فاتح ماي البارد يفضح أزمة الثقة بين الشغيلة والنقابات

فاتح ماي البارد يفضح أزمة الثقة بين الشغيلة والنقابات

A- A+
  • حل فاتح ماي هذه السنة ببرودة غير معهودة لا دفء في الشعارات ولا حرارة في المسيرات ولا ذلك النفس الاحتجاجي الذي كان يميز عيد الشغل عبر عقود في الشوارع بدا الحضور باهتا والوجوه مثقلة والخطابات مكرورة كأن الزمن لم يتحرك بينما الواقع الاجتماعي يتحرك بسرعة موجعة في اتجاه واحد مزيد من الغلاء ومزيد من الضغط على القدرة الشرائية ومزيد من فقدان الثقة.

    الطبقة الشغيلة اليوم لا تعيش فقط أزمة دخل بل تعيش أزمة تمثيل العامل الموظف الأجير البسيط لم يعد يرى نفسه في النقابات الأكثر تمثيلية لم يعد يسمع صوته في بياناتها ولا يجد همومه اليومية في أولوياتها صار يشعر أن معاركه اليومية في السوق في الكراء في النقل في الفاتورة أكبر بكثير من الشعارات التي ترفع مرة في السنة.

  • الغلاء لم يعد رقما في تقارير بل صار وجعا يوميا، أسعار المواد الأساسية ترتفع بصمت والخدمات تثقل كاهل الأسر بينما الأجور جامدة أو تتحرك ببطء لا يواكب هذا التسارع، هنا بالضبط يتولد الإحباط حين يشعر الأجير أن أحدا لا يدافع عنه بجدية ولا يفاوض باسمه بصلابة ولا يضغط من أجل تحسين شروط عيشه بشكل ملموس.

    فاتح ماي كان تاريخيا لحظة قوة للنقابات لحظة تستعرض فيها وزنها في الشارع وتسمع صوتها لصناع القرار أما اليوم فصار عند كثيرين مجرد طقس رمزي تلقى فيه الخطب وترفع فيه اللافتات ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه، هذا التحول لم يأت فجأة بل هو نتيجة تراكم سنوات من التباعد بين القواعد النقابية والقيادات بين انتظارات الشغيلة وحسابات التنظيمات.

    عدد من العمال والموظفين باتوا يعتبرون أن النقابات أصبحت جزءا من المشهد المؤسساتي أكثر مما هي جزء من نبض الشارع يرونها حاضرة في الحوارات الرسمية لكنها غائبة في تفاصيل معاناتهم اليومية هذا الإحساس سواء كان دقيقا أو مبالغا فيه يترجم في النهاية إلى فقدان الثقة وهو أخطر ما يمكن أن يصيب العمل النقابي.

    وفي المقابل تستفيد الحكومة وأرباب العمل من هذا الضعف النسبي في التعبئة فحين يضعف الضغط النقابي تضعف قدرة الشغيلة على فرض مطالبها وحين تتراجع المشاركة في المسيرات والوقفات تصل رسالة صامتة مفادها أن الغضب موجود لكن القنوات التي تعبر عنه لم تعد مقنعة.

    فاتح ماي هذه السنة ليس مجرد ذكرى عمالية عابرة بل هو مؤشر اجتماعي وسياسي عميق مؤشر على أن العلاقة بين الطبقة الشغيلة والنقابات تحتاج إلى مراجعة حقيقية مراجعة تعيد الاعتبار للميدان للقرب من الناس للإنصات اليومي لهمومهم وللدفاع الفعلي عن قدرتهم الشرائية لا فقط عبر البلاغات بل عبر مواقف نضالية واضحة.

    الطبقة الشغيلة لم تفقد الحاجة إلى النقابات لكنها فقدت الثقة في أدائها وهي رسالة ينبغي التقاطها بجدية لأن استمرار هذا البرود قد يقود إلى عزوف أكبر وإلى بحث العمال عن أشكال أخرى للتعبير عن غضبهم خارج الأطر التقليدية.

    في زمن الغلاء لا يكفي رفع الشعارات المطلوب استرجاع الثقة وفاتح ماي المقبل قد يكون أكثر حرارة إذا بدأت المراجعة من اليوم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    الفنان محمد الجم يعطي انطلاقة الدورة 14 لجائزته ويجدد الرهان على مسرح الشباب