كيف تحولت حرية التعبير إلى تهمة لدى العسكر

كيف تحولت حرية التعبير إلى تهمة لدى العسكر

A- A+
  • كيف تحولت حرية التعبير إلى تهمة لدى العسكر

    بنبرة يائسة تتقطر حزنا، قال الكاتب الجزائري ناصر جابي في عموده الأسبوعي بجريدة «القدس العربي»: «الجزائر لم أعد أعرفها، وهي تسجن الإعلامي والناشط السياسي عبد الوكيل بلام الذي لم يقم إلا بالتعبير عن مواطنته عبر الإدلاء برأيه في الشأن العام كأي مواطن حر، حسبما يقره دستور البلد». إنها شهادة صادقة وجارحة من ابن البلد على ما آلت إليه الأمور مؤخرا بالجزائر بعد حملة اعتقالات طالت فاعلين وسياسيين وإعلاميين عبروا عن رأيهم فيما تعرفه بلادهم، فكان مصيرهم الاختفاء بشكل قسري، وبعدها وجهت لهم تهم ثقيلة بالإرهاب وزعزعة استقرار الأمة والتآمر مع عناصر إرهابية وخلق بلبلة داخلية ونشر التفرقة والكراهية…
    وغيرها من التهم الثقيلة المعتادة في الأنظمة الاستبدادية.
    منذ انتشار حملة «راني ماشي راضي»، فقدت السلطة الحاكمة بالجزائر البوصلة، وبعد أن ضاق عليها العالم الخارجي الذي منيت فيه بخيبات وانتكاسات لم تعد معها شماعة إلصاق كل حركة أو سَكنة حتى إلى الجار الغربي الذي اجتهد إعلامها ومسؤولوها في شيطنته، لكن ها هو صهد الاحتجاج يأتي نظام العسكر من الداخل من شخصيات سياسية وإعلامية مستقلة، عبرت عن انتقادها بشكل مشروع لما يحدث من انحراف ومن مستقبل مجهول ومن غبن اجتماعي واستبداد سياسي، فماذا فعلت السلطات الحاكمة؟
    اختطفت الإعلامي والناشط السياسي الجزائري عبد الوكيل بلام، الذي قلقت أسرته وأصدقاؤه والمجتمع الحقوقي على مصيره المجهول، وتقدموا بشكاية إلى الجهات الأمنية باختفائه، وبعد 6 أيام من الحجز السري ضدا عن القانون، كشفت أخيرا عن مصير أحد أكثر النشطاء الإعلاميين حضورا منذ حركة «بركات» ضد بوتفليقة ثم مع الحراك الجزائري، حيث تقرر إيداع الإعلامي والناشط السياسي الجزائري عبد الوكيل بلام الحبس المؤقت على ذمة التحقيق بتهم ثقيلة منها الإرهاب وقائمة طويلة من التهم الخطيرة.
    وهذه هي المرة الثانية التي يعتقل فيها عبد الوكيل بلام في ظرف أسبوع. المرة الأولى كانت في سياق حملة طالت عدداً من النشطاء السياسيين الذين رفعوا شعار «مانيش راضي» على مواقع التواصل الاجتماعي، للتعبير عن سخطهم على الوضع العام المتردي في الجزائر.
    في ذات الوقت التمست النيابة السجن لمسؤول حزب سياسي فتحي غراس وزوجته، اللذان كانا تحت الرقابة القضائية بتهم «الإساءة إلى رئيس الجمهورية”، «ترويج أخبار كاذبة»، و»نشر خطاب الكراهية» من خلال منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. في ذات الوقت حكمت محكمة الجنح القطب الجزائي المتخصص بمجلس قضاء ورقلة (جنوب الجزائر) حكما بالسجن النافذ لمدة ثلاث سنوات للناشطة المعارضة درامة عبلة قماري.
    لم يكتف كابرانات الجزائر، الذين أخذوا يحسون بأن طوق الاختناق الداخلي يشتد عليهم بشكل مثير، بمجرد اعتقال المعارضين وكل من عبر عن رأي مخالف لهم ينتقد تدهور الوضع الاجتماعي وانحسار الوضع السياسي بسبب قوة القمع وغياب أي أفق للأزمة الداخلية، بل بدأوا يحركون بيادقهم في الخارج، للهجوم على المعارضين الجزائريين بشكل وحشي، والذي وصل حد نشر منشورات ذات طابع إرهابي واضح تدعو لقتل كل معارض للسلطة الجزائرية، ففي تطورات لافتة في فرنسا، أوقفت السلطات الفرنسية في أول أسبوع من السنة الجديدة 2025 ثلاثة مؤثرين جزائريين يحظون بمتابعة واسعة على منصة التواصل الاجتماعي «تيك توك»، بتهمة تحريضهم على الإرهاب ووضع منشورات تحثّ على ارتكاب أعمال عنف في فرنسا. فقد نشر الناشط الجزائري المعروف باسم «عماد تان تان» المقرب من السلطة مقطع فيديو يحث المتابعين على «الحرق والقتل والاغتصاب على الأراضي الفرنسية لكل من يعارض السلطة الجزائرية»، و أودع جزائري (25 عاما) معروف باسم «زازو يوسف»، الحبس الاحتياطي بنفس التهمة، وتم توقيف مؤثر ثالث في مدينة مونبلييه الساحلية بسبب التحريض على «قتل معارضين للسلطة الجزائرية» وتعليقات عنيفة استهدفت ناشطا جزائريا معارضا.
    هل الأمر مجرد صدفة أن تحمل مضامين منشورات هؤلاء النشطاء في «تيك توك» كلها الحض على قتل وحرق كل معارضي السلطات الجزائرية؟ أشك في ذلك، وهو ما يعني أن كابرانات الجزائر أصبحوا يدخلون المدافعين عنهم في محرقة مواجهة معارضيهم بأي ثمن. وهو ما يكشف حجم الاختناق الذي يعانيه القابضون بخناق الشعب الجزائري والذين يبددون ثروات البلد في غير ما يعود بالنفع على الأشقاء في الجزائر.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    مزور: المصنع الجديد لسافران سيمكن المغرب من سلسلة صناعية فائقة التطور