ملحمة تضامن مغربي ونجاعة تدبير أزمة
ملحمة تضامن مغربي ونجاعة تدبير أزمة
شكّلت الفيضانات الأخيرة التي ضربت عدداً من المناطق المغربية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع على تدبير الكوارث الطبيعية في سياق مناخي عالمي يتّسم بتزايد حدّة الظواهر القصوى. غير أن ما طبع هذه المحنة لم يكن فقط حجم الخسائر المادية أو قسوة الظروف الطبيعية، بل بالأساس مشاهد التعبئة الشاملة، والتنسيق المؤسساتي، والانخراط الشعبي،
التي حوّلت الأزمة إلى لحظة وطنية للتضامن، استدعت إشادة واسعة على المستويين الوطني والدولي بأسلوب تدبير الكارثة، منذ الساعات الأولى لتهاطل الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب الأودية.
وبأمر من جلالة الملك، تحرّكت السلطات العمومية وفق مقاربة استباقية، همّت إجلاء عشرات الآلاف من السكان من المناطق المهدّدة، وتأمين المحاور الطرقية الحيوية، وتعبئة فرق الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والسلطات المحلية.
وتم إحداث خلايا أزمة جهوية وإقليمية لتتبع تطوّر الوضع الميداني بشكل لحظي، مع ضمان انسيابية القرار وتوحيد قنوات التنسيق بين مختلف المتدخلين.
في الميدان، لم يقتصر التدخل على عمليات الإنقاذ والإجلاء، بل شمل توفير مراكز إيواء مؤقتة مجهّزة، وتوزيع المساعدات الغذائية والأغطية والأدوية، وتأمين الرعاية الصحية والنفسية للمتضررين، خاصة الفئات الهشّة من أطفال ومسنّين. كما تمّت تعبئة الموارد اللوجستية لإعادة فتح الطرق المتضرّرة، وإصلاح الشبكات الحيوية من ماء وكهرباء واتصالات في آجال قياسية، بما ضمن الحد الأدنى من شروط العيش الكريم في ظرفية استثنائية.
الأهم في هذه التجربة كان تدبير مرحلة ما بعد الخطر المباشر، أي مرحلة عودة الساكنة إلى منازلها. فقد تم اعتماد مقاربة سلسة وتدريجية، تراعي السلامة الإنشائية للمساكن، وتخضع لخبرة تقنية قبل السماح بالعودة، مع مواكبة اجتماعية للأسر المتضرّرة. كما أُطلقت عمليات تقييم دقيقة للأضرار من أجل التعويض وإعادة الإعمار وفق معايير تضمن السلامة المستقبلية، بما يعكس تحوّلاً في تدبير الكوارث من منطق التدخل الظرفي إلى منطق البناء المستدام والوقاية.
هذا النموذج في تدبير الأزمة أعاد إلى الأذهان طريقة تعاطي المملكة مع محطّتين مفصليتين في الذاكرة الوطنية الحديثة: زلزال الحوز، وجائحة كوفيد 19. ففي الحالتين، برز نفس النفس التضامني، ونفس المنهجية القائمة على التعبئة السريعة، والقرار المركزي الواضح، والتنزيل الترابي الفعّال، والانخراط المجتمعي الواسع وفق رؤية ملكية تعطي الاعتبار الأول لإنقاذ الأرواح ولسلامة الإنسان قبل المنشئات، وهي مقاربة جعلت من إدارة الأزمات رافعة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، بدل أن تكون مصدراً للاحتقان أو فقدان المصداقية.
ولم تكن الإشادة الدولية بهذا الأسلوب الذي يعتمد على الإمكانيات الذاتية للبلد، مجرّد مجاملات دبلوماسية، بل جاءت على لسان منظمات إنسانية وخبراء في تدبير المخاطر الطبيعية، نوّهوا بقدرة المغرب على الجمع بين سرعة التدخل ونجاعة التنسيق واحترام البعد الإنساني في التعامل مع المتضررين. كما أبرزت تقارير إعلامية دولية أن التجربة المغربية باتت نموذجاً يُستأنس به في بلدان الجنوب التي تواجه تحديات مماثلة في ظل تغيّر المناخ وضعف البنيات التحتية في بعض المناطق القروية والجبلية.
غير أن هذه الملحمة لا تعني نهاية التحديات. فالفيضانات الأخيرة كشفت، مرة أخرى، عن هشاشة بعض البنيات المجالية، وعن الحاجة الملحّة إلى تسريع وتيرة الاستثمار في الوقاية، وتحيين خرائط المخاطر، وإعادة التفكير في سياسات التعمير في المناطق المعرّضة للأخطار الطبيعية. كما تطرح سؤال العدالة المجالية في توزيع البنيات التحتية الوقائية، من سدود صغيرة وقنوات تصريف إلى مسالك طرقية قادرة على الصمود أمام التقلبات المناخية.
في المحصّلة، قدّمت الفيضانات الأخيرة صورة عن مغرب قادر، حين تشتدّ المحن، على تحويل الخطر إلى لحظة تلاحم وطني، وعلى ترجمة التوجيهات الملكية السامية إلى سياسات عمومية ناجعة
في الميدان. ملحمة جمعت بين يقظة المؤسسات ونُبل التضامن الشعبي وتفهم المواطنين وثقتهم في السلطات العمومية، وذكّرت بأن تدبير الكوارث لم يعد شأناً تقنياً صرفاً، بل خياراً استراتيجياً يمسّ صميم الثقة في الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها في زمن اللايقين المناخي.