مول فضيحة الكراطة و “بيداغوجيا الكراطة”

مول فضيحة الكراطة و “بيداغوجيا الكراطة”

A- A+
  • مول فضيحة الكراطة و “بيداغوجيا الكراطة”

    برعلا زكريا

  • في خطوة تكرس منطق العبث السياسي الذي بات يحكم المؤسسة التشريعية وجه محمد أوزين سؤالا كتابيا لوزير التربية الوطنية يطالب فيه بتأجيل الامتحانات الإشهادية المقررة يوم 19 يناير الجاري بدعوى تزامنها مع اليوم الموالي لنهائي كأس إفريقيا للأمم، وهذا المقترح لا يعكس فقط رغبة النائب في ركوب موجة إنجاز المنتخب الوطني بل يكشف عن فهم سطحي لمنظومة التربية والتكوين حيث يريد استبدال الصرامة البيداغوجية بمنطق الكراطة الذي طبع مساره التدبيري السابق محاولا تحويل الزمن المدرسي المنضبط إلى توقيت إداري مرن يخضع لأهواء الجماهير وجداول مباريات كرة القدم.

    يتجاهل البرلماني الحركي أن المقرر الوزاري المنظم للسنة الدراسية بمثابة تعاقد قانوني ملزم يحدد إيقاعات التعلم والتقويم بدقة متناهية وأن أي مساس بموعد الامتحانات الإشهادية قبل ساعات من إجرائها يعد ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص وإرباكا لوجيستيكيا شاملا يهدد مصداقية الشهادة التعليمية، فالدعوة لتأجيل استحقاق وطني من أجل فسحة فرجة كروية تعكس استهتارا غير مسبوق بقيمة المدرسة العمومية وتضع الترفيه في مرتبة أعلى من التحصيل العلمي في سابقة خطيرة تشرعن للهدر الزمني وتؤسس لجيل يعلق فشله الدراسي على شماعة المباريات والاحتفالات.

    يفتح مقترح أوزين الباب واسعا أمام فوضى عارمة في تدبير الزمن المدرسي فإذا قبلت الوزارة تكييف أجندة الامتحانات مع نهائي الكان اليوم فما الذي يمنع غدا المطالبة بتعليق الدراسة تزامنا مع كلاسيكو الريال وبرشلونة أو نهائي دوري الأبطال الأوروبي التي يتابعها التلاميذ بشغف أكبر، وهذا المنطق الشعبوي يحول المؤسسات التعليمية إلى ملحقات تابعة للمقاهي والمدرجات ويجعل البرمجة التربوية رهينة لصافرة الحكام عوض أن تكون محكومة بالمصلحة الفضلى للمتعلمين وضوابط التحصيل المعرفي الصارم التي لا تقبل المساومة أو التأجيل تحت أي ذريعة كانت.

    يعري هذا السؤال الكتابي واقع الرداءة التي تنخر العمل البرلماني في زمن المؤثرين حيث تخلى النواب عن أدوارهم الدستورية في مراقبة السياسات العمومية وتشريع القوانين لصالح البحث عن الترند واستجداء تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فعوض أن يسائل أوزين الحكومة عن معضلات البطالة والاكتظاظ المدرسي وتدهور القدرة الشرائية اختار دغدغة عواطف التلاميذ المراهقين بخطاب ديماغوجي يبيع الوهم ويقايض المستقبل الدراسي بلحظة نشوة عابرة مؤكدا أن الممارسة السياسية انحدرت إلى قاع سحيق من التمييع.

    لا يحتاج التلاميذ إلى تأجيل الامتحانات بقدر حاجتهم إلى نخب سياسية مسؤولة تدرك أن بناء الأوطان لا يتم في الملاعب بل داخل فصول الدراسة وأن الوطنية الحقة تتجلى في احترام الالتزامات والمواعيد لا في التملص منها، فدعوة أوزين ليست اجتهادا سياسيا بل هي استمرار لنهج تدبيري فاشل يسعى لتغطية عجزه عن تقديم بدائل حقيقية عبر الاختباء خلف قميص المنتخب الوطني الذي بات الملاذ الأخير لكل من فقد بوصلة الجدية والمصداقية في تدبير الشأن العام.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    وزير الأوقاف: تأهيل المساجد يتطلب تعبئة اعتمادات إضافية تناهز ملياري درهم