نيويورك والدار البيضاء: مرايا “الوحش” وصحافة البحث عن الحقيقة
نيويورك والدار البيضاء: مرايا “الوحش” وصحافة البحث عن الحقيقة بين ثمانينيات الصراع وتحديات الحاضر
شوف تيفي
طارق عطا
بينما كانت ناطحات السحاب في نيويورك تعانق غيوم الحرب الباردة في ثمانينيات القرن الماضي، كان مسلسل “الجميلة والوحش” (1987) ينسج أكثر من مجرد قصة خيالية؛ كان يوثق سيرة مدينة تغرق في وحل الفساد الأوليغارشي وتحولات سياسية كبرى أعادت تشكيل مفهوم “الدولة”. واليوم، ونحن نستحضر تلك الحقبة من زاوية الحاضر، نكتشف أن “الوحش” لم يختفِ، بل غير أقنعته في عالم رقمي ومستقطب، حيث لا تزال الصحافة تبحث عن نفق للنجاة بالحقائق.
في تلك الحقبة، كانت الولايات المتحدة تعيش ذروة “النيوليبرالية” وصعود القوى المالية التي بدأت تخترق الأجهزة الأمنية وصناعة القرار. الصراع الذي خاضته كاثرين بمساعدة “فنسنت” – رمز القوة الأخلاقية الخام كان يعكس تحولاً جذرياً في الصحافة الأمريكية؛ من “صحافة الخبر” إلى “صحافة الاستقصاء”. أما اليوم، فقد انتقل هذا الصراع من الأنفاق المادية إلى خوارزميات “الفضاء السيبراني”، حيث تواجه الصحافة الحديثة وحوشاً جديدة تتمثل في “التضليل الممنهج” وهيمنة المنصات الكبرى، مما يجعل من إرث “كاثرين” رمزاً يحتاجه صحفيو اليوم أكثر من أي وقت مضى.
من المثير للدهشة أن نجد خيوطاً خفية تربط بين أسطورة “الوحش” النيويوركي وأسطورة “عايشة قنديشة” المغربية. فبينما كان “فنسنت” يسكن الأنفاق السفلية لنيويورك كحارس للعدالة ومنفى للمهمشين، نجد أن “قنديشة” في الذاكرة الشعبية المغربية بعيداً عن التنميط المرعب تمثل في بعض القراءات المقاومة الصارخة ضد المستعمر، امرأة استغلت “وحشيتها” المفترضة لتنتقم للمظلومين.
كلا الأسطورتين تعبران عن “العدالة البديلة” التي تظهر حين تعجز المؤسسات الرسمية عن تحقيقها. وفي الحاضر، نجد أن الفن المغربي المعاصر والسينما الجديدة بدآ يعيدان قراءة هذه الأساطير بروح حداثية، تماماً كما أعاد المسلسل صياغة أسطورة الجميلة والوحش لتعرية فساد “مانهاتن”. إن الوحش في الأدب المغربي المعاصر لم يعد يسكن الغابات، بل بات يسكن في التفاوتات الطبقية الصارخة في المدن الكبرى كالدار البيضاء.
عند المقارنة بين المسارين الأمريكي والمغربي، نجد فجوات وتلاقٍ مثير للجدل. في الثمانينيات، كانت السينما الأمريكية (هوليوود) تعمل كذراع نقدية للسياسة، بينما كانت الصحافة المغربية في تلك الفترة “صحافة رأي” بامتياز، تصارع لتجد موطئ قدم وسط تضييقات كبرى.
أما على المستوى السينمائي و الفني ففي أمريكا، انتقل الفن من نقد “الأوليغارشية” في الثمانينيات إلى نقد “الرقابة الذكية” في الحاضر. أما في المغرب، فقد حدثت قفزة نوعية؛ حيث انتقلت السينما من التوثيق البسيط إلى النقد الاجتماعي الجريء الذي يحاول تفكيك بنى والمجتمع، وإن كان بعيدا عن روح “الاستقصاء” التي ميزت مسلسل الجميلة والوحش.
و بينما استقرت الصحافة الأمريكية في قوالب مؤسساتية قوية (وإن واجهت أزمات التمويل حالياً)، نجد الصحافة المغربية اليوم تعيش تحولاً رقمياً هائلاً، حيث أصبحت “المنصات المستقلة” هي “أنفاق فنسنت” الجديدة، التي يحاول من خلالها الصحفيون الشباب كشف الفساد الإداري والمالي حسب الإمكانيات و الظروف المتاحة، تماماً كما فعلت كاثرين تشاندر قبل عقود.
كان رحيل كاثرين تشاندر وتركها لمولودها من فنسنت حسب أحداث المسلسل الرسالة الأبلغ؛ وهي أن “الحقيقة” فعل مستمر لا يقطعه الموت. هذا الطفل، الذي يمثل “رمز الأمل”، هو اليوم يمثل جيل “المواطن الصحفي” والمدونين والفنانين الذين يرفضون الخضوع لمنطق الخضوع بالقوة.
سواء في نيويورك الثمانينيات أو في المغرب المعاصر، يبقى الصراع واحداً: صراع بين “الوجه البشع” للفساد وبين “الجمال الأخلاقي” للمقاومة. لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الصحافة الحقيقية والفن الجاد هما الضمانة الوحيدة لمنع الأوليغارشيين من اغتيال الحلم. وكما كان “فنسنت” يراقب المدينة من تحت الأرض، تظل عين الصحافة اليقظة هي التي تحرس قيم الحرية والديمقراطية في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
المصدر: شوف تي في