بوح الأحد: خبايا تحرك ما تبقى من الدولة العميقة في فرنسا الذي ٱنتهت صلاحيته

بوح الأحد: خبايا تحرك ما تبقى من الدولة العميقة في فرنسا الذي ٱنتهت صلاحيته

A- A+
  • بوح الأحد: خبايا تحرك ما تبقى من الدولة العميقة في فرنسا الذي ٱنتهت صلاحيته ليبعث أوراقه المحروقة من الرماد و حموشي ذرع كرامة و سيادة و عزة دولة، توالي ٱنتصارات المغرب و الهدنة الهشة في الخليج و أشياء أخرى…

    أبو وائل الريفي

  • يتضح أن ما تبقى من الدولة العميقة في فرنسا –الذي انتهت صلاحيته- لم يستسلم بعد، ويستغل كل مناسبة لتوتير العلاقات المغربية الفرنسية لأنه لم يستسغ الطريقة التي دبر بها المغرب خلافات طارئة وظرفية مع فرنسا، وكذا النتائج التي انتهت إليها هذه العلاقة الثنائية بعد تلك الخلافات لأنها تنطلق من تصور خاطئ وكأن البلدين كانا في معركة خرج المغرب منها منتصرا، بينما الحقيقة أن المغرب كان يدافع فقط عن مصالحه وكرامته وسيادته واستقلال قراره ولم يختر تلك المعركة، ولكن حين فرضت عليه كان في مستواها، وهذا هو ما يجب أن يستحضره كل من يريد التنقيص من الدولة المغربية.
    ما تزال عقدة الماضي الاستعماري والمنطق الكولونيالي يحكمان ما تبقى من الدولة العميقة والتي لم تقدها إلا إلى سلسلة من الإخفاقات في كل المناطق التي ظلت محسوبة على الدولة الفرنسية بحكم الروابط التي نشأت منذ الفترة الاستعمارية.
    كان الأولى لهؤلاء المغادرة في صمت لأن وقتهم انتهى، وأساليبهم العتيقة لم تعد متلائمة مع الأجيال الجديدة، وخطابهم صار مستفزا لدول وضعت أولويتها قضايا السيادة والكرامة والاستقلال الكامل.
    خلال هذا الأسبوع، عشنا حلقة أخرى من مسلسل الإفلاس السياسي والإعلامي والأخلاقي الذي تراكمه بقايا الدولة العميقة في فرنسا. كنا أمام شاهد آخر أكد لكل المتابعين أن بقايا الدولة العميقة لم تستسغ خروج الكثير من الدول عن عباءتها وما تزال متشبثة بتسويق رواية عتيقة بأن فرنسا صاحبة الفضل في تحديث وعصرنة وتقدم المغرب.
    كالعادة، تفضل هذه البقايا استعمال الإعلام لإيصال سرديتها الصدئة، ولم تجد هذه المرة غير ما سمته مرور 70 سنة على الاستقلال، كما لم تجد غير تلك الوجوه المألوفة والمعروفة بعدائها للمغرب للقيام بهذه المهمة البئيسة، من خلال جنس صحافي ظنوا جميعا أنه سيجذب مشاهدين كثر ويصنع من خلال تلك الرواية الاستعمارية رأيا عاما معاديا للمغرب من خلال تسويق أنه بلد عاق وخرج عن بيت الطاعة الذي وضعته فيه القوة الاستعمارية حين قرر بإرادته تنويع علاقاته وتكثير شركائه والتشبيك مع أكثر من دولة عظمى لضمان عدم خضوعه لأي واحدة مهما كانت وتجنب الوقوع في أسر أي تجربة أحادية.
    لم ينتبه كثيرون إلى طبيعة صناع ما سمي وثائقي قناة فرانس 5 المعنون ب
    “Je t’aime moi non plus: France-Maroc” وهي العبارة التي يمكن ترجمتها ب”أنا أحبك.. أنا أيضا لا: فرنسا–المغرب”، وهذا تعبير فرنسي شهير يرمز لحالة التناقض التي يوجد عليها اثنان.
    الجهة التي تكلفت بإنتاج هذا المنتوج الدعائي المضاد للمغرب وتسويقه في صورة مادة وثائقية مهنية هي شركة “Premières Lignes télévision” المتخصصة في صناعة “الوثائقيات التحقيقية” والتي سبق أن أنتجت “وثائقيا” معاديا للمغرب سنة 2016 أذاعته حينها FR3 تحت عنوان “Roi du Maroc, le règne secret” والذي لقي استنكارا واسعا بين المغاربة بسبب محتواه غير المهني والتحريضي ضد الملك والملكية والمؤسسات السيادية المغربية في سياق علاقة متوترة فضحت خلفيات صناعه حينها، وهدفه الابتزازي لإخضاع المغرب الذي كان يخوض حينها معركة سيادة وكرامة خرج منها في الأخير منتصرا بفضل إرادة فولاذية وحكمة في تدبيرها بما لا يوسع حالة العداء مع كل النخبة والمجتمع الفرنسي لأن المغرب لم يرغب في أي لحظة في ذلك، ولكن بعض المتنفذين في القرار الفرنسي من الدولة العميقة كان لهم هدف شيطنة المغرب لخدمة أهداف خبيثة.
    في تلك اللحظة، ومباشرة بعد بثه، شهدنا تبرؤا جماعيا لبعض الوجوه التي كانت ضيوفا عليه بمبرر أنهم خضعوا للتدليس ولم يفهموا سياق البرنامج وهدفه حينها، ولم يجرؤوا على قول الحقيقة كاملة بأنهم “غرر” بهم في لعبة لإخضاع المغرب والتشويه به لدى الفرنسيين في فترة لن تنسى لدى المغاربة، وكانوا كلهم يتابعون مسلسل الشد والجذب باهتمام بالغ ويشاركون في قطع حبل سري يرى الكولونياليون في النظام الفرنسي أنه يلزم أن يبقى موصولا ومغذيا لفرنسا التي تتجه نحو الانحدار إن لم تحكم قبضتها على كل مستعمراتها السابقة.
    نتذكر جميعا أثناء هذا “الوثائقي” ما حدث مع صحافيين من معديه، وهما مخرجه وكاتبه Jean-Louis Perez وكذا Pierre Chautard، وقد تم إيقافهما بسبب خروقات قانونية واضحة.
    حينها تأكد كل من تابع ملابسات التوقيف وصناعة تلك المادة الدعائية الدور القذر الذي تلعبه بعض الجهات من بينها رجل سئم من الإنتظار لكي يلعب دورا خارج الدستور للاصطياد في الماء العكر بعد أن أغلق ملف التوتر الذي دام طويلا وانتهى باعتراف فرنسي بالخطأ وتم إصلاحه بزيارة رسمية إلى المغرب لوزير الداخلية الفرنسي حينها برنارد كازنوف ولم يلتفت فيها لتوقيف معدي البرنامج، وهو ما اعتبر مؤشرا أن قصر الإليزيه وساكنه ووزراءه يعون جيدا هذه الدسائس التي تلعبها بعض لوبيات الدولة العميقة لإفساد التقارب مع المغرب.
    في وثائقي هذا الأسبوع لم يتغير ضمن الطاقم تقريبا سوى المخرج الذي تم تغييره بBenoît Bringer -الذي كان هو نفسه رئيس تحرير شركة “Premières Lignes télévision” التي أنتجت الوثائقي المعادي للمغرب سنة 2016 – وتمت الاستعانة ببعض الأوراق المحروقة التي انتهت صلاحيتها وانعدمت كل ذرة من المصداقية بشأنها بسبب الجرائم الشنيعة التي لا يتقبلها عقل سليم.
    قدم صناع الشريط الدعائي هشام المنصوري كمعارض وأضفوا عليه صبغة طهارة سياسية ونعتوه ب”الصوت الذي يزعج السلطات في المغرب” بينما هو في الحقيقة مجرم من الناحية القانونية والدينية والأخلاقية والاجتماعية لأنه استحل لنفسه زوجة محصنة في ذمة ضابط من القوات المسلحة الملكية، ولها منه ذرية، وسمح لنفسه أن يكتري شقة لممارسة الدعارة معها، وضبط متلبسا فيها معها وهو مجرد من كل ثيابه، واعترف بذلك طيلة أطوار استنطاقه قبل أن يركب الموجة الطوابرية ويدعي نقيض ذلك.
    لم يكن هشام سوى مدرس استقطبه المعطي الغارق في السنوات الأولى من الألفية الثالثة في نعيم التمويل الأجنبي لتمويل دورات “الصحافة الاستقصائية” والتي اتضح فيما بعد أنه كان يحول الجزء الأكبر منها لشراء أراضي ببنسليمان وتكديسها في حساباته المتعددة داخل وخارج المغرب. كان هشام صيدا سهلا للمعطي الذي أضفت عليه لوموند اللسان المفضل لبقايا الدولة العميقة منهية الصلاحية- لقب كافكا المغرب، ولذلك منحه موقعا مؤثرا في جمعيته التي كانت واجهة أخرى لتبرير نهب المال العام بعد مركز ابن رشد، فورطه في جرائم وتسبب له في السجن وساهم في تهريبه لفرنسا ليجد محتضنين له يوظفونه مقابل هذا الاحتضان في كل المهام القذرة ضد المغرب، ومنها هذا الشريط الدعائي. ألم يكن مقتضى المهنية يتطلب من معدي هذا الشريط مساءلة ادعاءات هشام المنصوري بسماع ما تقوله “العشيقة” وزوجها، ويبحثوا مصير أولئك الأطفال؟ لماذا تم تغييب هؤلاء وتم تبني رواية متهم يعرف الجميع عشقه للمتزوجات؟ أليس في هذا التبني إضفاء قداسة على روايته؟
    هذه سقطة مهنية تجعل كل مادة “الوثائقي” مرسلة، ويضاف إليها الاجتزاء من الأرشيفات بانتقائية موجهة يراد منها إيصال سردية استعمارية عتيقة تخلصت منها الأجيال المتتالية.
    من الأوراق المحروقة الأخرى التي استعين بها في هذه المادة الدعائية فرنسي شغل منصب مدير المخابرات الخارجية (DGSE) بين 2013 و2017 اسمه بيرنادر باجوليه Bernard BAJOLET. رغم حديثه “الإيجابي”، كما يبدو في الظاهر، عن المغرب في ذلك الشريط وأنه الشريك الذي لولاه لما نجحت فرنسا في حربها ضد التنظيمات الإرهابية بفضل المعلومات الثمينة والحاسمة التي كان يقدمها في إطار تعاون لا يمكن الاستغناء عنه، فإن صناع “الوثائقي” دلسوا على المشاهدين الحقيقة حين لم يذكروا حقيقته، وهواه الجزائري، وأنه كان ممن استغني عن خدماته من طرف الدولة الفرنسية بسبب ما راكم من أخطاء قاتلة تجاه المغرب حين استحل لنفسه أن يكلف كاتبته السابقة بمهمة في الرباط لكي تتحرك وسط التراب المغربي مع مغاربة وتعبئ ضد السلطات المركزية المغربية وتروج لأشياء غير موجودة، وحين عبر المغرب عن غضبه بطريقته تم سحبها بعد إصرار مغربي اعتبر تلك التصرفات منافية لكل القواعد وماسة بكرامة الدولة المغربية ومنتهكة لسيادتها غير القابلة للنقاش.
    لا يهمني مصيره بعد ذلك لأنه شأن فرنسي داخلي، ولكن لا بأس من التذكير بأنه حكم بداية هذا العام بسنة حبسا مع وقف التنفيذ -بعد عشر سنوات من الإجراءات- في قضية محاولة ابتزاز ضد رجل أعمال، والذي، وفقا لأجهزة المخابرات، قام بالاحتيال عليهم. وأمام من يهتم بهذه القضية وسائل الإعلام الفرنسية لمعرفة تفاصيلها، ولكن ما يهمني هنا هو اعتماده رغم هذا الماضي الملتبس من الضيوف الرئيسيين في الوثائقي/الفضيحة.
    تجاوزات بيرنادر باجوليه وأجهزته في حق المغرب وُوجهت بصرامة وضعت حدا لها ولكل من كان وراءها، وإن تكررت ستكون الغضبة أكبر والصرامة أكثر لأنها قضية كرامة أمة وسيادة دولة ونخوة شعب، ولا يمكن التسامح مع أي خدش لها من أي كان.
    مما كان واضحا في تلك المادة الدعائية تلك العزة الملكية التي تنتصر لمصلحة المغرب وكرامة المغاربة ومؤسسات الدولة ورموز آليات سيادتها إلى الحد الذي يمتنع فيه عن الرد على مكالمات ويرفض استقبال وساطات، وهو ما يستفاد منه محدودية رؤساء أمام شخص الملك الذي يبين في كل المناسبات أن المس بتلك القضايا خط أحمر لا يقابل إلا بالغضب والقطيعة إلى حين الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه والوعد ببداية صفحة جديدة على قاعدة الاحترام والتكافؤ والندية.
    لا يبحث المغرب عن توتير الأجواء، ولم يبد في أي لحظة رغبته في تخفيض شراكاته مع فرنسا، ويستحضر دائما طبيعة الروابط القوية بين الدولتين والشعبين، ويقدم دائما عربون ذلك للشعب الفرنسي، ولكن هناك جهات تسعى دائما إلى تكدير صفو العلاقة بين البلدين، وتلجأ إلى أسلوب “التنوعير” وتفضل الأساليب الملتوية، والمصادر “المجهولة” والحاقدة وذات المصلحة المنافية لمصالح الدولة والتي لم تتخلص من أطماع تشكل لها عقدة لأنها لم تجد المجال مفتوحا لتحقيقها وقد وجدت سدا منيعا يحول بينها وبين تحقيق تلك الأطماع التي لا سند دستوريا أو قانونيا أو مجتمعيا لها. لا داعي لتلطيخ هذا البوح بكتابة اسمها لأنها تعرف نفسها جيدا، وسيأتي يوم تفصيل كل ما جنته على المغرب والمغاربة.
    هؤلاء كلما طال عليهم الأمد وطواهم النسيان يلجؤون إلى ما تبقى من الدولة العميقة لعلها تقدم لهم خدمة الظهور من جديد والصعود إلى الواجهة لإطالة عمرهم. وللأسف لا يتعظون من إخفاقاتهم المتوالية لأكثر من عقدين، وكأنهم لا يستفيدون من أخطائهم المتكررة ورهانهم على هذه المؤسسات المنبوذة من طرف الفرنسيين، أما وسط المغاربة وباقي العالم فهم في منزلة أكثر من ذلك بحكم عجرفتهم الاستعمارية التي ما تزال تتحكم في كل تصرفاتهم تجاه شعوب ومصالح مستعمراتهم القديمة.
    وثالثة الأثافي في الوثائقي/الفضيحة هي الإصرار على إحياء كذبة بيغاسوس رغم أن الملف طوي بعد تحقيقات خلصت إلى حقائق لا يرقى إليها الشك تفيد كلها أن ادعاءات تنصت المغرب على الرئيس الفرنسي ووزرائه أكاذيب غير مسنودة بأي أدلة مادية، ولكن صناع “الوثائقي” رأوا في تناول تلك الأكاذيب المادة الدسمة لمنتوجهم كان الهدف الواضح منه النيل من المغرب وبعض الشخصيات، وفي مقدمتها عبد اللطيف حموشي.
    التحقيقات الفرنسية والإسبانية ومؤسسات الاتحاد الأوربي أثبتت أن تلك الادعاءات غير صحيحة، والمنابر التي روجت لتلك الأكاذيب عجزت عن تقديم الأدلة عن صحتها أمام المحاكم واختبأت وراء شكليات قانونية لتفادي إدانتها قضائيا، والمغرب أكد في أكثر من مناسبة أنه لا يملك تلك البرمجية ولم يستعملها، والكثير من المتابعين صاروا بعد كل هذه السنوات على وعي بخلفيات تحريك ذلك الملف وغيره من الملفات لإخضاع بعض الدول وابتزازها، ولكن بقايا الدولة العميقة في فرنسا التي ٱنتهت صلاحيتها ما تزال متشبثة بتلك الترهات لأنها لم تجد غيرها لتصوب سهامها ضد المغرب وهي ترى فيه عدوا أضعفها وأظهر للفرنسيين عجزها وقضى على الكثير من كبريائها وتعنتها.
    وشحت الدولة الفرنسية ثلاث مرات السيد عبد اللطيف حموشي اعترافا بالخدمات التي أسداها لها في الكشف الاستباقي عن الأخطار الإرهابية التي تتهددها ولولا يقظته وتعاونه لغرقت في بحر من الدماء، وهذه حقيقة لا يختلف حولها كل الفرنسيين بمختلف مواقعهم، وحموشي وهو يقوم بذلك لم يتأثر بأي ظرفية لأنه ينفذ تعليمات ملكية تضع التعاون الأمني ضد الإرهاب والجريمة العابرة للحدود فوق أي خلافات سياسية لأن التعاون في تلك القضايا يتجاوز الحكومات ويهم الشعوب والدول، ولذلك فالمنطق يتطلب أن لا يتم إخضاع محاربة الإرهاب والجريمة للحسابات الضيقة والظرفية. والمغرب بهذا الخصوص لا يخص فرنسا بامتياز لأن نفس الأسلوب والمبادئ يحكمان علاقته مع كل الدول، وهذا ما يجعل المغرب شريكا موثوقا ومطلوبا التعاون معه من طرف كثير من الدول، وبعضها يعبر عن الامتنان للمغرب بالشهادات والتصريحات وتبادل الزيارات وتوقيع المذكرات والاتفاقيات والتوشيحات كذلك.
    في هذا السياق، لا يمكن أن نغفل الاستقبال الذي تم وسط هذا الأسبوع من طرف عبد اللطيف حموشي للسيد توماس سييمونياك الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالتنسيق بين المصالح الأمنية والأجهزة الخاصة بدولة بولونيا مرفوقا بسفير بولونيا بالمغرب بمناسبة زيارة عمل يقوم بها للمغرب على رأس وفد رسمي رفيع المستوى بهدف توطيد ودعم مجالات الشراكة الأمنية مع المملكة المغربية، بما فيها مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتعزيز التنسيق وتبادل المعلومات بشأن قضايا الهجرة غير الشرعية، وتأمين المنافذ الحدودية، وتدعيم التعاون العملياتي والمساعدة التقنية المتبادلة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، وفي مختلف تخصصات الشرطة العلمية والتقنية.
    بتعامله الراقي والحكيم، كسب الملك عطف الفرنسيين، وكسب معه حموشي ثقتهم لأنه أثبت بأنه رجل دولة لا يتزعزع منطق اشتغاله بتلك الاتهامات الرخيصة والعارية، بل ظل وفيا للتوجيهات الملكية.
    بالمقابل، أظهر الملك انتصارا بدون حدود لحماية مؤسسات الدولة ومسؤوليها وكرامتها وسيادتها، وفرض كل ذلك على تلك الجهات الفرنسية التي كانت تصطاد في الماء العكر وقد كشف ذلك الشريط الدعائي تلك الصلابة الملكية التي جعلت أكثر من رئيس فرنسي يستجدي ويتودد الحصول على رد ملكي على مكالماته وتجاوبا مع مساعيه لإعادة الأمور إلى نصابها، ولكن جلالة الملك كان صريحا وواضحا وحاسما تجاه كل تلك التجاوزات.
    طيلة فقرات الوثائقي الفضيحة، وخاصة فترة الملك محمد السادس، كان حموشي الحاضر الغائب مما يدل على أنه عدو صناع تلك المادة المسمومة ومن يشغلهم. إصرار الملك وغضبته كانت لما تمثله المؤسسة الأمنية من رمزية ولأنها صمام الأمان الذي يحظى بقمة الثقة، وكانت كذلك لما يمثله حموشي من نظافة اليد وطهارة الذمة والإخلاص للعرش والوطن والمؤسسات والشعب، ولأن الملك كان على وعي بأن استهدافه ليس إلا خطوة لاستهداف باقي الرموز والمؤسسات.
    لم يكن من المهنية في شيء منح الكلمة لمسؤول “فوربيدن سطوريز” لتكرار ادعاءات أثبتت كل التحقيقات أنها لا تقوم على دليل مادي قوي، دون تحقيق توازن بالاستماع إلى الرأي الآخر أو ذكر مصير كل تلك التحقيقات. هذه كذلك من خطايا ذلك الوثائقي/الفضيحة التي تؤكد أن الهدف منه لم يكن تقديم الحقيقة وتنوير الرأي العام بقدر ما كان هدفه التضليل والتشهير بالمغرب.
    وهنا يلزم التذكير بالمثل “ضربني وبكى وسبقني وشكى”. لقد صب صناع الوثائقي الدعائي جام غضبهم على الصحافة المغربية باتهامها بالتشهير مركزين على بعض المنابر لأنها معروفة بالتصدي لادعاءاتهم، ونجحت في فضح رواياتهم، ونالت مصداقية متابعة واسعة من طرف الرأي العام المغربي وغيره، وتناسوا أن التشهير الحقيقي هو ما تقوم به المنابر والشخصيات التي يتعاملون معها، والتي روجت خلال ذلك الوثائقي/الفضيحة لأكاذيب دون أن يتثبتوا منها أو يمنحوا الكلمة للمعنيين بها لعرض رواياتهم ويترك الحكم النهائي للجمهور.
    رغم كل المحاولات للنيل من المغرب، لا بد من التذكير بأن من شاهد ذلك الشريط الدعائي لمس بين فقراته قوة المغرب وتزايد حضوره في افريقيا وقدرته على تجاوز كل مشاكله ونجاحه في تحقيق انتقالات على أكثر من صعيد بسلاسة وفي ظل استمرارية متجددة لدرجة جعلت الكثير من النخبة الفرنسية تتحدث عن استحالة الاستغناء عن العلاقة معه في ظل الإخفاقات التي تراكمها فرنسا في العالم، وخاصة في افريقيا.
    لمس من تابع ذلك الوثائقي المكانة التي تحظى بها الملكية وحرصها على مصلحة المغرب إلى حد مقاطعة كل من يستهدفها.
    لمس من تابع ذلك الوثائقي أن صناعه لم يتخلصوا من تلك الكليشيهات الجاهزة والقديمة “نخبة المامونية” أو “دبلوماسية المامونية” وغيرها من المقولات التي تسيء إلى من يقولها ولا تضر المغرب في شيء. لم يظهر في كل ذلك الوثائقي ما يسيء للمغرب الذي يدافع عن مصالحه ولم يختر أي مواجهة مع فرنسا رغم إساءة المتنفذين في قراراتها لمصالحه ومؤسساته، بل اختار معالجة تلك الإساءات بحكمة ممزوجة بالصرامة وترجيح خيار الماضي والحاضر والمستقبل المشترك والروابط القوية بين الدولتين والشعبين والحضارتين.
    في الأخير، ولأنه لا يصح إلا الصحيح، فقد انتصر المغرب وتقهقرت بقايا الدولة العميقة التي منيت بخسارة كانت ممهدة -بعد سنوات- لخسارات في دول أخرى بالقارة الإفريقية، وهي الخسارات التي أكدت للفرنسيين أن أمامهم معركة وجودية ضد هذه الدولة العميقة إن هم أرادوا لدولتهم أن تبقى صديقة للمستعمرات القديمة التي شبت عن الطوق ولم تعد ترغب أن تبقى مستنزفة ويتعامل معها بعقلية كولونيالية. وهذا شأن فرنسي داخلي يعني الفرنسيين، ولهم كل الصلاحية في التعامل معه، ولكن عليهم أن يدفعوا ثمن أي خيار اختاروه لأن زمن الوصاية الاستعمارية ولى إلى غير رجعة.
    ما أصبح في حكم الثابت هو أن حموشي لا يتلفت إلى كل هذه الألاعيب التي لا هدف وراءها إلا تشتيت انتباهه وتغيير أولوياته، ولكنه يثبت دائما أن تركيزه منصب على عمله وتنفيذ توجيهات الملك الذي لا يفتأ يجدد ثقته فيه، وكل ما يتهمم به هو تأمين سلامة مؤسسات الدولة التي تقدر مجهودات المؤسسة الأمنية التي أصبحت علامة قوة للمغرب وعنصرا معينا لكل القطاعات، والدور هذا الأسبوع كان على خلية إرهابية تتكون من سبعة (7) متطرفين تكفيريين بكل من القنيطرة والدار البيضاء ومنطقة دار الكداري بإقليم سيدي قاسم وسيدي الطيبي و الزمامرة بسيدي بنور يشتبه في تورطهم في تنفيذ أعمال إجرامية بالسرقة والسطو على “البهائم” بخلفيات ودوافع متطرفة وفق ما يجيزونه لأنفسهم تحت مسمى “الفيء”.
    نحن إذن أمام فراقشية من نوع آخر، هم ملتحون تكفيريون، ينفذون هذه الجرائم لتحصيل مداخيل تساعدهم على تنفيذ أعمال إرهابية.
    انتصارات المغرب لا تتوقف، وحصده للتأييد لمغربية الصحراء متواصل، وإخفاقات خصومه تضعهم في دائرة تضيق عليهم باستمرار. لقد شهد هذا الأسبوع انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المغربية-المصرية بالقاهرة وكان من أهم مخرجاته تأكيد الدولة المصرية دعمها للوحدة الترابية للمغرب، وتجديد تأييدها للقرار الأممي رقم 2797، والتشديد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي متوافق بشأنه لقضية الصحراء المغربية، يقوم على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
    بخروج مصر من دائرة الغموض إلى الوضوح تكون قد أصابت النظام الجزائري في مقتل لأنه ظل يمني النفس باستمالتها والاستقواء بها قاريا وعربيا وإسلاميا، ولكن عند ساعة الجد انحازت للصف العربي والإفريقي الذي اختار الوضوح وأقر بمغربية الصحراء واعتبر بأن الحكم الذاتي أفضل الحلول وأكثرها واقعية ومصداقية وإجرائية.
    الانتصار الثاني كان هذا الأسبوع من نيروبي على هامش الدورة الأولى للجنة المشتركة للتعاون بين البلدين، وتمثل في الموقف الكيني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الوحيد ذي المصداقية والواقعي لتسوية هذا النزاع، مع عزم كينيا التعاون مع الدول التي تتقاسم وجهة النظر ذاتها لتعزيز تكريسه.
    الانتصار الثالث في الأسبوع نفسه كان طرفه هذه المرة هولندا، والمناسبة هي الزيارة الأولى لوزير الخارجية الهولندي توم بيرندسن، الذي حل بالمغرب في أول زيارة له خارج الاتحاد الأوروبي منذ تعيينه في هذا المنصب، وفحوى الموقف الذي تم التعبير عنه بعد هذه الزيارة هو أن هولندا تعتبر الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر واقعية وتدعم بالكامل جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي لتسهيل وقيادة المفاوضات على أساس خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب، بهدف التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ومقبولة من جميع الأطراف.
    الإنتصار الرابع خلال نفس الأسبوع تمثل في إعلان جمهورية مالي عن سحب إعترافها بجمهورية الوهم و دعمها لجهود الأمم المتحدة و المبعوث الشخصي للأمين العام، و كذا قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار رقم 2797.
    هذه الدينامية المتواصلة والتي لا تزداد إلا اتساعا تعبر عن حقيقة واحدة، وهي أن العالم صار مقتنعا بعدالة قضية الوحدة الترابية للمغرب وبمصداقية ما يقدمه من حلول لوضع حد لهذا النزاع الذي صارت أضراره تمس كذلك الدول غير المعنية مباشرة به.
    هذه الانتصارات تؤكد أن الدبلوماسية الملكية تعطي ثمارها وتثبت نجاحها، وأن العزلة التي فيها الطرف الآخر تتسع ولم يعد له من مخرج مشرف سوى ما اقترحه الملك في أكثر من مناسبة حين مد اليد لهم من أجل حل لا وجود فيه لرابح أو خاسر.
    لا يمكن أن نختم بوح أسبوعنا هذا دون الحديث عن مستجدات الحرب الدائرة رحاها في الخليج والتي تتجاوز تأثيراتها المنطقة وتلقي بأضرارها على كل مجالات الحياة.
    استبشر الكل بإعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وتنفس الكل الصعداء، وتمنى الجميع أن تكون هذه الهدنة مقدمة لوقف دائم وشامل للحرب لأن لا أحد فيه ذرة من عقل يفرح لاستمرار الحرب بغض النظر عن مدى تضرره أو انتفاعه منها.
    كانت كل المؤشرات تؤكد أن هذه الهدنة هشة، وتفاصيلها غامضة، والمعنيون بها غير معروفين بشكل حاسم، واحترام شروطها غير مضمون، ومع ذلك استبشر الجميع.
    كانت الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس وإحصاء الخسائر، وحتما ستقتنع إيران أن خسارتها غير مسبوقة وحجمها كارثي.
    فقدت إيران الصف الأول من قياداتها، وحتى مرشدها الجديد لم يظهر له أثر منذ توليه، وهو ما يرجح أن إصابته تمنعه من الظهور لما لذلك من انعكاسات نفسية على الجمهور الإيراني التابع له. لذلك اكتفت التصريحات الرسمية بنقل مباركة المرشد للاتفاق دون أن يظهر هو صوتا وصورة.
    فقدت إيران بنية تحتية تم تخريبها بالكامل مما يعيدها إلى الوراء عقودا، ويلزم أن تستغرق جهود إعادة بناء تلك البنيات وقتا ليس بالقصير وإمكانيات كان الأنسب صرفها في أمور أولى.
    كسرت إيران ما تبقى من ثقة مع الدول العربية كلها بعد الهجمات غير المبررة على دول الجوار، ولن تعود تلك الثقة إلى سابق ما كانت عليه لأنها في الأساس كانت ثقة مشوبة بالحذر والتوجس، وأصبحت بعد تلك الهجمات في حكم الانعدام.
    خسرت إيران جزءا من جمهورها المتعاطف الذي اكتشف خلال هذه الحرب أنه أقلية وسط الشعوب العربية التي لم تنس لإيران جرائمها وطائفيتها ومتاجرتها بالقضية الفلسطينية وزجها بدول مثل لبنان واليمن في حروب لا مصلحة لهما فيها، ومباشرة بعد الهدنة تنكرت لهما وتركت لبنان يواجه مصيره ويبحث عن مساعي حميدة من الدول العربية لإصلاح ما أفسده نظام الملالي وذراعه المتهور في لبنان.
    وحدهم موالو إيران من المتاجرين بمآسي الشعوب يتصورون تلك الخسارات نصرا لا تقبله إلا مخيلاتهم المريضة لأنها محكومة بميزان معطوب.
    نلتقي في بوح قادم. ودام العز للمغرب والمغاربة.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    موريتانيا: إغلاق طريق نواكشوط نحو نواذيبو بعد سقوط شاحنة مغربية ضخمة