وكالات أسفار مغربية تجر الزبناء لركوب ‘حافلات الموت’ وسط الفيضانات

وكالات أسفار مغربية تجر الزبناء لركوب ‘حافلات الموت’ وسط الفيضانات

A- A+
  • بينما تنشغل السلطات العمومية في إجلاء الآلاف من المواطنين في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم، وبينما تصدر مديرية الأرصاد الجوية “نشرات إنذارية حمراء” تحذر من خطر الموت غرقاً أو جرفاً، تطل علينا بعض وكالات الأسفار المغربية بوجهها القبيح؛ وجه الجشع الذي لا يرى في المواطن سوى “رقم معاملات”، وفي الرحلة السياحية “صفقة” يجب أن تتم مهما كلف الثمن، حتى لو كان الثمن هو تعريض عائلات بأكملها لخطر الهلاك في الوديان المنحدرة أو المسالك الجبلية الوعرة.
    و على الرغم من أن المملكة تعيش ظرفية مناخية استثنائية، حيث بلغت مقاييس الأمطار في بعض المناطق الشمالية أرقاماً قياسية (تجاوزت 140 ملم في ظرف وجيز)، وأدت إلى إجلاء أكثر من 108 ألف شخص، إلا أن عدداً من وكالات الأسفار استمرت في برمجة رحلات “الويكاند” و”الهروب إلى الجبل” بدم بارد.
    إن إصرار هذه الوكالات على المضي قدماً في رحلات نحو مناطق مصنفة في “النطاق الأحمر” مثل الأطلس المتوسط أو المناطق المحيطة بوادي اللوكوس هو ضرب من الجنون والمقامرة بحياة الأبرياء. كيف يعقل لوكيل أسفار “مهني” أن يدفع بحافلة سياحية وسط طرقات مهددة بالانهيارات الصخرية والسيول الجارفة، في وقت تنصح فيه الدولة مواطنيها بعدم التحرك إلا للضرورة القصوى؟
    النقد اللاذع هنا لا يوجه فقط للمخاطرة الميدانية، بل للممارسات الابتزازية التي تمارسها هذه الوكالات خلف المكاتب المكيفة. فالمواطن الذي يقرر إلغاء رحلته حفاظاً على سلامته وسلامة أبنائه بعد سماع تحذيرات الوقاية المدنية، يجد نفسه أمام جدار من “التعنت القانوني”.
    تتحجج هذه الوكالات ببنود عقود “الإذعان” التي تفرضها على الزبناء، رافضةً إعادة المبالغ المدفوعة أو حتى تأجيل الرحلة لموعد لاحق. إنهم يضعون المواطن بين خيارين أحلاهما مر: إما خسارة ماله الذي ادخره بشق الأنفس، أو ركوب “حافلات الموت” والمقامرة بحياته. هذا السلوك ينم عن غياب تام للمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ويحول النشاط السياحي من رافعة اقتصادية إلى “عملية نصب” مغلفة بغطاء قانوني هش.
    قانوناً، تعتبر التقلبات المناخية الحادة والفيضانات التي تمنع المرور من “حالات القوة القاهرة” التي تبيح فسخ العقود دون تعويض. لكن وكالات “الجشع” تلتف على هذا المفهوم، وتدعي أن الطرق “ما زالت مفتوحة” حتى لو كانت تغمرها المياه، في محاولة يائسة لتفادي الخسائر المادية المترتبة عن الإلغاء.
    إن هذا المنطق الاستعلائي يضرب في الصميم ثقة المواطن في المنتوج السياحي الداخلي. فالمواطن الذي يشعر أن وكالة الأسفار مستعدة لرميه في “فم الفيضانات” من أجل بضعة آلاف من الدراهم، لن يعود أبداً للتعامل مع هذا القطاع، مما يضر بسمعة السياحة الوطنية على المدى البعيد.
    إننا اليوم أمام وضع يتطلب تدخلاً حازماً من وزارة السياحة ومن جمعيات حماية المستهلك. لا يجب أن تترك حياة المغاربة رهينة في يد “مضاربين” يختبئون خلف لافتات “وكالات أسفار”. إن السلامة الجسدية للمواطن المغربي تسمو فوق كل العقود والاتفاقات، ومن يعجز عن حماية زبنائه في أوقات الأزمات، لا يستحق أن يحمل رخصة لخدمتهم في أوقات الرخاء.
    كفى استهتاراً بالأرواح.. فالوطن اليوم يحتاج إلى التضامن، لا إلى استغلال المآسي لملء الجيوب.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    وكالات أسفار مغربية تجر الزبناء لركوب ‘حافلات الموت’ وسط الفيضانات