة، ولو اقتضى الأمر اصطناع الفوضى، فما بالك إن وجد شرارتها مهيأة. لا ينبغي أن نغض الطرف -في كل ما حدث طيلة الأسبوعين الأولين من شهر شتنبر- عن جارة السوء التي روج نظامها عبر ذبابه الإلكتروني لهذه الدعوات. روجت جارة السوء لهذا اليوم بشكل مكثف وساهمت في إشعاله بترحيل عناصر إلى عين المكان لتسخين الطرح وتغطية الحدث والهدف لا يخفى على أحد وهو تصوير المغرب دولة فاشلة وغير متعاونة وعاجزة عن الوفاء بالتزاماتها وإشعال فتيل نزاع مع الجارة إسبانيا انتقاما، ولهذا لا ينبغي أن نتغاضى عما يرافق لعبة الأمم في كل ما حدث لتحسين التموقع أو التضييق على خصم أو الانتقام من آخر.
    هوس نظام شنقريحستان بالمغرب، وعدم رضاه عن التقارب المغربي الإسباني جعله يستثمر في دعوات 15 شتنبر ليؤلب الرأي العام الإسباني على حكومته وضد المغرب وتصويره كدولة مزعجة للاستقرار في إسبانيا، وتقديمه أمام الاتحاد الأوربي كدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها وتأمين حدودها مما يجعله عرضة للنقد بين الدول الأعضاء في مؤسسات الاتحاد الأوربي.
    هوس نظام شنقريحستان بالمغرب أوصله حد ارتكاب حماقة لا يتصور أن ترتكبها دولة تحترم نفسها وجوارها والتزاماتها حين رعت مسيرة من يدعون أنهم “ريافة انفصاليين” ببروكسيل يوما قبل 15 شتنبر، وظهر فيها أحد العملاء يحرض الأوربيين ضد المغرب، مع وجوب التذكير بهذه المناسبة بما سبق لنظام الكابرانات أن اقترفه منذ شهور فقط من خطيئة حين أسس تحالفه المقدس مع حركة “العشبة” لإقامة جمهورية “الزطلة” وهو يعتمد رسميا ما سماه مكتب “تمثيلية جمهورية الريف بالجزائر”. هل هو من باب الصدفة تزامن التواريخ؟ هل هي مصادفة أن تحظى تلك المسيرة بتغطية من قناة عمومية هي قناة الجزائر الدولية AL24 news ناهيك عن صفحات الانفصاليين التي كانت تبث المسيرة مباشرة. الحمد لله أن الأعداد الهزيلة والعشوائية الطاغية واللغة البدائية وبيانات التبرؤ أجهضت هذه الخطوة وأفشلت رهان نظام الكابرانات وفضحت نواياه التخريبية ضد المغرب وسحبت ادعاء تمثيلية أهل الريف من مجموعة عملاء يحترفون بيع الزطلة ويبحثون عن تأمين مصالحهم ولو بالعمالة لنظام الكابرانات، ولكن يجب عدم عزل أحداث اقتحام باب سبتة ليوم 15 شتنبر عن هذا الحدث كذلك، وما يؤكد ذلك هو أعداد الجزائريين الكثيرة والأفارقة والعرب الذي تسربوا من حدودها نحو منطقة الحدث. التقديرات الأولية تفيد بأن أكثر من نصف الموقوفين أجانب وعدد الجزائريين ضمنهم غير مسبوق، ومنهم من تم ترحيلهم عبر مطار الدار البيضاء بعد توقيفهم.
    النقطة الرابعة التي يجب عدم إغفالها هي هذا الحرص على صناعة توترات داخل المغرب بأي طريقة، ولو تطلب الأمر استعمال وسائل مفضوحة. هل يمكن اعتبار ترويج دعوات التظاهر في مدن مغربية في تواريخ محددة آخر هذا الشهر مسألة عادية؟ هل يمكن اعتبار الترويج لإعادة نفس حدث الهجرة الجماعية نهاية الشهر مسألة عادية؟ لماذا هذا الإصرار على إرباك الدخول السياسي بالمغرب؟ ما علاقة ذلك بما يروجه البعض من أخبار زائفة حول المغرب؟ ولمصلحة من تروج هذه الشائعات بالتزامن مع انتصارات دبلوماسية وسياسية يحققها المغرب؟ وما علاقة ذلك كله بترؤس المغرب لمجلس حقوق الإنسان؟
    لا تخطئ العين المجردة مصدر تلك الدعوات للتظاهر بمدن عدة من المغرب، بل إن المصدر الخارجي يتأكد من الأماكن المختارة للاحتجاج. هل توجد في المغرب منطقة بأكادير تسمى برلمان انزكان؟ وهل هناك جردة/ حديقة قرب مقاطعة عين السبع بالدار البيضاء؟ وهل من يهمه نجاح هذه المظاهرات عاجز عن التمييز بين عمالة عين السبع ومقاطعة عين السبع؟ وهل سبق أن احتضنت هذه المنطقة مظاهرات منذ عقود من الزمن؟ هذه بعض من المؤشرات التي تؤكد أن هذه الدعوات المجهولة مصدرها من خارج المغرب، وجاهل بجغرافية ومعطيات المغرب، ويزيدها تأكيدا طبيعة الصفحات التي تروجها والتي لا يخفى على أحد الجهات التي تقف وراءها.
    لكل ما سبق، يجب عدم عزل حدث الاقتحام عن سياقه وعدم الاستهانة بأهدافه الخبيثة، والتصرف بسذاجة تجاهه أو بنية حسنة لأن هناك فرق شاسع بين شباب يبحث عن فرص أفضل ولا يرى طريقا لذلك غير الهجرة وهؤلاء يلزم التعامل معهم وفق هذه الحالة وبما يلزم من استحضار لمقاربات متعددة وبين من يتاجر في مآسيهم من شبكات منظمة وبين من يوظف كل ذلك في لعبة مسيسة لجر المغرب إلى ردود أفعال يوتر بها علاقاته مع محيطه الجيوسياسي.
    لا يبرر التصدي لهذا المخطط خرق القانون، وغير مقبول التوسع في “الطبيعة الاستثنائية” للحدث لتسويغ انتهاك حقوق الناس. وهذا ما تستحضره السلطات العمومية في كل تدخلاتها، والصور والفيديوهات التي تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حبلى بالأمثلة على احترام القانون ومعايير فض التجمعات والتدرج الذي تستلزمه مثل هذه المناسبات، بل إن مشاهد قوات الأمن وهي تتعامل بحس إنساني ومقاربة توعوية مع أطفال وقاصرين ومشاهد تدخلات إسعافية لعلاج المتضررين كان يلزم أن تحظى بالاهتمام كذلك. وهذه مناسبة أخرى كشفت كفاءة ومهنية المؤسسة الأمنية بمختلف تشكيلاتها والتي نجحت في إحباط تام بنسبة مائة في المائة لمحاولات العبور بدون خسائر، ولعل هذا ما أثار شبكات التهجير ونظام جارة السوء الذين سقط في أيديهم كل المخطط واتضح أنهم أنفقوا أموالا كانت حسرة عليهم، وزاد من يأسهم أن العملية كلها كانت على مرأى من الإعلام والسلطات الأوربية التي غطت الحدث وأشادت بنجاعة التدخل الأمني رغم الطابع الاستثنائي للحدث حجما وخطورة وإصرارا من طرف فئات واسعة من المرشحين للهجرة والذين لم يتوانوا في استعمال أساليب عنيفة واستفزازية للسلطات.
    انقلب السحر على الساحر وأصبح الحدث كله يصب في مصلحة المغرب لأنه بين قدرته على إبطال مفعول المخطط الذي استغرق أسبوعين من التحشيد في ساعات فقط، وكان لزاما على هؤلاء استغلال ما يمكن استغلاله للتشويش.
    تغاضى بعض الطوابرية عن نسبة الأجانب التي قاربت النصف والتي تستلزم موضوعيا فتح نقاش حول سياسة الهجرة التي يعتمدها المغرب في اتجاه مزيد من الضبط وليس المنع لأن خيارات المغرب الاستراتيجية في هذا الباب تستحضر عوامل متعددة ضمنها البعد الإنساني وتعزيز الانتماء القاري والتخفيف من آلام شعوب دول الساحل الإفريقي.
    ركز البعض على صور يظهر فيها موقوفون شبه عراة وتناقلها آخرون دون تثبت، وأمعن البعض المأجور في الانتقام وهو يقارنها بصور فلسطينيين وأمامهم جنود صهاينة، ونسب بعضهم صحتها إلى مصادر مجهولة تدعي أنها “محلية” و”موثوقة”. وكعادة أبي وائل فإنه لا يخوض في “التخلويض” إلا بعد تبين “الخيط الأبيض من الخيط الأسود” والمؤهل ليميز الكذب من الحقيقة هو التحقيق القضائي، وهو شأن مغربي مغربي، وحينها يلزم تطبيق المبدأ الدستوري بمحاسبة كل من تورط في خرق للقانون أو تسبب في انتهاك لحقوق الإنسان. هذا أمر يجب عدم التساهل بشأنه. وفي انتظار ظهور نتائج التحقيق تقتضي المسؤولية الحذر من نشر صور مفبركة أو غير متأكد من صحتها والانتباه إلى أن ترويجها يندرج في خدمة مخطط النيل من القوات العمومية التي أبلت بلاء حسنا بشهادة من عاين الحدث كله وبمقارنة تدخلها مع ما حدث في أماكن أخرى.
    ينبغي عدم تجاهل ما يحدث في الحدود الشرقية للقارة العجوز من انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان، ويجب عدم تجاهل أن ليلة أحداث الفنيدق لقي ثمانية مهاجرين مصرعهم قبالة السواحل الفرنسية بعد غرق قاربهم وهم يحاولون عبور المانش، وقبل ذلك بأيام قضى 12 شخصا في نفس البحر بعد تحطم قاربهم الذي كان على متنه 60 شخصا، والإحصاءات الرسمية تشير أن عدد المهاجرين الذي قضوا خلال محاولات عبور المانش منذ بداية العام وصل 45 شخصا.
    تفتح هذه المعلومة وحدها الباب مرة أخرى أمام من يدعي أن سياسات المغرب وراء هذه الحملة. هل يمكن القول بأن سياسات فرنسا كذلك هي التي تقف وراء عبور طريق الموت نحو إنجلترا؟ وهل شهدنا بعد الحادث الأخير ببحر المانش نفس الحملة ضد فرنسا وانجلترا تجاه المهاجرين؟ لماذا هذا الكيل بمكيالين؟
    لا ينكر المغرب أن هناك فئات تهاجر بحثا عن وضع أفضل وهروبا من أزمة اجتماعية وصعوبات المعيشة، ولكن البروفايلات مختلفة هذه المرة لأنها تضم فئات من شأن السماح لها بالعبور تعزيز الجريمة في أوربا وإذكاء نعرات العنصرية ضد كل المهاجرين والقابلية للتوظيف في مشاريع الإرهاب الباحثة عن تجنيد عناصر يائسة وعاجزة عن الاندماج وهو ما يجعلها قنابل موقوتة.
    أليس مبررا للدولة استعمال العنف المشروع وفق القانون لحفظ النظام العام، وضمنه الأمن العام والسكينة العامة؟ ألا يتطلب الوضع الاستثنائي تدابير استثنائية؟ كقاعدة عامة هذا هو المعمول به في كل دول العالم ولكن الطوابرية يرفضون ذلك إن تعلق الأمر بالمغرب وحده.
    أدعو الإرهابي الذي يحمل الجنسية الألمانية والمهووس بعبد اللطيف حموشي والمؤسسة الأمنية ودائم التشكيك في كل تفكيك لخلية إرهابية أن يتحدث عن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها ألمانيا بتشديد مراقبتها لحدودها مع تسع دول أوربية في خرق تام لقوانين الاتحاد الأوربي وانتهاك للحق في التنقل والتجول. وهي بالمناسبة إجراءات انطلقت يوم 16 شتنبر وستستمر لمدة ستة أشهر وستتضرر منها دول وشعوب كثيرة من الجوار الأوربي، ولكن المفوضية الأوربية لم تجد غير قبول هذه الإجراءات الاحترازية التي تتعارض مع قيم وقوانين أوربا ومعايير حقوق الإنسان وأقصى ما طالبت به هو أن “هذه القرارات الأحادية يجب أن تظل استثنائية” بعدما أثارت حفيظة دول أوربية كثيرة؟ لماذا هذا التساهل إذن؟ ولماذا يتجاهل ذلك حجيب الألماني إن كان هدفه احترام حقوق الإنسان التي تقوم على مبدأ عدم القابلية للتجزيء أو الانتقاء؟!
    أذكر الإرهابي الألماني أن يتحلى بنفس الشجاعة للتشكيك في العملية الإرهابية التي ضربت مدينة زولينغن غرب ألمانيا وأوقعت ثلاثة قتلى؟ لماذا لا يندد بتصريحات المستشار الألماني وهو يهدد “المتطرفين الإسلاميين الذين يهددون التعايش السلمي بيننا جميعا”. لماذا يشكك فقط في إنجازات الأمن المغربي وهو يوقف ثلاثة دواعش في عمليات متفرقة بمدينتَي فاس والفنيدق، وأولاد غانم بإقليم الجديدة؟ لماذا لم تفك عنده بعد عقدة عبد اللطيف حموشي؟
    حالة “النشاط” التي بدا عليها هذا المتورط في أعمال إرهابية تؤكد أنه يبحث عن تقديم خدمات لنظام الكابرانات لإعادة مساومته على الصفقة التي يتأسف على ضياعها، ولكن طريقة الحسم المغربية الناجحة تؤكد أن الرهان فاشل على أمثال هؤلاء وأمثال هذه الملفات فقد راكمت فيها المؤسسة الأمنية خبرة تجعلها قادرة على تحييد مخاطرها وفق معايير حقوقية وفي احترام لالتزامات المغرب الدولية.
    الإرهابي ليس إلا واحدا ممن لا يحبون الخير للمغرب ويتربصون به الدوائر ومستعدون لتأجيج نار الفتنة ظنا منهم أنها تنعش آمالهم في رؤية مغرب ضعيف ومشتت وممزق.
    كما هو الحال في سائر المعمور هناك من قلبه على البلاد ويعرف ماذا ينتقد وكيف ينتقد ومتى ينتقد ويرفق انتقاداته ببدائل ويميز بين نقد سياسات ومؤسسات وبين هدم الدولة كلها، وهناك من له حسابات وأحقاد ينتظر بفارغ الصبر كيف يصفيها مع الدولة بأكملها لأن مشروعه معادي للدولة، وهؤلاء يبحثون عن أي مناسبة ولو بتضخيم الحدث وافتعال الأكاذيب وترويج الأخبار المزيفة. هؤلاء معروفون ومعروفة اتجاهاتهم وأهدافهم وطرق اشتغالهم، وهؤلاء هم من يوقفون بممارساتهم أي تطور وانفتاح ويعرقلون كل مبادرة إيجابية، وهم من يراهن عليهم أعداء الخارج لترويج شائعاتهم.
    أصحاب الأجندات الخبيثة الذي ظنوا الحدث “همزة” سرعان ما اكتشفوا أن خلط الأوراق لا ينطلي على المغاربة وتفسير ما حدث أيام العطلة بالفنيدق برد فعل على وضع اجتماعي سذاجة متعمدة لاستغبائهم، وهو ما يرفضه المغاربة، كما يرفضون استغلال الحدث للنيل من المؤسسات السيادية للبلاد الحامية للوطن.
    كان على هؤلاء جميعا استحضار فرضية- على الأقل فرضية رغم أنها حقيقة كما أوضحنا- أن الأمر أكبر من حلم شباب مغادرة البلاد بحثا عن آفاق أفضل كما هو حال شباب دول عدة لأن العدد وطريقة التنظيم والأساليب وتغطيتها إعلاميا بالبهرجة وأسلوب الممانعة والاستفزاز للقوات العمومية والحملة التواصلية مجهولة المصدر والتفاعل معها والترحيب بها وعدم بدل أي مجهود للتوعية من طرفهم بتدخل استباقي توعوي وفق ما هو مطلوب منهم كما يقدمون أنفسهم، كل هذه المعطيات تؤكد أننا أمام حادث استثنائي.
    إلقاء اللوم على السياسات العمومية والحكومات لا يجب أن يعفي هذه الشبيبات والجمعيات والهيئات من مسؤوليتها وهي تقف متفرجة معزولة غير مبالية بالنتائج التي وصل إليها حال فئات من الشباب فقدت الأمل. أين هؤلاء جميعا؟ هل يمكن أن يغتنموا المناسبة ويقدموا جردا لأعمالهم في هذا الباب مع هذه الفئات؟ ماذا قدموا من أعمال لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر وتجنيد الأطفال واستغلال معاناة النازحين؟ ما هو التحصين الذي قدموه لأتباعهم وهم يرونهم يروجون للفايك نيوز ويتقاسموا الصور المفبركة دون التثبت من صحتها؟ ألا يتحمل هؤلاء المسؤولية؟ لماذا لم تحضر هذه الهيئات إلى عين المكان مثلا للتوعية بالمخاطر الناجمة عن مغامرة الهجرة غير الشرعية في ظروف غير إنسانية؟
    نجحت السلطات العمومية في إحباط مخطط آخر لإنهاكها وإضعاف الدولة وتوريطها في توترات مع الجيران وإظهارها كدولة لا تحترم التزاماتها، ونجحت في إفشال رهانات شبكات دولية تريد جعل المغرب بؤرة سوداء لاستقطاب المهاجرين غير الشرعيين، ونجحت في إفشال مساعي من يبحثون عن فرصة لتقديم المغرب دولة تنتهك حقوق الإنسان ولا تحترم القانون، ونجحت في جلب إشادة دولية لجهودها في محاربة الهجرة غير الشرعية بمعايير حقوقية ومقاربة إنسانية ومراعاة للدوافع الاجتماعية. بالمقابل فشل نظام الكابرانات في رهانه بتوريط المغرب والتغطية على فشله فيما سماه زورا انتخابات لمسح الصورة السوداء التي خلفتها تلك “الانتخابات” التي فتح فيها الباب للعسكر بزي مدني بملء طوابير لتقديم صورة عن الإقبال “الكثيف” للناخبين رغم أن هذه الأساليب مفضوحة ولم تعد تنطلي على متابع وهو يرى مئات بنفس شكل الحلاقة العسكرية، ولذلك صارت محط سخرية من طرف الجزائريين قبل غيرهم. فشل الطوابرية في الانتعاش من هذه الأحداث وكشفوا حقدهم الدفين مرة أخرى على الدولة المغربية والنسيج المجتمعي المغربي.
    نسبة المشاركة كذلك كانت محط سخرية حيث تحول عدد المشاركين من 5 ملايين و630 ألف حسب إعلان السلطة الوطنية للانتخابات ويضاف إليها 1764637 كأصوات ملغاة إلى 11226065 حسب المحكمة الدستورية. أي أن الفارق أربعة ملايين. هل يصح كل هذا الفرق؟
    ونسبة نجاح تبون نفسها تم التراجع عنها لأنها تنتمي إلى عهود بائدة وتم تخفيضها من 94% إلى 84,30%.
    قد تكون كلفة التصدي لمثل هذه المؤامرات بعضا من اللغط المؤقت على مواقع التواصل الاجتماعي ولكنه أصبح جزءا من العملية، وصار مألوفا ممن احترف النقد بدون سبب وبدون أدلة وهو ما يجعله مضطرا لترويج الأخبار المضللة والصور المفبركة. هذا دليل عجز ويؤكد غياب أدلة يدحض بها نجاح السلطات المغربية.
    زيارة العمل التي قام بها السيد عبد اللطيف حموشي إلى تركيا، بدعوة رسمية من السلطات التركية، هذا الأسبوع تندرج في سياق الشراكات الاستراتيجية التي تنخرط فيها المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني لمواجهة الامتدادات الدولية والإقليمية لمخاطر الإرهاب وتهديدات الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وتضاف إلى النجاحات التي تحققها هذه المؤسسة التي أصبحت رافعة للدبلوماسية المغربية، وتوقيتُها مناسب جدا لأنه يتزامن مع تزايد هذه التهديدات، وتشكل إضافة نوعية لتعزيز علاقات التعاون الأمني الثنائي وتبادل الخبرات المرتبطة بالمستجدات التكنولوجية والابتكارات العلمية في المجال الأمني. ويؤكد ما سبق تطابق وجهات نظر الطرفين من خلال اللقاءات التي جمعت حموشي مع مسؤولين أمنيين بتركيا ومنهم السيد منير كارال أوغلو الوزير المنتدب في وزارة الداخلية التركية، والسيد سلامي يلديز المدير العام للاستعلامات، وكذا تأكيد الطرفين على الرغبة المشتركة في تدعيم آليات التعاون الأمني بين البلدين، وتقاسم الخبرات والتجارب في مختلف التخصصات الأمنية، بما يرقى إلى مستوى العلاقات المتميزة بين المملكة المغربية والجمهورية التركية.
    وكعادته، لم يفوت السيد حموشي الفرصة للاطلاع على أحدث التطورات التكنولوجية والابتكارات في مجال الأمن والدفاع على مستوى العالم أثناء زيارته للمعرض الدولي لتجهيزات الأمن الداخلي (IGEF24)، وهي سنة حميدة تعكس تهممه الدائم بتطوير المؤسسة الأمنية حتى تكون مؤهلة وفق أخر التطورات في المجال الأمني.
    الزيارة ضربة موجعة لهواة الثرثرة ومروجي الأراجيف، وتأكيد آخر على أن السيد عبد اللطيف حموشي وفي لمنهجية عمله المبنية على العمل في صمت وترك الإنجازات تتحدث عن نفسها وهذا ما يمنحه قبولا وسط المغاربة ويجعل المؤسسة الأمنية مطلوبة للشراكات في العالم كله.
    استجابة المؤسسة الأمنية لهذه الطلبات والانخراط في هذه الشراكات يؤكد للجميع أن المغرب يده ممدودة لكل من يستشعر مخاطر الإرهاب والجريمة ويقتنع بأن التصدي لهما يتطلب تعاونا على أعلى مستوى ومن طرف الجميع.
    موعدنا بوح قادم ودام العز لهذا المغرب الشامخ ولرجاله ونسائه الأوفياء.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    لفتيت يعقد اجتماعا مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية