Advertisement

في 8 مارس: مراجعة الرجل قبل الاحتفاء بالمرأة

في 8 مارس: مراجعة الرجل قبل الاحتفاء بالمرأة

A- A+
  • في 8 مارس: مراجعة الرجل قبل الاحتفاء بالمرأة

    في كل مرة يحلّ فيها الثامن من مارس، تتكاثر الكلمات المنمقة عن المرأة كما تتكاثر الورود في عيد الحب «الفالنتاين». تُقال عبارات التقدير، وتُرفع الشعارات الأنيقة، وتُستعاد أرقام وإنجازات المرأة في ميادين عديدة. غير أنني، كلما طُلب مني الحديث عن المرأة في هذا اليوم، أشعر أن السؤال لا ينبغي أن يُوجَّه إليها، بل إلينا نحن الرجال.
    لأن الحديث عن المرأة في تقديري يبدأ بمراجعة وعينا نحن الرجال بالمرأة، أختا، أما، بنتا وزوجة ورفيقة عمل..
    المرأة ليست كائناً استثنائياً خارج السياق الإنساني حتى نحتفل بوجودها مرة في السنة في اليوم الأممي. المرأة شريكة في صياغة التاريخ اليومي، في بناء الأسرة، في إنتاج المال والمعرفة، في تدبير الشأن العام. وإذا كان حضورها قد تعرّض عبر التاريخ للتهميش أو التضييق، فإن ذلك يعود إلى بنى اجتماعية وثقافية كرّست اختلالاً في ميزان السلطة والفرص.
    لقد تعلّمنا، في مجتمعاتنا، صوراً نمطية عن المرأة والرجل. تعلّمنا أن القوة حكر على جنس، وأن الرعاية حكر على آخر. تعلّمنا أن الطموح صفة مشروعة للرجل، ومصدر ريبة حين يصدر عن امرأة. وهذه الصور لم تكن بريئة، بل صنعت فجوة بين الإمكانات المتاحة فعلياً وبين الإمكانات المعترف بها اجتماعياً.
    غير أن التحولات التي يشهدها عالمنا اليوم وبلدنا المغرب في قلبها، في التعليم والعمل والفضاء العام، تكشف عن حقيقة بسيطة: حين تتاح الفرصة، تثبت المرأة قدرتها على الإبداع والقيادة والتأثير.
    في الجامعات، في المؤسسات، في ميادين الفكر والإعلام والفن والاقتصاد، صارت مشاركة المرأة عنصراً بنيوياً في أي مشروع تنموي جاد.
    ومع ذلك، فإن التحدي لم يُحسم بعد. لأن القوانين، مهما بلغت عدالتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تتغيّر العقليات. إن أكبر عائق أمام إنصاف المرأة بالمغرب ليس دائماً نصاً قانونياً تمثل في مدونة أو في قانون للمناصفة أو في الكوطا، بل تصوراً ذهنياً راسخاً، أو عادة اجتماعية متخلفة، أو خطاباً يُعيد إنتاج التمييز بلغة جديدة.
    من هنا أرى أن الثامن من مارس ينبغي أن يكون لحظة مساءلة ذاتية للرجل أيضاً. هل نمنح النساء في محيطنا المهني فرصاً متكافئة فعلاً؟ هل نصغي إلى آرائهنّ بالجدية نفسها التي نصغي بها إلى آراء الرجال؟ هل نربّي أبناءنا على احترام المرأة لا بوصفها أختاً أو أما أو بنتا أو زوجة فقط، بل بوصفها مواطنة كاملة الحقوق، مستقلة الإرادة؟
    لقد علّمتني تجاربي الشخصية أن كثيراً مما يُسمّى ضعفاً في المرأة هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال القوة: قوة الاحتمال، قوة التنظيم، قوة التضحية وقوة النظر بعيداً في التفاصيل التي يغفلها الآخرون. وعلّمتني أيضاً أن الرجولة الحقيقية تقوم على الشراكة لا الوصاية. على الاعتراف بأن العدالة شرط لازم لسلام اجتماعي دائم.
    إن مجتمعاً يُقصي نصف طاقته لا يمكن أن يحقق تنمية متوازنة.
    ومؤسسة لا تُفسح المجال لكفاءات نسائية مؤهلة إنما تُضعف نفسها بنفسها. فالمسألة ترتبط بقضية مجتمع يبحث عن توازنه المفقود.
    في الثامن من مارس، إذن، لا أرى مناسبة للاحتفاء الرمزي فحسب، بل دعوة متجددة لإعادة النظر في منظومة القيم والسلوك. أن ننتقل من الخطاب إلى الممارسة، ومن المجاملة إلى الالتزام، ومن الوصاية إلى الثقة. فالمرأة لا تحتاج إلى كلمات إضافية بقدر ما تحتاج إلى فضاءات أوسع وثقة أكثر. تحتاج عدالة بسيطة وواضحة. وعندما تتحقق هذه العدالة، لن يكون الثامن من مارس محطة عادية في مسار مجتمع اختار أن يكون أكثر إنصافاً وإنسانية.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    إنضمام نائب جمهوري جديد داعم لقانون تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي