بوح الأحد:كبريات الأجهزة في العالم تبحث عن سر تفوق الأمن المغربي في تأمين الكان

بوح الأحد:كبريات الأجهزة في العالم تبحث عن سر تفوق الأمن المغربي في تأمين الكان

A- A+
  • بوح الأحد: كبريات الأجهزة في العالم تبحث عن سر تفوق الأمن المغربي في تأمين و نجاح الدورة 35 لبطولة الكان، من فنزويلا إلى إيران أسبوع تغيير قواعد اللعبة في العالم و أشياء أخرى…

    أبو وائل الريفي
    ما يحدث هذه الأيام في المغرب – بمناسبة احتضان الدورة 35 لبطولة الكان- لا يوصف إلا بأنه غير مسبوق وفاق كل التوقعات وكان فوق انتظارات الكل من هذه الدورة، وخاصة المغاربة الذين تمنوا أن تكون هذه الدورة فرصة توضح ما وصل إليه المغرب من تقدم في مجالات متعددة فإذا بانتظاراتهم تتحقق و أكثر.
    قدم المغرب بحسن التنظيم في هذه الدورة أوراق اعتماده كدولة جاهزة ببنيات تحتية من الطراز العالي ومستعدة لاحتضان أكبر المنتديات والبطولات والمنافسات.
    أعطى المغرب عربون استحقاقه تنظيم كأس العالم لعام 2030 بباقة الإجراءات المصاحبة للاحتضان، والتي أبان فيها مختلف المتدخلين في عملية التنظيم عن فعالية وكفاءة وحرفية، واستحق التنظيم تنويه الجميع في العالم ما عدا بعض من في قلوبهم مرض الذين يموتون من الغيظ كل دقيقة.
    كان المغاربة حقا في المستوى ولم يخلفوا الموعد مع هذه المناسبة، وأبانوا أنهم شعب عريق وعاشق للكرة ومستوعب لمعاني نجاح احتضان هذه المناسبات ومنفتح ومتسامح ومضياف ومرحب بهذه البطولة التي كان ينتظرها بشغف. شكرا مسبقا لكل المغاربة الذين بينوا أن التشجيع ثقافة تستمد من المواطنة الإيجابية. لم تحل ظروف الطقس غير المواتية أن يتفاعلوا مع البطولة في مختلف الأماكن، سواء في الملاعب أو المقاهي أو الساحات العمومية. وكانوا دائمي التعبير عن المساندة بطرق راقية وحضارية.
    ينتظر كثيرون المفاجآت القادمة التي يخبئها المغرب في كأس العالم وهي الحدث الأكبر والأهم والذي تشد إليه أنظار العالم كله. حتما ستكون نسخة تليق بالمغرب والمغاربة لأن هذا البلد يستحق الأفضل دائما، ولأن المغاربة يتعاملون مع هذه المناسبات كلحظات تاريخية مفصلية في مسيرة المغرب تتيح للعالم الاطلاع على هذا البلد وما يحدث فيه من تطور وتقدم.
    انتصر المغرب وخسئ الطوابرية وخنس أعداء المغرب. خسر كل من شحذ السكاكين وتنبؤوا بفشل هذه البطولة.
    خسئ الطوابرية الذين استبقوا الحدث بفبركة احتجاجات على المقاس للتشويش ووضعوا في المعادلة حسابات مغلوطة بميزان يخسر الكيل، ولكن المغاربة كشفوه مبكرا وأعرضوا عنهم وتركوهم في عزلة يعدون خسائرهم ويندبون حظهم البئيس.
    الآن فقط اكتشف بعض ممن استدرجهم التجييش المضلل في مرحلة ما أنهم كانوا ضحايا تزوير الحقائق وترويج الأكاذيب ولعبة التلفيق.
    يتذكر قراء هذا البوح أنني كنت منذ اليوم الأول لتلك الاحتجاجات واضحا بأن تلك الشعارات التي تبخس ما أنجز من بنيات رياضية وطرقية وسككية وفنادق ومطارات وغيرها من الوسائل انزلاق غير مقبول لأن تلك البنيات مهمة وأساسية ولأن الرياضة صارت صناعة قائمة بذاتها وداعما لمعركة تنمية الدول، ولذلك وجب تثمين تلك البنيات أكثر لأنها تقدم للمغرب فرصا للتفوق والتميز والنجاح قاريا وإقليميا ودوليا. كنت واضحا كذلك أن المجالات الأخرى، مثل التعليم والصحة والشغل، لا تقل أهمية هي كذلك وتحتاج الاهتمام مع التأكيد أن ما تحقق فيها كثير بدليل صمود منظومتنا الصحية وعدم انهيارها لما تعرضت لاختبار صارم إبان جائحة كوفيد وقد شاهدنا كيف انهارت منظومات دول كنا نظنها “قطعت الواد ونشفو رجليها”. السبب في النجاح هو توفرنا على كفاءات طبية عالية ومنشآت، وخاصة المستشفيات الجامعية، تضاهي ما عند الدول المتقدمة. الأهم في المقاربة هو التوازن وتجنب العدمية وخطاب التشاؤم وأساليب التيئيس والتبخيس.
    إنكار الواقع قد ينطلي على الناس خلال مدة محددة ولكنه مثل الكذب حبله قصير وعمره أقصر والزمن كفيل بكشف وفضح من يقف وراءه. ويمكن الآن معرفة أن هذه البطولة بينت خطأ تلك المقاربات. لم يفلح الطوابرية في التشويش على النجاح المغربي رغم تنوع دفوعاتهم. فشل أصحاب مقاولة فري كلشي في التغطية على الكان بملف حقوق الإنسان والإضرابات عن الطعام المطبوخة. فشل أصحاب الجبهات والملف الاجتماعي في استغلال فيضانات آسفي للتغطية بها على أوراش أخرى لأنهم يريدون تعميم الحزن على المغاربة كلهم. ففي هذا الجو وحده ينتشون ويصطادون ضحاياهم ويستقطبون الأتباع ويقنعون المريدين بصواب خطابهم.
    لاحظ الجميع كيف أصابهم البكم بعد انتشار خبر صدور تعليمات ملكية للحكومة بتسطير برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة ودعم الأسر بالمساعدات العاجلة وترميم المنازل والمحلات وتعبئة الموارد البشرية واللوجستية لضمان تدخل سريع وفعال بهدف الحفاظ على كرامة المواطنين والحد من آثار الكارثة الطبيعية. بعد وقت قصير بدأ صرف الدفعة الأولى من دعم إصلاح المنازل المتضررة على أساس أن يتم إمداد المتضررين بالدفعة الثانية بعد شروعهم في الإصلاح.
    كالعادة طبعا لم نسمع للطوابرية صوت، واختاروا كعادتهم الصمت والتواري حين يرون التيار يسير ضد ما لا يريدون ولا يساير الأجندة التي تعهدوا بخدمتها ضد مصالح وسمعة المغرب.
    لم تنجح كل محاولات إعلام الجارة ووكلائها وأتباعها في الحيلولة دون تواتر الإشادات من العالم كله بالنسخة المغربية من الكان، بل إن كل محاولاتهم وضعتهم خارج التاريخ وبعيدا عن السياق الحقيقي وجعلتهم في حرج تجاه شعبهم. لقد اكتشف العالم أن حكام من ابتلينا بجوارهم تتملكهم فوبيا المغرب “المغربفوبيا”، وأنهم وإعلامهم وأدواتهم تحللوا من كل ضابط أخلاقي وقيمي ولم يراعوا للجوار ما يلزم مراعاته.
    يشهد ضيوف المغرب، بمن فيهم طاقم ومشجعو وإعلام هذه الدولة، أنهم كانوا في ضيافة شعب كريم ودولة أحسنت وفادتهم ووفرت لهم كل ظروف المنافسة والفرجة والحضور. وجد غايتون ماكنزي وزير الرياضة الجنوب إفريقي نفسه مضطرا للاعتذار إلى المغرب عن تصريحات طائشة من هوغو بروس مدرب منتخب دولته الذي افتقدت خرجاته الإعلامية لكل قواعد اللياقة تجاه المغرب، وقد اكتشف بأم عينيه أنها غير مبنية على أي معطيات حقيقية، وربما فهم منها أن الطاقم التدريبي كان يستبق بها تبرير هزيمته وخروجه من البطولة. لم يسبق لدولة منظمة أن قدمت كل الخدمات التي قدمها المغرب للدول المشاركة حيث خصص ملعبا بجودة عالية لكل واحدة منها للتداريب.
    تلقى الرأي العام الإفريقي بصدمة سلوكات مشينة من أحد لاعبي الجزائر تجاه أحد رموز النضال ضد الاستعمار ومن أجل الوطنية في القارة الإفريقية. كان الأمر يستدعي ليس فقط اعتذارا من اللاعب الذي أقدم على ذلك الفعل الشنيع دون أن يجد في تلك اللحظة من يرده إلى جادة الصواب. الأمر يستدعي اعتذارا صريحا من الدولة لدولة إفريقية شريكة لها في الانتماء. ما يحدث من هذه الدولة وجمهورها وإعلامها ليس إلا نتيجة حتمية للتجييش المرضي وإفراز طبيعي للشحن المبالغ فيه والذي حول التنافس الرياضي الشريف وحماس التشجيع المطلوب إلى سلاح فتاك يبث سموم الحقد والعنصرية والتخريب.
    على مسؤولي هذه الدولة وشعبها أن يفهموا بأن تبول أحد “رعاعهم” في ملعب بحجم الجوهرة بالرباط يسيء لهم قبل غيرهم. أما المغرب فلا يمكنه أن يتضرر من ذلك الفعل الصادر عن حثالة لأن يد القانون تطال كل مسيء. ويكفي أن المغاربة هم من فضحه في العالم كله.
    لقد بلغ النجاح المغربي درجة لفتت انتباه أكبر دولة في العالم التي أرسلت أقوى جهاز أمني لمعاينة التجربة عن قرب وفي الميدان.
    تلقى المغاربة بارتياح واهتمام بالغ خبر زيارة وفد من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI للمغرب وحرصهم على معاينة الملاعب. هي زيارة كانت مجرد تأكيد لما هم مقتنعون به من كفاءة ونجاعة المؤسسة الأمنية المغربية في كل مجالات عملها، والتي لا يمثل تأمين الملاعب إلا هامشا منها فقط يستغرق وقتا محدودا في الزمن لن يتجاوز الشهر، وهم عهدوا من هذه المؤسسة أداء عاليا بشكل دائم وفي كل واجهات تخصصها. ألف المغاربة نهاية كل سنة الاطلاع على أداء وعمل هذه المؤسسة من خلال تقريرها السنوي الذي تستعرض فيه حصيلتها ولا يرون فيه إلا تحسنا دائما وأداء مواطنا رفيعا يشعرهم بنعمة الأمن والاستقرار التي هم عليها ويفتقدها كثيرون وتشكل أحد أهم عناصر الجذب لبلدنا.
    تلقى المغاربة كذلك بارتياح اهتمام الوفد الأمريكي رفيع المستوى بمعرفة الطريقة التي احتوى بها المغرب مياه الأمطار المتساقطة بكثرة دون أن تتأثر أرضية الملاعب أو تتسبب في أي ضرر للاعبين ولقيت استحسانا من الجميع مشاركين ومتفرجين. تقدير المغاربة لهذا النجاح مبرر طبعا لأنهم لن ينسوا تجربة حزينة كانت سنة 2014 بمناسبة احتضان الموندياليتو في المركب الرياضي مولاي عبد الله بالرباط الذي أصبح اليوم معلمة يمكن التباهي بها أمام العالم كله.
    يتأكد المغاربة من هذا النجاح أن من يقف على مثل هذه المناسبات يستفيد من الأخطاء وحين يتعهد بعدم تكرارها فإن الأمر وعد ناجز لأن وجه المغرب وسمعة المغاربة تكون حينها على المحك وفي الامتحان أمام العالم. والحمد لله ربح المغرب الرهان واستفاد من تلك التجربة.
    يسترعي الانتباه طبيعة الوفد الأمريكي الزائر وموضوع الزيارة وتوقيتها والهدف منها. هو وفد ميداني يرأسه كل من دوكلاس أولسان مدير العمليات بقسم خدمات التدخلات الميدانية، وكيفن كوالسكي نائب مدير مجموعة التدخل في الحالات الطارئة، وموضوع زيارته هو الاطلاع على بروتوكول الأمن والسلامة العامة التي تطبقه المديرية العامة للأمن الوطني بهدف الاستفادة من التجربة في كأس العالم القادمة.
    تنضاف إلى ذلك معلومات عن زيارة وفود من دول أخرى كلها تبحث عن الاستفادة من هذه التجربة وإبرام تعاون وشراكات مع المغرب في مجال تأمين التظاهرات الرياضية لأنهم يتابعون أنها لحد الساعة تمر بصفر حوادث شوشت على برنامج الدولة أو عاقت متعة متابعة الجماهير لها.
    يندرج ضمن هذه الشهادات التقديرية لقاء العمل الثلاثي بين كل من السيد فرانسيسكو باردو بيكيراس، المدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية، والسيد ديتر رومان، المدير العام للشرطة الفيدرالية الألمانية والسيد عبد اللطيف حموشي الذي يندرج في إطار ترسيخ مسار اللقاءات الدورية بين المسؤولين الأمنيين الثلاثة، الذي كان قد انطلق في الاجتماع الأول الذي انعقد سابقا بالعاصمة الإسبانية مدريد خلال شهر يناير 2025. ومرة أخرى يطغى على جدول الأعمال قضايا مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات، والجرائم السيبرانية، والتنسيق البيني بشأن قضايا الأمن الرياضي. ومرة أخرى كان لافتا حضور تطورات الوضعية الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء وانعكاساتها على حركية التنظيمات الإرهابية بالفضاء الأورو متوسطي، واستشعار أهمية مواصلة المستويات المتقدمة من التنسيق وتبادل المعطيات العملياتية والتقنية لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
    هذه الزيارة كانت مناسبة للوفدين لمعاينة المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط والاطلاع عن قرب على تجهيزات هذه المنشأة الرياضية الرائدة، وترتيبات الأمن والسلامة التي تعتمدها مصالح الأمن خلال مباريات كرة القدم، خصوصا الجوانب المتعلقة بإدماج التكنولوجيات الرقمية ضمن منظومة الأمن وخطط انتشار القوات العمومية ومواكبة الجماهير الوافدة، وكذا زيارة مركز التعاون الأمني الإفريقي، باعتباره سابقة في تاريخ تنظيم المنافسات الكروية الإفريقية.
    أليست هذه شهادات متواترة تعترف بنجاح المغرب؟ ألا يشعر المغاربة بالفخر وهم يسمعون هذه الاعترافات؟ ألم تكن هذه الدورة مناسبة للمغرب، دولة وشعبا، لتقديم صورة مشرفة عنهم؟ ألا يستنتج المغاربة أننا لنا القدرة على فعل أكثر من ذلك وفي مجالات أخرى غير الرياضة؟
    هذه مناسبة أخرى لدعوة المغاربة إلى تفعيل دورهم في المشاركة والمراقبة والتقييم تجاه كل ما يرتبط بشؤونهم من خلال حسن اختيار من يمثلهم ولا يتواكلوا أو يتقاعسوا عن هذا الدور لأنهم هم وحدهم من يدفع الثمن في النهاية.
    هذه الشهادات والاعترافات بنجاح تأمين البطولة الإفريقية وسام آخر يضاف إلى صدر عبد اللطيف حموشي المليء بالتتويجات، وهي تؤكد ما قلته سابقا بأن هذا الرجل صار بإنجازاته خارج دائرة المنافسة والتصنيف على لقب رجل السنة. نحن في هذه الدورة نجني ثمار حسن اختياراته وحكامة تدبيره وجودة مردودية المؤسسة التي يتولى الإشراف عليها.
    الحوافز التي يشتغل بها المكلفون بتأمين الكان هي نتيجة لتلك السياسة الاجتماعية في تدبير شؤونهم. التحيين والانتظام الذي عرفه تدبير الموارد البشرية ووضعها المهني والاجتماعي له دور كبير في ذلك. في عهد حموشي صارت الترقيات الداخلية تعلن بداية السنة بعدما كانت تتأخر من قبل بدون مبرر موضوعي أو مانع خارج عن الإرادة، ولكن في عهده تم تجاوز هذا الاختلال ومعه يتم التسريع في صرف مستحقات العاملين والعاملات، وكذا تم رفع الحصيص الخاص بالرتب الدنيا ليصل أحيانا إلى 94 في المائة.
    السلاسة والسرعة التي يتم بها تنظيم الولوج والخروج من الملاعب دون الإخلال بمعايير المراقبة هي نتيجة تلقائية للحرفية العالية التي ينتجها التكوين الجيد الذي يتلقاه المنتسبون لهذا المرفق.
    الرضى عن التدبير الأمني وحسن المعاملة هو ثمرة للثقافة والقيم التي يزرعها حموشي داخل هذا المرفق لأنه أكد دائما أنه موجود لخدمة المغاربة والاستجابة لاحتياجاتهم وتحقيق المصلحة العامة وحفظ النظام العام.
    التضحيات التي يقدمها العاملون بهذه المؤسسة سببها روح الانتماء والشعور بالمسؤولية وثقافة الاعتراف التي يلقونها كأشخاص ولعائلاتهم وذويهم الذين يستمر التكفل بهم بمقاربة اجتماعية وإنسانية تحفظ لهم الكرامة. وكم كان لافتا ذلك الاستقبال الذي خص به المنتخب الوطني مجموعة من أبناء أسرة الأمن الوطني، خاصة أبناء الشرطيين شهداء الواجب، خلال حصة تدريبية بأكاديمية محمد السادس لكرة القدم. التفاتة رمزية ذات دلالات قوية تجاه هذه الفئة والمؤسسة من طاقم فريق وطني يعي الدور الذي قام به أولياء هؤلاء الزائرين.
    خلو البطولة من أي حادث معطل أو معرقل لها أو خارج التوقع أو غير متحكم فيه نتيجة طبيعية لدقة وصواب الخطة المعتمدة للتأمين والتي لم تترك أي تفاصيل للصدفة والمفاجأة. هذا مؤشر مهم على قدرة أطر هذه المؤسسة وتمرسهم وخبرتهم في مثل هذه المناسبات.
    نجاحات المغرب متواصلة، وقطارها برمج على وجهة وسرعة غير قابلتين للفرملة من طرف أي جهة لأن قوته الدافعة تتمثل في إرادة دولة وشعب اقتنعا أن المكان الطبيعي للمغرب هو الصفوف الأمامية، ويسند ذلك ثقة دولية في أن هذا البلد شريك موثوق.
    أصبحت الشراكة مع المغرب مثالا لشراكات رابح رابح، حيث لا يرجى منها إلا نتائج إيجابية لكل مساهم فيها. آخر مثال هو الأرقام التي أعلنتها اسبانيا بشأن الهجرة غير النظامية حيث عرفت انخفاضا بما يقارب 42,6 في المائة خلال العام المنصرم مقارنة مع سابقها بسبب التعاون مع المغرب. بالمقابل، عرف مسار الهجرة من الجزائر ارتفاعا بنسبة 24,5 في المائة. هذا هو الفرق بين بلدين في التعامل مع التزاماتهما.
    والأمر نفسه عبر عنه ماكرون في افتتاح مؤتمر السفراء الفرنسيين المعتمدين في الخارج وهو يتحدث عن الطابع الاستثنائي للعلاقات مع المغرب التي تبني رابطا قويا جدا بين البلدين.
    لا يمكن أن نختم هذا البوح دون الإشارة إلى ما يحدث مع بداية العام من أحداث تؤكد أننا سنكون إزاء سنة ساخنة.
    احتجاجات إيران واعتقال مادورو ليسا مجرد حادثين معزولين ولكنهما مؤشران على طبيعة العام وما يخبئه من مفاجآت. قلت في أكثر من مناسبة بأن أولويات العالم تغيرت وأن الديمقراطية وغيرها من المفاهيم والقيم التي أطرت العالم خلال حقبة زمنية لم يعد لهما ذلك البريق.
    خلاصة ما حدث في فنزويلا أن القوة لا تصنع بالشعارات ومناعة الدول لا تصنعها الخطب الرنانة. وخلاصة ما يحدث في إيران أن مشروعية الإنجاز لها المعامل الأكبر في الحفاظ على شرعية النظم، وهو ما يفتقده نظام الملالي الذي لا تتوقف الاحتجاجات داخله إلا لتبدأ من جديد. الأجيال الصاعدة في إيران لم تعش ثورة الخميني ولا تستوعب الإبقاء على تلك المعتقدات القديمة المتجاوزة لأنها انفتحت على عوالم أخرى، ولذلك ستتكرر الاحتجاجات. قد توقفها آلة القمع لمدة ولكنها لن تجهضها نهائيا لأن مبرراتها واقعية ومطالبها حقيقية.
    حدث اعتقال ومحاكمة مادورو يمكن مقاربته من زاوية القانون الدولي وحينها قد تكون النتائج غير ذات علاقة مع الواقع لأن العالم يتجه نحو معايير أخرى، وهذا ما يجب استيعابه جيدا والتعامل على أساسه.
    ما يهم أكثر الاستفادة منه هو أن الطريقة التي تم بها إسقاط نظام مادورو واعتقاله وسوقه خارج فنزويلا تدل على أنه كان نظاما ضعيفا وغير مسنود بشعب لأن الفئات الواسعة من الشعب عبرت عن استبشارها باعتقاله ومحاكمته ولم تسانده، وحتى من ظلوا يسخنون أكتافه تنكروا له أو كانوا ضعاف حيلة تجاه الأمر الواقع الذي فرضته الإدارة الأمريكية.
    لنتأمل ردود الأفعال سنجدها كلها مرحبة بشكل صريح أو مبطن أو متخوفة من التضامن مع نظام يعي حتى المتعاطفون معه أنه نظام غلبة استولى على السلطة بطرق غير ديمقراطية.
    مواقف بعض الدول الغربية التي تشاغب دائما على يسار الولايات المتحدة الأمريكية كانت باهتة لا تتبنى الفعل الأمريكي ولكنها تبرره وتلتمس له مسوغات أو تعبر عن اعتراض بخجل وتستدرك بأنه نظام يستحق ما يحدث معه لأنه نظام مستبد وزور الانتخابات.
    الدول الحليفة لمادورو، مثل روسيا والصين، اكتفت باستنكار بارد قولا وتنكر فعلي لنظام كان يظن أنه حليف استراتيجي لهما ولن يتخليا عنه.
    الجزائر كعادتها مع سوريا وإيران التزمت الصمت لأنها تخاف من إزعاج إدارة البيت الأبيض وقد تكرر هذا الأمر لأنها تعرف المزاج الترامبي وتخاف من تبعات غضبته، وهي تتوجس هذه الأيام من إقدام إدارة البيت الأبيض على إنهاء مهام السفيرة الأمريكية بالجزائر وتعرف أنه ليس حدثا عاديا وسيكون له تبعات.
    صارت الجزائر وجه النحس على كل من تساندهم وتتحالف معهم. ها هي إيران ثم فنزويلا ثم تونس التي هي اليوم على حافة الهاوية، وقبلهم سوريا الأسد.
    ما يسمى محور المقاومة ما يزال يحصي خسائره ولذلك لم يسعه إلا بيانات الشجب والاستنكار عبر أبواقه التي لا يسمعها إلا مريدوه.
    وأكبر من فضحهم هذا الحادث هم رفاق الشبكة الذين لم يجمعوا حتى عشرين شخصا في وقفتهم الحاشدة مع أن شبكتهم تضم أزيد من 30 منظمة. هذا يعني أن هذه المنظمات لم يمثلها في الوقفة رئيسها أو مندوب عنها وهو ما يؤكد أنها منظمات وهمية لا وجود لها في الميدان، وهذا من الأسباب التي تدعو الرفاق إلى مقاطعة الانتخابات فهم يعرفون مسبقا حجمهم وأن خطابهم غير مقنع حتى لمن يتظاهر أنه منهم ومتعاطف معهم.
    الخلاصة أن ما يحدث يؤكد أننا أمام نهاية طبيعية لتصور معين للنضال وممارسة السياسة وأمام انفضاح أساليب الازدواجية.
    هذه مناسبة أخرى للتذكير بتوازن ورزانة وحكمة الدبلوماسية المغربية التي لا تتسرع في المواقف وتحرص على أن يكون خطابها محسوب ومتزن وأن تكون مواقفها بنائية وليست مجرد تصريف أحقاد. وقد اتضح هذا في الموقف مما يحدث في اليمن حيث الحرص على وحدة الدولة، وكذا من الخلاف بين السعودية والإمارات حيث جهود المغرب انصبت على تقريب الشقة لإبقاء الصف العربي موحدا وقويا.
    خسائر أعداء المغرب في ارتفاع بينما نجاحات المغرب تتصاعد. هذه هي حصيلة أول أسبوع من العام الجديد. أدام الله علينا المسرات والنجاحات.
    وموعدنا بوح آخر في الأسبوع القادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    القصر الكبير: المياه تغلق مداخل ومخارج المدينة وتغمر جميع الطرق المؤدية إليها