الإبداع الحسانـي بين الغنى وقيود المجتمع
الإبداع الحسانـي بين الغنى وقيود المجتمع
أيمن الحبيب
تمثل الأقاليم الجنوبية للمغرب خزانًا ثقافيًا غنيًا بالتراث الحساني الذي يعكس هوية أصيلة لشعب البيضان وهو تراث يمتد من اللغة والفنون الموسيقية والشعرية إلى العادات والتقاليد اليومية وأسلوب الحياة الخاص بالسكان على الرغم من هذا الغنى لم يتم استثماره بعد بالشكل الكافي لتحويله إلى إنتاجات فنية قوية ومتنوعة قادرة على التعريف بهذه الثقافة محليًا وعالميًا وتسويقها على مدار السنة وليس في مناسبات محدودة مثل شهر رمضان حيث يقتصر نشاط بعض الفنانين على فترة قصيرة ثم تختفي أسماؤهم لسنوات.
الثقافة الحسانية تتجاوز الرموز التقليدية المعروفة مثل الملحفة والخيمة وكاس أتاي والدرّاعة أو بعض الكلمات المحلية فهي تشمل كل تفاصيل الحياة اليومية و الموروث اللغوي والفني الذي يشكل نسيجًا ثقافيًا متكاملًا ومع ذلك فإن الإنتاج الفني الحالي في الأقاليم الجنوبية لم ينجح في الارتقاء بهذه الثقافة إلى مستوى يعكس ثراءها أو يمكنها من الوصول إلى جمهور واسع الأسباب متعددة وتشمل ضعف الدعم المالي والمؤسسي محدودية وسائل التسويق ونقص الاستثمار في تقنيات الإنتاج الفني الحديثة وكل ذلك يحد من قدرة الفنانين على تطوير أعمالهم واستمرارية النشاط الفني المحلي.
من الضروري أن يتحول التركيز من الإنتاج الموسمي إلى إنتاج مستمر على مدار السنة وذلك من خلال خلق بيئة داعمة للفنان الصحراوي تمكنه من العمل على مشاريع متعددة وتطوير مهاراته وتجريب أفكار جديدة كما يجب أن يكون المجال مفتوحًا أمام الفنانين غير الناطقين بالحسانية للمساهمة في الأعمال الفنية دون خوف من التنمر أو الانتقاد السلبي فذلك يوسع قاعدة الإبداع ويعزز انتشار الثقافة خارج حدودها التقليدية.
التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الرقمي تمثل أدوات مهمة لنشر الثقافة الحسانية وتسويقها محليًا ودوليًا من خلال إنتاجات موسيقية أفلام وثائقية مسرحيات وفنون بصرية متجددة يمكن للثقافة الحسانية أن تنتقل من القوقعة التقليدية إلى فضاءات دولية تعرف بها أجيال جديدة وتبرز مكانة الأقاليم الجنوبية على خارطة الثقافة المغربية والعالمية كما أن دمج التراث الحساني في إنتاجات فنية معاصرة لا يعني تمييعها أو فقدان هويتها بل يسمح بتقديمها بطريقة مبتكرة تجذب الجمهور وتعزز من قيمة الثقافة وتعكس تفاصيل العادات والتقاليد والخصوصيات المحلية.
تمكين الفنانين الصحراويين من العمل بشكل مستمر يحقق أهدافًا مزدوجة فهو يضمن استمرار الثقافة الحسانية على مدار السنة ويعزز استمرارية المشاريع الفنية كما يتيح تسويق الثقافة بكل تفاصيلها بطريقة احترافية ويحول الأقاليم الجنوبية إلى منصة للإبداع الفني والإشعاع الثقافي كما أن التحرر من القيود التقليدية التي تفرق بين الحسانية المحلية وفروعها وبين الفنانين الناطقين وغير الناطقين بالحسانية يعتبر خطوة ضرورية ليصبح المجال مفتوحًا للتبادل والإبداع المشترك ما يسمح بتحويل التراث المحلي إلى علامة فنية عالمية تعكس غنى وخصوصية هذه الأرض وشعبها.
إن الثقافة الحسانية في الأقاليم الجنوبية تمثل إرثًا غنيًا يحتاج إلى رؤية استراتيجية تحول هذا التراث إلى إنتاجات فنية مستدامة يمكنها الوصول إلى جمهور واسع في الاستثمار في الفنانين المحليين ودعمهم طوال السنة والانفتاح على التكنولوجيا وتقديم الثقافة بطريقة تبقي على أصالتها وتسمح بالتجديد جميعها خطوات أساسية لنقل الثقافة الحسانية من القوقعة التقليدية إلى فضاءات الإشعاع العالمي وبذلك تتحول الصحراء المغربية إلى منصة للإبداع والفنون وتصبح الثقافة الحسانية نموذجًا يحتذى به في إبراز الأصالة مع الابتكار والتجديد.
المصدر: شوف تي في