البرج والمسرح: مشروعان ملكيان برؤية عميقة
لا يمكن قراءة وظيفة المسرح الملكي الرباط بمعزل عن برج محمد السادس. فالمشروعان رغم اختلافهما شكلا، إلا أنهما يشكّلان معًا بنية متكاملة ضمن رؤية الملك محمد السادس لإعادة تشكيل موقع الرباط داخل الخريطة الوطنية والدولية. وموقع المغرب كدولة صاعدة تمثل مجال جذب واستقطاب استثماري وسياحي.لا يتعلق الحديث هنا بمعلمتين عمرانيتين منفصلتين، بل بمنظومة واحدة: فضاء عمودي (البرج) وفضاء أفقي ثقافي (المسرح)، يشتغلان ضمن منطق واحد، هو تحويل المغرب إلى نقطة جذب متعددة الأبعاد.فبرج محمد السادس أعلى بناية في المغرب. هو رسالة اقتصادية واضحة: جذب الاستثمار، تعزيز قطاع الخدمات، وربط الرباط بشبكات المال والأعمال. فالأبراج في المدن العالمية تؤدي وظيفة رمزية وعملية في آن واحد. فهي تشير إلى قدرة المدينة على استيعاب الأنشطة الاقتصادية المتقدمة، وتوفّر بنية تحتية للشركات والمؤسسات المالية. لذلك يضع البرج مدينة الرباط ضمن نموذج المدن التي تعتمد على التركيز الرأسي للأنشطة الاقتصادية، بدل التوسع الأفقي التقليدي.في المقابل، يشتغل المسرح الملكي الرباط ضمن منطق إنتاج وتوزيع الثقافة. فلا يمكن تقييم المسرح العملاق ذي الجمالية المعمارية الباذخة بمعزل عن التحولات التي شهدتها البنية التحتية الثقافية ببلادنا التي أصبحت أدوات لإعادة تشكيل المدن وربط الثقافة بالاقتصاد. ضمن هذا الإطار، يندرج المشروع في رؤية الملك محمد السادس التي تسعى إلى إدماج الثقافة في مسار التنمية الشاملة.لن يقتصر دور المسرح الملكي على استضافة العروض، بقدر ما يمتد إلى بناء جمهور، دعم الإبداع، وتعزيز الحضور الثقافي للعامة. فإذا كان البرج يوجّه الخطاب نحو الاقتصاد والسياحة، فإن المسرح يوجّهه نحو الثقافة. كلاهما يشتغلان على مستوى “الصورة” و”الوظيفة”، لكن في مجالين مختلفين. المسرح الملكي بالرباط يندرج ضمن جيل جديد من المشاريع الثقافية التي تتجاوز وظيفة العرض إلى أدوار حضارية واقتصادية ودبلوماسية.تقليديًا، ارتبطت الرباط بوظيفتها الإدارية والسياسية. وتبدو هذه المشاريع كما لو أنها تسعى إلى محاولة إعادة تعريف هذا الدور، لتصبح المدينة أيضًا مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا.
يفتح البرج المجال أمام أنشطة مالية وخدماتية، ويخلق المسرح دينامية ثقافية. هذا الجمع يساهم في تنويع هوية المدينة، وتقليل اعتمادها على وظيفة واحدة.تُظهر تجارب دولية أن المسارح الكبرى تُستخدم كرافعة لإعادة هيكلة المدن. على سبيل المثال، ساهمت دار أوبرا سيدني في تحويل سيدني إلى وجهة ثقافية عالمية، كما لعب مركز بومبيدو في باريس دورًا في إعادة تنشيط وسط المدينة ثقافيًا وسياحيًا. في هذا السياق، يُفهم المسرح الملكي بالرباط كجزء من مشروع ملكي حضري أوسع، يهدف إلى تعزيز موقع المدينة كعاصمة ثقافية، وليس فقط إدارية. وجود معلمة ثقافية بهذا الحجم يساهم في إعادة توزيع الأنشطة، وجذب جمهور متنوع، وتحفيز الاستثمار في محيطها.بالنسبة للمسرح الملكي، التحدي الأساسي يتمثل في بناء برنامج ثقافي مستدام. فالبنية التحتية متوفرة لكن القيمة الفعلية ستُقاس بمدى انتظام العروض، تنوعها، وقدرتها على التفاعل مع الجمهور المحلي والدولي. وهذا يتطلب سياسات مرافقة تشمل التعليم والتواصل الثقافي.يتطلب تشغيل المسارح الكبرى موارد مالية وتنظيمية كبيرة. والعديد من المؤسسات العالمية تعتمد على مزيج من التمويل العمومي، الرعاية الخاصة، وعائدات التذاكر. سيواجه المسرح الملكي نفس التحدي: كيف يضمن استمرارية نشاطه دون الاعتماد الكامل على الدعم العمومي؟ من خلال تطوير نموذج اقتصادي متوازن سيكون عاملًا حاسمًا في نجاحه.يحق لنا كمغاربة حقا أن نفخر بهذين المنجزين المعماريين العملاقين، اللذين يمنحان عاصمة المملكة ملمسا حضاريا جديدا متعدد الوظائف يجمع بن الاقتصادي والسياحي والثقافي ويضع بلادنا في مصاف عواصم كبرى تميزت بأبراجها وبمسارحها أو بمتاحفها العملاقة، وأضحت وجهة كونية وقاطرة ثقافية تدمج البناء البشري في قلب التنمية الاقتصادية.