بوح الأحد: الإنتصارات و مواجهة التحديات لن تتوقف، حموشي من النمسا إلى الرياض

بوح الأحد: الإنتصارات و مواجهة التحديات لن تتوقف، حموشي من النمسا إلى الرياض

A- A+
  • بوح الأحد: الإنتصارات و مواجهة التحديات لن تتوقف، حموشي من النمسا إلى الرياض، بعد حماية الأرواح و تأمين الممتلكات، الدعم المباشر للمنكوبين من أهلنا، الحقائق الخمس للقاء مدريد حول الحكم الذاتي و أشياء أخرى…

    أبو وائل الريفي

  • قطار الانتصارات يواصل طريقه ولا يقف في محطة إلا ليستأنف مسيرته نحو محطة أخرى لتحقيق انتصار آخر. حماة المغرب وحراس عرينه لا يعرفون شيئا غير العمل ولا يلقون بالا لمن لا شغل لهم إلا “التنوعير” ظنا منهم أن هناك من سينشغل بهم عن مصالح المغرب أو سيتأثر بما ينشرون من أكاذيب ويروجون من إشاعات. لا يتعامل حماة المغرب مع هذه الحملات إلا باعتبارها تلك الحصى الصغيرة التي تعلق بالأحذية ولا يلتفت إليها من يعرف طريقه ويسرع المشي ليصل إلى هدفه وهو ينتعل حذاء واقيا من الحصى لأنه يعرف أنها لن تضره في شيء.
    أهم ما يقوي إرادة حماة المغرب هو الثقة الملكية والسند الشعبي والاشتغال وفق خطة تظهر يوما بعد يوم صوابها وبأدوات تؤكد الأيام نجاعتها في إحباط كل هذا التنوعير.
    في هذا الأسبوع كنا أمام انتصارات ثلاثة أكدت للعالم أن المغرب والمغاربة لهم قدرة على امتصاص الألم وتجاوز الشكوى وعدم البقاء رهائن لما يمكن أن يمروا به من كوارث لأنهم سرعان ما يتجاوزونها بمبادرات تلقى القبول المجتمعي.
    رغم الفيضانات الناتجة عن أمطار بكميات كبيرة التي اجتاحت أكثر من 110 آلاف هكتار، وأدت إلى إجلاء نحو 188 ألف شخص في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، ورغم ما خلفته من خسائر شاهدها العالم، اكتشف الجميع قدرة خارقة لمؤسسات الدولة على تفادي الأسوأ في هذه الكوارث، حيث تجندت هذه المؤسسات في وقت قصير واشتغلت بشكل متناغم ومهنية عالية لإجلاء ساكنة المناطق المتضررة إلى مناطق آمنة متغلبة على الظروف الصعبة، ووفرت للجميع الحاجيات الأساسية، وهو ما أشعر المغاربة جميعا أنهم في حماية دولة تتوفر على خطط جيدة ومؤسسات قوية وأشخاص يضحون ويشتغلون بتجرد لخدمتهم والحرص على راحتهم، وخاصة بعدما رأوا دولا في الضفة الشمالية أدت ساكنتها ثمنا كبيرا جراء هذه الاضطرابات الجوية الاستثنائية.
    وسط هذه الكارثة وفي خضم الانشغال بإنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات عبر دوريات منتظمة كانت مؤسسات أخرى تشتغل ليل نهار من أجل تقييم دقيق ومعمق للوضع الميداني، وإعداد دراسة متأنية للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الوضعية لتقدير الإجراءات اللازمة، ثم صدرت التعليمات الملكية “إلى الحكومة من أجل وضع برنامج واسع النطاق للمساعدة والدعم لفائدة الأسر والساكنة المتضررة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة في مثل هذه الظروف”، والعمل على تنفيذه “بكفاءة وسرعة وروح المسؤولية، بما يتيح لمواطني المناطق المنكوبة العودة إلى حياتهم الطبيعية في أسرع وقت ممكن”. وهو ما يؤكد انشغال جلالة الملك -إضافة إلى الحفاظ على أرواح الناس- بوجوب التسريع بالعودة للحياة الطبيعية للمتضررين عكس ما ظل يروج له بعض تجار الأزمات من أن هذه العملية ستستغرق شهورا.
    صدر بالفعل عن الحكومة القرار الذي يعلن بموجبه الاضطرابات الجوية الاستثنائية حالة كارثة، ويصنف جماعات الأقاليم الأربعة (العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان)، الأكثر تضررا، مناطق منكوبة، ويخصص لها برنامجا للمساعدة والدعم، بميزانية توقعية تبلغ ثلاثة ملايير درهم لتغطية كل مجالات الضرر مثل المساعدات لإعادة الإسكان، وعن فقدان الدخل، ولإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة المتضررة، وكذا لإعادة بناء المساكن المنهارة، ومساعدات عينية وأخرى لتعزيز التدخلات الميدانية الاستعجالية، من أجل تلبية الحاجيات الأساسية والفورية للساكنة، ومساعدات موجهة للمزارعين ومربي الماشية، واستثمارات لإعادة تأهيل البنيات الأساسية الطرقية والهيدرو فلاحية ولإعادة تأهيل الشبكات الأساسية.
    خطورة هذه الأوضاع لم تمنع هذه المؤسسات من مباشرة عملها في مجالات أخرى لا تقل أهمية لتزف أخبارا سارة عن مشاريع تبرز ثمار احتضان المغرب للمونديال التاريخي الذي تتجه ترتيبات تنظيمه ليكون مونديال القرن، ولم تمنع الدبلوماسية المغربية أن تصنع انتصارا آخر في قضية الصحراء المغربية بعد انتصار القرار الأممي في نهاية أكتوبر الماضي.
    في الوقت الذي ينشغل فيه الطوابرية بحملات ممنهجة ومدفوعة ضد عبد اللطيف حموشي يأبى هذا الأخير إلا أن يؤكد بأنها حملات بئيسة تعود بالحسرة على واضعيها ومنفذيها على السواء، بينما هو منشغل بجدول أعمال مليء داخل وخارج المغرب بما يعود بالنفع على المغرب والمغاربة. الوجهة هذا الأسبوع كانت المملكة العربية السعودية بزيارة عمل بدعوة رسمية من معالي الوزير السيد عبد العزيز بن محمد الهويريني، رئيس أمن الدولة بالمملكة، والهدف هو المشاركة في النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي الذي تحتضنه الرياض.
    مناسبة مثل هذه وحضور لمعرض كهذا يعكس الأهمية المتزايدة التي يوليها قطب المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني للتطوير والابتكار في المجال الأمني، وحرص المغرب على الاطلاع على مستقبل التكامل الأمني والدفاعي العالميين، من خلال التباحث واستعراض أحدث التطورات التقنية في مختلف مجالات الأمن والدفاع، وكذا مناقشة أهم البرامج والتطبيقات المتقدمة المسخرة لخدمة أجهزة الأمن والدفاع بغرض توطيد الأمن والاستقرار العالميين، والحرص على الاستفادة من هذا الحضور لتعزيز التعاون الثنائي مع المملكة العربية السعودية وإجراء مباحثات ثنائية مع المسؤولين الأمنيين بها لبحث سبل تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي المشترك، وآليات الاستفادة من المساعدة التقنية المتبادلة في ميادين الأمن والاستعلامات.
    كنا كذلك هذا الأسبوع أمام منتدى الأعمال المغربي-الإسباني-البرتغالي حول كأس العالم 2030 بتنظيم من الاتحاد العام لمقاولات المغرب “CGEM” بتعاون مع نظيريه الإسباني “CEOE” والبرتغالي “CIP”.
    مجرد اجتماع رفيع بهذا المستوى يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول سبب اهتمام مؤسسات تحتضن مقاولات من هذا الحجم بحدث رياضي لا يزال البعض يصر على أنه مجرد محطة للترفيه وتزجية الوقت وهدر الأموال.
    رأس المال لا يضيع الوقت، ولا يغامر في مشاريع غير مربحة، وهذه الإطارات الحاضنة لكبار المقاولين في البلدان الثلاثة تعرف قبل غيرها أن محطة المونديال فرصة استثمارية تشكل لحظة إقلاع اقتصادي، والمغرب يتعامل معها على هذا الأساس.
    يجب أن نتعامل مع الرياضة كرافعة تنموية وكمجال اقتصادي مع استحضار أنها لعبة ومتعة وتجاوز تلك النظرة التي ترى في الاستثمارات الرياضية إضاعة أموال والاستفادة من تجربة الكأس الإفريقية وما حققته من إشعاع وأرباح وما قدمته من صورة عن المغرب والمغاربة جعلت جهات كثيرة تضاعف مؤامراتها لتبخيس نجاح المغرب دون جدوى. والأكيد أن كل المؤشرات تنبئ بأننا سنكون على موعد مغربي بنكهة عالمية وفرصة أمام كل مكونات المغرب لإبراز قدرة مغربية استثنائية أكبر مما عشناه في الكان.
    المشروع الكروي للمغرب منتج رياضيا وملهم للشباب ومدر للأرباح ماليا كذلك. أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي دشنها الملك سنة 2009 وكلفت ما يقارب 140 مليون درهم تدر اليوم مداخيل تفوق كلفتها من صفقات بيع اللاعبين خريجي الأكاديمية، وآخر رقم هو صفقة النجم المونديالي ياسر زبيري من نادي فاماليكاو البرتغالي إلى نادي رين الفرنسي بمبلغ ناهز 15 مليار سنتيم سيكون ثلثها من نصيب الأكاديمية، وهو الأمر الذي يسري على عقود لاعبين مرموقين آخرين من خريجيها.
    هذا مثال فقط، وهي دعوة لبعض ضحايا التضليل لاستيعاب أن الرياضة يمكن أن تشكل فرصة لنهوض اقتصادي لا يجب تضييعها، وطبعا فهي لن تنسينا باقي الواجهات. كيف يمكن في ظل هذه المشاريع إخراج ميزانية بثلاثة ملايير درهم دون أن يؤثر ذلك على موازنة الدولة إن لم تكن هذه الدولة قوية وقادرة وتتوفر على حلول بديلة لكل الحالات؟
    من يتابع الأوراش المفتوحة في مختلف الواجهات والمناطق يعلم أن هناك مخططات استراتيجية وتدبير محكم لتنزيلها واستحضار لعائداتها على المدى المتوسط والطويل.
    تمثل الانتصار الثالث هذا الأسبوع في الاجتماع الذي احتضنته مدريد حول الصحراء المغربية.
    لن أدخل في الحديث عن تفاصيل ما جرى في الاجتماع لأنها غير متاحة، ولأنني لم أعوّد قراء هذا البوح إلا ذكر الحقائق، ولأنني لست من هواة البحث عن “البوز” لتجميع اللايكات والتعليقات. الحمد لله أن الأوفياء والمداومين على قراءة هذا البوح بالملايين كل أسبوع، وهم من النخبة من داخل وخارج المغرب، وهو أمر يجعلني أتحرى حول ما أكتب وعن ما وعن من أكتب. ولم يعتد مني قرائي إلا الحقيقة ولا شيء غيرها.
    يندرج اجتماع مدريد ضمن مسلسل تشاوري ترعاه الإدارة الأمريكية بهدف الوصول إلى حل نهائي وعاجل لنزاع مفتعل لقضية الصحراء المغربية، وهي بتجربتها ارتأت أن تحيطها بالكتمان ضمانا لنجاحها وإبعادا لها عن ما يمكن أن يشوش على حسن سيرها، وهو خيار ليس سلبيا وله وجاهته ويجب على كل الأطراف الانضباط له، وطبعا لا يعني الكتمان عدم نشر المعلومة الأساسية والضرورية ولكنه يعني عدم إشباع رغبات الترف المعرفي والفضول المعلوماتي الذي يحكم بعض من لا حرص لهم على إنجاح هذه المحادثات لأن همهم ينصب على النجومية الفارغة.
    يحسب للوفد المغربي انضباطه لهذه المنهجية، ويحسب للإعلاميين المهنيين من داخل المغرب وخارجه بحثهم عن المعلومة الصحيحة وعدم الوقوع في فخ التسريبات المخدومة والمنشورة على المقاس لخدمة جهة معينة أو التشويش على مسار لا يخدم أجندات من ينتعشون في هذا النزاع ويتعيشون منه.
    مرة أخرى يفضح الإسباني عبد الحق المسموم ولاءه، ويؤكد أنه يخدم أجندات، ولا ينشر إلا ما يقطر له من جهات دون أن يتثبت من صحتها أو مقارنتها مع مصادر أخرى أو انتظار تواصل رسمي من الجهة الراعية للمحادثات. ومرة أخرى يثبت بعض الطوابرية أنهم ألفوا “العبودية الصحافية” للمسموم، وبدوا متحمسين فوق العادة وبشكل استثنائي بالترويج لتسريباته دون التثبت من صحتها.
    يتأسف “غير المأسوف عليه” على حال الصحافة، ويعلن أنه لم يعد صحافيا لأنه صحافي. يتناسى أنه لم يعد صحافيا بسبب جرائمه التي صارت بذكرها الركبان ويستحيي من الحديث عنها من لا يزال عنده حبة خردل من المروءة والإنسانية. جرائمه تجعله في وضعية تنافي لتقلد أي وظيفة أو الانتماء إلى أي مهنة وربما صدق كذبته على نفسه بأن العفو يجب ما قبله وأنه نجح في تبييض تاريخه الأسود.
    قلت في بوح سابق بأن بعضا ممن امتهنوا الصحافة منذ عقدين مضى زمنهم غير المأسوف عليه، ولكنهم ما زالوا يرون أنفسهم مرجعا لتقييم الصحافة في المغرب رغم أنهم لم يراكموا من الصحافة إلا المال من أموال العاملين. هؤلاء هم الذين لا يريدون الاعتراف بالحقيقة لأنهم اغتنوا من الصحافة بتحويل أموال الدعم العمومي لجيوبهم ولحساباتهم ولعائلاتهم ولمشاريعهم. هؤلاء هم الذين يفرحون لأنهم تحادثوا/تخابروا مع المسموم وزودهم ب”معلومات” عن لقاء مدريد.
    لندع قراءة الفنجان ولنبتعد عن التحاليل غير المبنية على معلومات ولنترك تلك الاستنتاجات المتسرعة التي يتحكم فيها أسلوب تقطار الشمع على الدبلوماسية المغربية لأنها محكومة بالوصول إلى هدف وفق مقاربة ترى في احترام منهجية المحادثات عامل تسريع للوصول إلى حل نهائي وسريع، ولنركز على الحقائق التي بين أيدينا بعد جولة مدريد لأنها هي التي يمكن الاعتماد عليها لاستنتاج المسار الذي دخلته قضية الصحراء المغربية. والمصدر الوحيد لهذه الحقائق هو ما نشرته رسميا الخارجية الأمريكية عن هذا اللقاء “قامت وفود رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة بتيسير محادثات في مدريد بإسبانيا جمعت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، تركزت حول تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025) المتعلّق بالصحراء الغربية”.
    الحقيقة الأولى هي أن خبر اللقاء صحيح، وهو مطلب مغربي تكرر في أغلب قرارات الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة التي دعت إلى وجوب جلوس الأطراف المعنية بالنزاع، وكانت الجزائر ترفض وتماطل وتتعلل بأعذار لتتهرب من مسؤوليتها. الآن وبعد حصول اللقاء يمكن القول بأن في ذلك انتصار للمغرب واستجابة لمطلبه الدائم وعدم تهربه من مقتضيات التشاور ومنهجيته. أما أين حصل اللقاء وأسباب ذلك فليس معلومة مفيدة وإن كان ولا بد من تلك التحليلات المسمومة فيمكن أن نتحدث عن دلالة اختيار مدريد التي اعترفت بعد سنوات من التردد بمغربية الصحراء وعلاقاتها مع الجزائر في تشنج بينما علاقاتها مع المغرب في أفضل أيامها. أليس كذلك؟
    الحقيقة الثانية تتعلق بمن حضر محادثات مدريد، وهم المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا. أليس هذا انتصار آخر للمغرب؟ لقد ظلت الجزائر تدفع بكونها ليست طرفا في هذا النزاع، وتمتنع عن التجاوب مع الدعوات الأممية لحضور الموائد المستديرة، ولكنها هذه المرة حضرت مما يطرح أكثر من علامة استفهام وتعجب عن سبب قبولها الحضور. هل هو تغير في موقفها أم استجابة لضغوط خضعت لها أم استعانة من طرف البوليساريو بخدماتها للتشويش بعدما عجزوا عن تحقيق الهدف؟
    أيا كان السبب، فالمؤكد هو أن في حضور الجزائر اعتراف بأنها طرف في النزاع، ولا يهم ما تبقى من تفاصيل حول تأويلها لطبيعة حضورها وهل رفض وزير خارجيتها التقاط صور ومدى صحة هذه الواقعة لأن لا أحد مخول بذكر شيء من الحقيقة إلا الراعي للمحادثات.
    الحقيقة الثالثة تكمن في الهدف من لقاء مدريد وقد وضحته الخارجية الأمريكية “تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797″، وهذه وحدها ضربة قاضية لدعاة الانفصال وراعيتهم. هي تأكيد أننا في مرحلة تنفيذ قرار نص على أن لا حل غير الحكم الذاتي ولا مبادرة غير المبادرة المغربية للحكم الذاتي. والمغرب بخطاب ملكي سويعات بعد صدور القرار أعلن أنه سيحين مقترحه لسنة 2007 على ضوء متغيرات موضوعية تراكمت خلال ما يقارب العقدين من الزمن، وفتح حول ذلك مشاورات مع الأحزاب. هل المقترح المحين يقع في أربعين صفحة أو أكثر أو أقل ليس معلومة مهمة في هذه اللحظة ليس لأن المغرب لا يريد نشرها ولكن لأن من عوامل إنجاح المحادثات عدم إتاحتها لمن هو غير معني بها مباشرة وفي أولى جلسات المحادثات. أليس هذا انتصار للمغرب؟
    الحقيقة الرابعة هي أن هذه جولة من محادثات يبدو أنها ستليها جولات أخرى، وهذا انتصار آخر للمغرب لأن تسريع عقد هذه الجولة وإلزام الجزائر بالحضور وبرمجة جولة قادمة كلها مؤشرات على وجود إرادة للتسريع بالوصول إلى حل. أليس هذا انتصار آخر للمغرب؟
    الحقيقة الخامسة تكمن فيما تضمنه منشور الخارجية الأمريكية من كونها مجرد ميسر لهذه المحادثات، ويزكي ذلك حضور وفد رفيع المستوى من الأمم المتحدة. هل هو فعلا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة دي ميستورا؟ أم شخص آخر؟ هذا كذلك تفصيل غير مهم الآن، لأن المهم هو ما يؤكد الانخراط الأممي في هذه المحادثات والالتزام بمخرجاتها.
    من له مصلحة إذن في التسريب؟ ومن له مصلحة في التشويش؟ ولماذا يلتزم المغرب بمقاربة اتفق عليها رسميا لتدبير هذه المحادثات؟
    طبيعة الرواية المسربة، وصاحب المصلحة من التسريب، وهوية من تلقى ونشر التسريب تؤكد أن جهة التسريب هي المتضررة من هذه المحادثات، وهدفه من تلك التسريبات الناقصة والموجهة هو تضليل الرأي العام وطمس الحقيقة لأنها تخاف من شعبها وتريد ربح مساحة زمنية لتأهيله لصدمة آتية لا ريب فيها وتعلم يقينا أنها ستكون نقطة نهايتها لأنها ستفتح عليها باب المحاسبة حول مغامرة مكلفة ماليا وسياسيا لعقود من الزمن.
    قد أسترسل في التحليل حول هذه الحقائق، ولكن ليس وقته وأعدكم أن أقوم بذلك حين يكون فيه مصلحة لوحدتنا الترابية وطي هذا الملف لأنني أربأ بنفسي أن أضع هذه القضية موضوع سبق صحافي أو إثارة إعلامية قد لا تكون في مصلحة نجاح تلك المحادثات.
    يخطئ من يرى في حجب معلومات تفصيلية جنوحا نحو السرية، بل يغالط الرأي العام من يصر على وصفها بالمحادثات السرية رغم أنها كانت موضوع بلاغ رسمي من راعيها. هؤلاء لا يفقهون في سير هذا النوع من المحادثات. التعبير الرسمي المعتمد في هذا الحقل هو محادثات مغلقة وهي كثيرة ومعمول بها في كل النزاعات، إن لم نقل بأن اعتمادها مؤشر على جديتها ورغبة في إنجاحها وتسريع حلها. وسبب اعتمادها هو تجنيبها ضغط الإعلام والرأي العام.
    يخطئ من يصفها بالمفاوضات، إن لم نقل أنه يتعمد خلط الأوراق خدمة لأجندة معادية لوحدتنا الترابية. البلاغ الأمريكي سماها محادثات، وحدد طبيعتها بأنها لتنفيذ قرار 2797، ولذلك فهي تندرج ضمن المحادثات ذات الصبغة التقنية التنفيذية ليس إلا.
    يخطئ من يفتح نقاشات مغلوطة عن سحب أمريكي للملف من الأمم المتحدة وكأنها غير راضية أو لها مسار مختلف رغم حضورها بوفد رفيع المستوى لأن المحادثات تتم تنفيذا لقرار مجلس الأمن. لا جدوى من فتح هذه النقاشات لأن باقي التجارب فشلت ويستحسن تجريب صيغة جديدة إن كان هناك حرص على طي صفحة هذا النزع.
    بناء على كل ما سبق، يمكن القول بأن قضية الصحراء دخلت فعلا منعطفا جديدا بوتيرة أسرع وبجدية أكبر، ودورنا كمغاربة هو مباركة هذه الخطوة ودعم الدبلوماسية المغربية التي تخوض معركة أخرى ولن تكون إلا انتصارا آخر كما عودتنا دائما.
    المقترح المغربي شكل من أشكال تقرير المصير ويحافظ في الآن نفسه على وحدة الدولة، وهو مقترح واقعي وعملي وجاد وذو مصداقية، وهو الأرضية الوحيدة للمحادثات، والأساس الوحيد لأي حل سياسي قابل للتطبيق، وليس أمام الطرف الآخر إلا الاقتراح من داخل هذا المقترح وفي تفاصيله بما يساهم في تنزيله بشكل يعود على الصحراويين بالنفع عوض حياة المخيمات التي تفتقد للحد الأدنى من العيش الكريم.
    تغليب مصلحة الصحراويين تتطلب إعطاء الأولوية للشق الإنساني وترجيح البحث عن حل نهائي وسريع لهذا النزاع الذي طال ويدفع ثمنه الصحراويون بينما يغتني منه تجار مأساتهم التي فاقت نصف قرن. أليس من حق الأجيال الحالية أن تغادر حياة المخيمات؟
    يمكن بعد كل هذا فهم الحالة النفسية التي عليها حاكم قصر المرادية الذي خرج مجبرا لمخاطبة الجزائريين في حلقة أخرى من مونولوغه المألوف الذي يضع أمامه “صحافيين” ليطرحوا عليه أسئلة معدة سلفا.
    الملفت للانتباه هو أن هذا المونولوغ تحول إلى دغدغة للعواطف بالحديث عن “بلد المعجزات” لمجرد تدشين خط سككي، وكشف للتناقضات لتبرير الحصول على قروض بعدما كان في السابق يرفضها، وفضيحة بعد السقوط في منزلق استعمال لغة “المعاطية في الزنقة” وهو ما يؤكد حالة التوتر وضيق الصدر وعدم القدرة على انتقاء ألفاظ تليق بموقع رئيس دولة يمكن أن يجد عبارات تعبر عن المعنى بشكل أقوى ولكن بطريقة مؤدبة تحترم المخاطَب قبل الخصم.
    من تابع تبون يتأكد أن الجزائر ونظامها في حالة عزلة عن محيطها بدليل مشاكلها الحدودية مع دول جنوب الصحراء، ووضعها المرتبك الذي تفتح فيها جبهات حرب على الجميع، كما هو الحال مع الإمارات الشقيقة.
    من حيث لا يدري، كشف تبون أن بلاده هشة لدرجة يمكن لأي دولة أن تؤثر على انتخاباتها وسيادتها. تفادى الحديث عن العلاقات مع فرنسا ليؤكد للجزائريين أنها متوترة. واقع الحال يؤكد أن نظام تونس ضحية لسياساته وضغوطه رغم أنه كان ينفي الضغط على الجيران.
    باختصار، الخروج الإعلامي الذي كان يعول عليه لرفع معنويات الشعب كان تأكيدا للمخاوف الشعبية وتزكية لما يروج بين الشعب في المنتديات الخاصة بأن البلاد تعيش انتكاسة وتحتاج تغييرا لنظام عجز عن تحقيق ما نجحت فيه دول أخرى بإمكانيات أقل.
    سؤال التوقيت والهدف لا تخطئه العين المجردة. هو خروج لإيقاف النزيف وتهييء الشعب للآتي وهو أسوأ من الواقع، واليوم يتضح سبب زيارة بولس للجزائر مؤخرا ويتأكد ما راج من خضوع النظام لضغوط للاعتراف بالأمر الواقع.
    استفزازات النظام الجزائري على الحدود ليست إلا محاولة لتشتيت الانتباه عن الخسائر التي تتلقاها في ملف الصحراء المغربية ومحاولة لجر المغرب لفخ ردود أفعال غير محسوبة لتبرير مقاطعة المحادثات التي ترعاها الإدارة الأمريكية لأنه نظام عاجز عن قول لا لأمريكا ويعرف ثمنها على استمراره.
    صدمة أخرى للطوابرية من الاتحاد الأوربي هذه المرة الذي صنف رسميا المغرب ضمن اللائحة الأوروبية الموحدة للدول الآمنة، وهو ما يفيد بأن طلبات اللجوء المقدمة من مغاربة داخل دول الاتحاد ستقابل بقرينة الأمان ويصعب قبولها ما لم يثبت صاحبها خطرا شخصيا واضحا. هي صدمة مضاعفة لأنها تعني شهادة أخرى للمغرب بأنه من الدول المستقرة ديمقراطيا وسياسيا بما يجعل قبول طلبات اللجوء المعنية بها استثناء، والصدمة الثانية تتمثل في أن ما يحكم الاتحاد هو هاجس الهجرة ولم تعد تضعهم في الأولوية.
    هذا هو آخر بوح قبل رمضان، وأغتنم هذه المساحة لأبارك للجميع حلول هذا الشهر الفضيل، وموعدنا في بوح قادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    بوح الأحد: الإنتصارات و مواجهة التحديات لن تتوقف، حموشي من النمسا إلى الرياض