<>

1

بوح الأحد: دلالات تعيين ولي العهد منسقا لمكاتب و مصالح القيادة العامة …

بوح الأحد: دلالات تعيين ولي العهد منسقا لمكاتب و مصالح القيادة العامة …

A- A+
  • بوح الأحد: دلالات تعيين ولي العهد منسقا لمكاتب و مصالح القيادة العامة، حموشي من فيينا إلى ٱسطنبول على درب مجد المغرب، أسبوع تدشين مقر الأمن للقرون القادمة و البعض من مفاجآته، مونولوغ الجارة و منزلقاته الإرهابية و أشياء أخرى…

    أبو وائل الريفي

  • يتزامن بوح هذا الأسبوع مع انطلاق موسم الحج بما يحمله ذلك من معاني روحية واجتماعية تفيض معانيها على الأفراد والجماعات والدول. ولذلك كان الملك حاضرا بصفته أميرا للمؤمنين برسالة سامية إلى الحجاج المغاربة بمناسبة سفر أول فوج منهم إلى الديار المقدسة.
    تستحق تلك الرسالة أكثر من الاطلاع والقراءة لأنها كانت حافلة بالمعاني السامية. ذكرت هذه الرسالة كل مطلع عليها بمهمة إمارة المؤمنين المتمثلة في “أمانة حماية شعائر الإسلام”، وفي مقدمة هذه الحماية تمكين المؤمنين والمؤمنات من أداء واجباتهم الدينية، وضمنها الحجِ. ولا شك أن هذا التذكير وصلت رسالته لجميع
    المعنيين به ممن يعيشون خرافة مشاركة إمارة المؤمنين هذا الاختصاص، أو التفكير في السطو عليه ظنا منهم أن المغاربة قد يسيرون في ركب جهالاتهم وفهمهم المتطرف لمقاصد الدين الإسلامي.
    ذكرت الرسالة الملكية بالمقاصد العملية والشرعية والروحية التي يتوقف عليها الأداء الصحيح للحج، وبالمجهود الذي تبذله الوزارة الوصية لتنفيذ التعليمات الملكية من أجل التحضير لموسم الحج تدبيرا وتنظيما وتأهيلا علميا وتوعية روحية. والتنبيه إلى ما يتطلبه القيام بفريضة الحج في تلك البقاع المقدسة من تقيد والتزام بالتدابير التنظيمية التي اتخذتها السلطات المختصة في المملكة العربية السعودية الشقيقة، موفرة لضيوف الرحمن كل أسباب الاطمئنان، لجعل موسم الحج يتم على ما يتعين أن يكون عليه من نظام، وأمن وأمان.
    ولأنه ملك إنسان لم تتردد الرسالة الملكية أن تذكر حجاج بيت الله الحرام بأن “يتذكروا في هذا المقام المهيب، وغيره من المقامات، ولا سيما عند الوقوف بعرفات، ما عليكم من واجب الدعاء لملكِكم، الساهر على راحتكم وأمنكم ووحدة وطنكم، وتنمية مرافق حياتكم، فاسألوا الله تعالى لنا دوام النصر والتأييد وموصول العمل السديد، وموفور الصحة والعافية لنا ولأسرتنا الشريفة، وأن يرِينا في ولي عهدنا صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن ما يسر القلب، ويقر العين، وأن يشمل برحمته ورضوانه كلا من جدنا ووالدنا المنعم جلالة الملك محمد الخامس، وجلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، وأن يحيط بلدنا بحفظه وعنايته، ويكلأه بعين رعايته”. ولأن الله يحب العبد الملحاح أعاد التذكير بالأمر نفسه “وفي كل مقام تمرون به من تلك المقامات الشريفة، واللحظات الروحانية الخالصة لا تنسوا أن تدعوا خير الدعاء لملككم الساهر على أمنكم وازدهاركم، وعلى وحدة وطنكم وصيانة سيادته وكرامته، وإحلاله المكانة اللائقة به في محيطه الإقليمي وعالمه الإسلامي والدولي”.
    لقد قلتها في أكثر من بوح سابق بأن الملك نسج طيلة مدة جلوسه على العرش علاقات مع شعبه تجاوزت حدود الثقة المتبادلة وهذا ما جعله في تواصله معه يختار الصراحة والشفافية في أموره كلها، وقد ساهم ذلك في مزيد من تمتين العلاقة بين الملك والشعب وقطع الطريق على تجار الإشاعات والأكاذيب.
    انطلاق موسم الحج مناسبة أخرى أبرزت المجهود الذي تقوم به بعض الإدارات العمومية لتحقيق أمنية من أفنوا أعمارهم في خدمة الصالح العام، وكالعادة كانت الأعمال الاجتماعية للمديرية العامة للأمن الوطني في الموعد. وكالعادة لم يتخلف حموشي عن هذه المناسبة وكان في استقبال منتسبي أسرة الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني القاصدين الديار المقدسة وعددهم 207 مستفيدا ومستفيدة من أسرة الأمن الوطني، إضافة إلى 100 حاجة وحاجا سيستفيدون من التغطية الجزئية بناء على الطلبات التي تقدموا بها لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني.
    كالعادة، تقدم الخدمات الاجتماعية للمؤسسة الأمنية دائما الجديد، وقد تم هذه السنة تعزيز وتوسيع قاعدة المستفيدين من فريضة الحج لتشمل بشكل متزايد أرامل ومتقاعدي أسرة الأمن الوطني. وصل عدد الأرامل اللواتي حصلن على التغطية الشاملة 42 مستفيدة، وعشر أرامل استفدن من التغطية الجزئية، بينما بلغ عدد المتقاعدين المستفيدين من التغطية الشاملة 65 متقاعدا، مع تقديم منحة مالية عبارة عن دعم استثنائي لجميع المستفيدات والمستفيدين، لتمكينهم من أداء الركن الخامس للإسلام وتأدية جميع المناسك والشعائر الدينية في أحسن الظروف.
    وبدوره، لم يفت حموشي أن يذكر -في كلمة توجيهية بمناسبة توديع حجاج أسرة الأمن- بأهمية الأمن الروحي الذي يشمل أداء فريضة الحج، باعتباره “ركنا من أركان ديننا الحنيف، وفرصة لتجديد الإيمان والتقرب من الله بتلبية ندائه”، وحثهم على أن يكونوا خير سفراء للبلاد وللجهاز الأمني الذي ينتسبون له في احترام تام للتدابير التنظيمية المحددة.
    لم يكن من باب المصادفة هذا الحضور والتذكير والعناية لأن حموشي تعامل دائما مع هذا المجال بما يستحقه من اهتمام وما يحتله من مكانة وسط كل المنتسبات والمنتسبين للمؤسسة الأمنية.
    ولن يكون من باب استباق الأحداث ذكر أن مفاجأة حموشي بمناسبة الذكرى السبعين للمؤسسة الأمنية تدشين المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني و ما تحمله من مفاجآت بعض مرافقه، دون الحديث عن المواصفات التقنية والتجهيزات الحديثة، و أبرزها المسجد الذي شيد في قلبه، وهو مسجد يتسع لألفي مصل مما يعني أن هذا المقر سيرفع فيه الأذان خمس مرات في اليوم وستقام فيه صلاة الجمعة بخطيب ثابت وفق الضوابط الجاري بها العمل من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وقد سلكت المديرية المسلك القانوني والإداري لاستلام الترخيص بذلك.
    من يعرف مسار حموشي منذ نشأته لن يستغرب هذا الحرص على تأمين راحة الموظفين والموظفات، وخاصة في هذا المجال الديني، لعلمه أن توفير مسجد مجهز بكل ما يؤمن إقامة الصلوات وتيسير ممارسة العبادات جزء أساس من إعداد ظروف ملائمة للعمل، بالإضافة إلى تيسير فرص أداء مناسك الحج بالنسبة لمن يتيسر له ذلك أمنية عزيزة يتمناها كل المنتسبات والمنتسبين لهذه المؤسسة.
    لقد تعاقب على الإدارة الأمنية منذ الاستقلال مدراء كثر، بدءا بالغزاوي و أوفقير و الدليمي و الربيع و البخاري و الظريف و القادري و الوزاني و الميداوي و بنهاشم و لعنيكري و الضريس و أرميل، وكل واحد منهم كانت له مساهمته في هذه المؤسسة، ولكن تبقى بصمة حموشي الأهم لأنه الوحيد الذي لم يربط الإنجازات بشخصه وبمدة محددة لولايته، بل أطلق مشاريع كبيرة يستغرق إكمالها سنوات طويلة وميزانيات ضخمة، ولكنه أصر على الشروع فيها بغض النظر عمن ستنسب إليه حين تدشينها.
    اختار حموشي هذا الاختيار لأنه صاحب رؤية مستقبلية ومتهمم بأن تحتل هذه المؤسسة الريادة وتتبوأ مكانتها على الصعيد العالمي لأن في ذلك ربحا للمغرب، واختار تحدي الإنجاز دون انتظار زيادة في ميزانية المؤسسة معولا على الحكامة و عقلنة التخطيط والتدبير اللتان يتقنهما جيدا لأنه راكم خبرة تضعه في خانة كبار مدبري المشاريع الناجحة.
    سنكون بعد أقل من أسبوع أمام تدشين هذا الصرح الذي يحسب لحموشي أنه أطلق منذ عام 2017 ولم يحكمه منطق متى ينتهي، وهل سيكون هو المدير العام حينها أم لا. التخلص من الذاتية هو ما يحتاجه التدبير العمومي، واستحضار المصلحة العامة ومكانة المغرب يجب أن يكون في صدارة الاهتمامات. هذا وحده ما يجعل التدبير العمومي محكوما باستراتيجيات ومقاربات بعيدة المدى وغير مرتهن لحسابات شخصية أقصى ما تنظر إليه هو مدة توليها المسؤولية، وقد نجح في ذلك حموشي وأكمل المهمة بنجاح كبير ووفى بوعده الذي قطعه على نفسه يوم انطلاق الأشغال في بناء هذا المقر للانتقال إلى عصر جديد من التدبير الأمني في مقر بمواصفات عالمية تتلاءم مع مكانة هذه المؤسسة اليوم ومع التحديات التي يواجهها الأمن العالمي.
    باكتمال هذا المقر ربح حموشي الرهان، وبتدشينه قريبا سيرى الجميع المفاجأة الكبرى، وبدلالة اختيار التوقيت تكون الرسالة قد وصلت لكل من يهمه أمر المؤسسة الأمنية من قريب أو بعيد أن تاريخا جديدا في مقر جديد سينطلق مع التدشين قوامه أن هذه المؤسسة هي صرح من صروح هذا المغرب الذي يشق طريقه صعودا نحو القمة.
    أنجز حموشي مهامه الاستراتيجية بالكامل، ومسك الختام كان هذا المقر الذي يضع حدا لقرن من العمل في مقر ينتمي لزمن ليوطي و بناء مقر بكل المواصفات للقرون القادمة.
    قد يثير، كما هي العادة، هذا الإنجاز حفيظة البعض من الطوابرية لأنه يمثل حالة أخرى من الفطام الرمزي عن الماضي، ويجسد انخراطا قويا في مسار مستقبلي دشنت أولى حلقاته بتدرج منذ سنوات، ويعيش المغاربة ثمراته في حياتهم اليومية.
    ستكون الذكرى السبعين للأمن الوطني فرصة أخرى للمغاربة للافتخار بما وصلت إليه هذه المؤسسة، وسيكون موعدهم مع الأبواب المفتوحة التي ستحط الرحال بالعاصمة الرباط، وسيكون موعدهم فيها بلا شك مع مفاجـآت سيتأكدون من خلالها أن هذه المؤسسة لا تتوقف عن الإبداع والتطوير والابتكار، وأن مواردها البشرية ذات كفاءة عالية في مختلف مجالات العمل الأمني ببصمة مغربية made in Morocco.
    لن أحرق كل المفاجآت ولكن حسبي أن أثير بعضا مما يتعلق بها، وموعدنا يوم التدشين والأبواب المفتوحة وحينها سيكون الخبر أمام الأعين بدون تعليق.
    لا يتوقف جدول عمل حموشي وأجندته، ولا يقتصر على نوع واحد من الأنشطة، ولا يشتغل على واجهة دون أخرى. دائما عنده في الأولوية توسيع دائرة التعاون الدولي والتشبيك المؤسساتي، والوجهة هذا الأسبوع كانت فيينا التي كانت على موعد مع زيارة عمل لمدة يومين على رأس وفد أمني هام يمثل قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
    مناسبة الزيارة هي المشاركة في أشغال الاجتماع الجهوي الثالث والعشرين للأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات الأمنية، الذي تنظمه هيئة الأمم المتحدة بمركز فيينا الدولي، بهدف تنسيق الجهود الإقليمية لمواجهة مخاطر التنظيمات الإرهابية. مشاركة المغرب كانت إلى جانب مسؤولي الأمن والاستخبارات في كل من دول الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية والبحرين والعراق وليبيا وعمان وتونس والسودان، بالإضافة لدولتي تركيا وباكستان.
    مغزى المشاركة تجلى في تقاسم حموشي مع المشاركين نموذج المصالح الأمنية المغربية المندمج ومتعدد المحاور في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، واستعراض الخريطة الراهنة لتمدد الخطر الإرهابي في العديد من مناطق التوتر عبر العالم، وتقاسم التحديات المرتبطة بالتهديدات الإرهابية وسبل مكافحتها من منظور جماعي ومشترك.
    كعادته لم تخل مشاركة حموشي من أنشطة لتعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، ولذلك فقد تضمنت أشغالا مرتبطة بالمشاركة في مشاورات ولقاءات التعاون متعدد الأطراف في مجال العمل الأمني والاستخباراتي التي تنظمها المكاتب المتخصصة التابعة للأمم المتحدة.
    في مقدمة الدول التي كانت موضوع هذه المباحثات دولة النمسا، حيث أجرى حموشي مباحثات مستقلة مع نظيرته سيلفيا مايير، المديرة العامة لمصالح حماية الدولة والاستخبارات بالنمسا، تناولت سبل تعزيز وتطوير الشراكة الأمنية القائمة بين الأجهزة الأمنية للبلدين، بهدف تطوير آليات التعاون المشترك في مختلف مجالات العمل الأمني والاستخباراتي لمواجهة التهديدات والتحديات الأمنية، وقد حضرت في هذه المباحثات الملفات الأمنية المرتبطة بالهجرة والجريمة العابرة للحدود والاتجار بالبشر، ومكافحة الإرهاب وأشكال التطرف، ومكافحة تبييض الأموال، وتجارة الأسلحة والوقاية من الاتجار في المخدرات وتبادل المعلومات بخصوص الأشخاص المبحوث عنهم على الصعيد الدولي. وكانت الإشادة من المسؤولة الأمنية النمساوية بالدعم الاستخباراتي الكبير الذي تقدمه المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والذي ساهم في إجهاض مخططات إرهابية خطيرة وتوقيف متطرفين فوق التراب النمساوي، كما أبدت رغبتها في الاطلاع والاستفادة من التجربة المغربية في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، مشددة على أن المغرب هو بلد آمن ينعم بالأمن والاستقرار.
    أجرى الوفد المغربي كذلك على هامش هذه الزيارة لقاءات ثنائية أخرى مع ممثلي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لكل من باكستان وتركيا والعراق وعمان، تمت خلالها مناقشة سبل تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي مع هذه البلدان الصديقة.
    ولأنه لا يعرف غير العمل، وغير متهمم إلا بتطوير المؤسسة الأمنية، طار حموشي من فيينا إلى إسطنبول في زيارة عمل يومي 7 و 8 ماي 2026 على رأس وفد أمني هام، استجابة لدعوة رسمية من المدير العام للشرطة الوطنية التركية، السيد محمود دميرتاش، وذلك للحضور كضيف شرف لفعاليات النسخة الخامسة للمعرض الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء (SAHA 2026)، الذي تحتضنه حاليا مدينة إسطنبول التركية.

    التقى حموشي خلال هذه الزيارة، التي تروم تدعيم التعاون الأمني بين البلدين، بالسيد إبراهيم كالين، رئيس هيئة الاستخبارات الوطنية التركية، كما أجرى مباحثات ثنائية مع السيد حسين أفاسار، نائب رئيس المنظومة الوطنية الاستراتيجية للصناعات الدفاعية التركية (SSB). وتشكل هذه الزيارة فرصة للتباحث مع المسؤولين الأمنيين الأتراك حول سبل تدعيم التعاون الأمني الثنائي، وبحث القضايا والملفات محل الاهتمام المشترك، فضلا عن الاطلاع على آخر الابتكارات التكنولوجية والصناعات المرتبطة بالتجهيزات والمعدات الأمنية.
    خبر آخر من القصر الملكي نزل كالصاعقة على الطوابرية بسبب موضوعه وتوقيته ورسائله. إنه بلاغ الديوان الملكي بشأن تعيين جلالة الملك لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية. ما أثار حفيظة هؤلاء جميعا مقدمة هذا البلاغ التي أعادت التذكير بأن جلالته تولى المهمة نفسها في نفس السن تقريبا “تولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عندما كان وليا للعهد تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، منذ سنة 1985، تاريخ تعيينه في هذا المنصب من قبل والده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه”.
    اللبيب يفهم من تلك الإشارة أن هذا التعيين يمثل مرحلة أخرى من مراحل تكوين ولي العهد، وهي مراحل مختارة بعناية وتأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الاعتبارات والهدف منها إعداد ملك بمواصفات تجعله قادرا على النهوض بأعباء أمانة الجلوس على عرش ظل الجالس عليه قائد البلاد وحاميها وراعي مصالحها، وسبب ذلك أنه سليل أسرة مغربية عريقة، وتربى على قيم المواطنة، وتلقى تعليما يؤهله لأداء هذه الأمانة وفق ما تتطلبه، وخضع لتأهيل على مراحل أكسبه خبرة ودراية تجعلانه مستوعبا لما يجب أن تكون عليه كل مؤسسات الدولة. ولذلك من يعود بالذاكرة إلى الوراء سيفهم كيف كان لكل ملك بصمته بناء على ما راكم من تكوين وتأهيل وخبرة جعلته ملك عصره ومتجاوبا مع تحديات زمنه مع الحفاظ على استمرارية نظام ملكي شكلت الوطنية وتامغربيت عصبه ونخاعه الشوكي.
    لا جرم أن نجد هاربا من العدالة يفقد صوابه بسبب هذه الخطوة ويفضح جهله لأن الحقد يعمي البصر والبصيرة. ما تلفظ به المتصابي المقيم بسويسرا فضح جهله لأنه أثناء حديثه عن المجلس الأعلى للأمن وقع في أخطاء تلزمه أن يعتذر لمن لا يزال ينصت إليه ثم يعلن اعتزاله “التبراح” لأعداء المغرب.
    للمتصابي نقدم المعلومة الصحيحة. الفصل 54 من الدستور يتحدث عن نظام داخلي للمجلس يحدد قواعد تنظيمه وتسييره، وهذا شيء آخر يختلف عن القوانين التنظيمية التي تم التنصيص عليها حصرا في الدستور ولا يجوز تجاوزها، وهي التي يتولى البرلمان وحده المصادقة عليها والمحكمة الدستورية التصديق على ملاءمتها للدستور. كيف غابت هذه الأبجديات عن الشيخ المتصابي؟ هل كان في كامل قواه العقلية وهو يرتكب هذه الخطيئة؟ أم هو الجهل المركب الذي ألم به؟ أليس الاعتذار واجبا إن كنت تحترم من لا يزال يتابعك؟ هل من يقع في مثل هذه الأخطاء يستحق أن يتابع أصلا؟ إنه زمن المتطاولين على مجالات لا يفقهون فيها ولا يتوفرون على الحد الأدنى للحديث عنها.
    ولأننا بصدد التندر بمصائب الطوابرية لا يمكن أن نغفل الحديث عن جذبة المعيطي في المعرض الدولي للكتاب. ما تابعه المغاربة موثقا صوتا وصورة من طرف رفاق المعيطي يحمل بين طياته كل عناصر الإدانة له، وهو نوع من البلطجة التي يحن إليها المعيطي المشتاق ل “التعرعير” و”تعرية الكرش” بعد أن لم تنفعه كل الأساليب السابقة لتأمين ما يعتبره مكتسبات حصلها بصفة امتيازية في زمن مضى.
    اعتدنا سيناريوهات مفبركة من “مول الجيب” الراقد على أموال في حسابات بالخارج “يتعيش” منها هو وأسرته إلى يومنا هذا بينما يصر على أن سيارته ومنزله عليهما حجز. أليس الحجز قضائيا؟ لماذا لم ينجح في استصدار قرار قضائي برفع الحجز عنهما؟
    لجوء المعيطي إلى أسلوب العرائض يعري عزلته لأنه رغم الاستجداء لم يجمع إلا توقيعات قليلة من “القبيلة” التي تناصره دون معرفة حيثيات ملفه من الناحية القانونية.
    لا أفتأ أذكر بأن معركة المعيطي هي أمام القضاء وليست في الشارع، وسلاحه فيها هو القانون والوقائع التي عليه أن يبرع فيها مع دفاعه لإثبات براءته من المنسوب إليه بالدليل والحجة، وما على من يشك في ذلك إلا مراجعة ملف القضية.
    “شوهة” المعرض جعلت المعطي موضوع فكاهة من شاهد فيديو إصراره على ولوج المعرض من بوابة الخروج وليس البوابة التي وضعت للدخول ويمر منها كل حامل لتذكرة الدخول بما يلزمه من مرور عبر إجراءات أمنية وتنظيمية. ألم أقل لكم أن أمثال المعطي ألفوا الوضعية الامتيازية ويرون في أنفسهم مواطنين من درجة أعلى من باقي المغاربة؟
    “شوهة” المعطي وثقها بكلامه الذي ذكر به أثناء منعه من الولوج من بوابة الخروج بسبب حرصه على أن يبقى أمام كاميرات الصحافة، وهو ما أكد أنه عاشق ل”الشو” وكل الحدث مفبرك من أجل ذلك الفيديو الذي يريد به الخروج من منطقة الظل التي لم يألفها ولا يرتاح فيها. من يعرف المعطي عن قرب يعي هذه الحقيقة، ولذلك فهو يفبرك الإضراب عن الطعام لساعات فقط ولكن لا مشكل عنده أن يقطعه أمام الإعلام بوجبة دسمة، وهو قد يركب على كرسي متحرك أمام مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية رغم أنه أتى إليه من الرباط بدون هذا الكرسي، وهو قد يستدعي سيارة الإسعاف رغم أن الموضوع مجرد تحاليل روتينية لمصاب بأمراض عادية لمن هو في مثل عمره، وهو قد يدعي المنع من السفر أمام المطار رغم علمه المسبق أنه ممنوع ولكن لا مانع عنده من اقتناء التذكرة وتجشم عناء التنقل إلى المطار من أجل صورة تلتقط له هناك.
    مشكلة المعطي أنه صار مختطفا من طرف عدلاوة وبعض الحاقدين المتياسرين يوجهونه كلغم ضد المخزن حسب زعمهم ولا مانع عندهم أن يكون ذلك على حساب صحته.
    جذبة المعرض أثارت الشفقة -من طرف من تابعها- على المعطي الذي بلغ به الحمق هذه الدرجة التي لم يعد أحد يميز فيها بين المعطي البلطجي والمؤرخ. ولعل مزيدا من هذه المغامرات تجعل الرأي العام يفهم حقيقته أكثر.
    الطوابرية في حيرة من أمرهم، ولم تعد أساليبهم تضر بالمغرب. تصنيف “الناقمين بلا حدود” على المغرب هذه السنة كان مختلفا لأنهم فقدوا المصداقية تجاه المغاربة. رغم كل الحقد لم يجدوا بدا من أن يعترفوا بأن المغرب ربح هذه السنة 15 درجة لينتقل من الرتبة 120 إلى 105 مع العلم أن هذا الترتيب لم تمنحه هذه المنظمة المعروفة أجندتها المعادية للمغرب منذ ما يقارب العشرين سنة. في 2002 صنفت المغرب في الرتبة 89 وفي سنة 2006 في الرتبة 97.
    ها هو واحد من المنابر الدعائية تدور عليه الدائرة ويكتشف الحقيقة، ويعترف معها بحالة التراجع التي عليها حرية الصحافة في جارة السوء، حيث تقهقرت ب 19 درجة لتنزل من الرتبة 126 إلى 145.
    حالة “المسموم” الإسباني تثير الشفقة لأن هوسه بالمغرب بلغ ذروته، ولم يعد يميز بين الغث والسمين فيما ينشر حول المغرب، ولا يبحث عن تبين الحقائق من الأكاذيب لأن شغله الشاغل هو إرضاء من يدفع له.
    طلع علينا عبد الحق المسموم بمقال مكتوب من محبرة لم تعد خافية على أحد. يدعي في هذا المقال/ الفضيحة بأن “المخابرات والداخلية الإسبانية ترفضان منح الجنسية لمثقف إسلامي مغربي مناهض للملكية”.
    لا شك أن العنوان مثير وعباراته مختارة بعناية والهدف منها التحريض ضد الملكية في المغرب وتصريف حسابات مع السلطات الإسبانية لاعتبارات لا تخفى على من يعرف ولاءات المسموم.
    وسيرا على نفس الأسلوب سنبحر مع المسموم ونتبعه حتى “باب الدار” لتنجلي الحقيقة. والأسئلة تتناسل علينا تباعا: من يكون هذا المثقف؟ وما هي شهادات ثقافته؟ وهل هو معارض للملكية؟ وهل عنده ما يؤكد حقه في الحصول على الجنسية الإسبانية؟
    يبدأ المقال بفقرة تستحق أكثر من الشرح ومزيدا من الأدلة لتصديقها، وإلا فإن المسؤولية تقع على السلطات الإسبانية “يرسل مركز الاستخبارات الوطني الإسباني (CNI) بانتظام تقارير إلى المحكمة الوطنية للمطالبة برفض منح الجنسية الإسبانية لموظفين مغاربة يعملون في إسبانيا أو لمهاجرين عاديين، للاشتباه في كونهم جواسيس أو متعاونين مع المخابرات المغربية، وعادة ما يمتثل القضاة لهذه التوصيات”. هل يمكن للمسموم أن يخبرنا عن حالات ينطبق عليها هذا الوصف؟ ها نحن ننتظر وكلنا أمل أن لا يتأخر جوابه لمعرفتي بأن هناك “فاعلي خير” يرسلون له ما يعنيه دائما في هذا البوح.
    بعد ذلك ادعى أن “جهاز المخابرات غير بوصلته وانضمت إليه وزارة الداخلية لإقناع وزارة العدل بعدم منح الجنسية لمثقف إسلامي مغربي مقيم في غرناطة منذ عام 1998، وهو من أشد المنتقدين للملكية العلوية”.
    في هذا المقال/الفضيحة يتماهى المسموم مع عدلاوة ولكن بنوع من التقية الخبيثة. يجزم بأن العدلاوي موضوع مقالته مقيم بغرناطة دون أن يتثبت من معلومته، وها هو التحدي مرة أخرى مرفوع في وجهه أن يؤكد صحة معلومته هذه، وله أن يستعين –وهو الصحافي الاستقصائي الذي لا يشق له غبار كما يدعي- بتواريخ دخوله وخروجه من وإلى اسبانيا. سيتأكد حينها من الحقيقة الناصعة، وهي أن العدلاوي مقيم بشكل دائم بمدينة سلا في المغرب ويتردد بين الفينة والأخرى على اسبانيا، مثله مثل قيادات عدلاوية كثيرة، وهذا جزء من استراتيجية “الجماعة” ولا تقتصر على اسبانيا وحدها، بل تطال دولا كثيرة في العالم في القارتين، الأوروبية والأمريكية، ولذلك فهذه القيادات تتحايل على القوانين وتتعلل بزيارة أبنائها أو الاستشفاء وتكرر الزيارات وتحصل على الإقامة ثم الجنسية ثم تصل لمرحلة التمكين، ولإسبانيا رمزية خاصة ومعها إيطاليا، في تنزيل هذه الخطة التي هدفها الغزو والانتشار والتمكين للجماعة التي تريد الاستفادة من حالة الفراغ والضعف التي عليها الإخوان المسلمون وكذا التنظيمات الشيعية في أوربا أساسا.
    رمزية اسبانيا ترتبط بفتح الأندلس ورمزية إيطاليا ترتبط بفتح روما. وبهذه الأطروحات يغذي القادة الأتباع والمريدون المقيمين هناك.
    ما يتجاهله المسموم الإسباني هو أن هناك خطة عدلاوية تتخذ لها غطاء هجرات بغاية زرع كيان لها في الخارج لشن حروب على الدولة المغربية. بهذه الحقيقة نهدم الأساس الأول لمقال المسموم. العدلاوي المعني بمقاله غير مقيم في اسبانيا، بل هو مقيم بشكل دائم في المغرب.
    الأساس الثاني للمقال/الفضيحة والذي سنهدم به ادعاءات وخزعبلات المسموم، ويمكن التأكد منه بسهولة من صفحة العدلاوي في الفايسبوك، هو مهنته التي يفاخر بها على الملأ. يمتهن العدلاوي مهنة عدل موثق، ويمكن الاطلاع على ذلك في قائمة العدول المعتمدين في المحكمة الابتدائية بسلا. هل يمكن لعدل موثق تستلزم منه هذه المهنة حضورا دائما في المغرب أن يكون مقيما في الوقت نفسه بإسبانيا إلا أن يكون من “أهل الطي” كما يؤمن به العدلاوي الخرافي “صاحب” المسموم؟
    يؤكد المسموم في مقاله أن العدلاوي مناهض للملكية. وببحث على الشبكة العنكبوتية لم نجد فيه ما يؤكد ذلك، إلا إن كان يعبر عن موقفه في منتديات خاصة أو أسر للمسموم بذلك أو جره المسموم إلى ذلك ليأكل الثوم بفمه وهو معروف بذلك طيلة مساره المهني في الصحافة. الكرة الآن في ملعب العدلاوي الذي لا شك اطلع على المنسوب إليه وله وحده أن يؤكده أو ينفيه، ولن أناقش الموضوع قبل الاستماع إلى ما سيقوله هو بدون واسطة وإلا فإنه يعترف بصحة المنسوب إليه.
    حاول المسموم إسباغ صفة المثقف على العدلاوي، وببحث متاح للجميع على الشبكة العنكبوتية سيصل إلى حقيقة أنه دكتور مزور وحامل لدكتوراه “مدرحة” مثله مثل كثير من قيادات عدلاوة من جامعات افتراضية. هل يمكن للمسموم أو العدلاوي أن يخبرنا عن مقر الجامعة؟ ومساحتها؟ وهيأة تدريسها؟ وإدارتها؟ ومعادلات شواهدها؟
    هذه مناسبة أخرى لكشف حقيقة هذا التزوير الأكاديمي الذي ورثه عدلاوة عن الإخوان المسلمين في أوربا، ويتمثل في إنشاء جامعات افتراضية وتفريخ شهادات ودبلومات ومنحها لقياديين فاشلين عجزوا عن إكمال دراستهم العليا، وكذا امتصاص أموال البسطاء بشواهد لا قيمة لها.
    عقدة عدلاوة -ومن على شاكلتهم- هي لقب الدكتور لأنها ترفع أسهمهم بين الأتباع وتعطيهم وضعا اعتباريا هم في حاجة إليه لاستمالة المريدين.
    حاول كذلك المسموم إسباغ صفة الفقيه والعالم على الدكتور العدلاوي المزيف رغم أنه يفضل “الطربوش” على “العمامة”. المسار الدراسي لبطل مقالة المسموم يؤكد أنه مجاز في الأدب وحصل على ماجستير “مدرح” في العلوم السياسية، ثم دكتوراه مثل الماجستير في الدراسات العربية والإسلامية. فهل هذا المسار يؤهله ليكون فقيها وعالما؟
    لا شك أن من أضفى عليه هذه الصبغة هو عضويته في اتحاد علماء الإخوان المسلمين في قطر والذي لا يخفى على كل متابع لهذا الشأن معاييره التي لا تراعي الاعتبارات العلمية والدينية.
    أقصى ما وصل إليه العدلاوي هو الخطابة في مركز إسلامي عدلاوي لما كان “تائها” و”عاطلا” بإسبانيا. كان هذا جزء من خطة تفريخ المراكز الإسلامية في أوربا والتشبيك بينها في روابط لتشكيل قوة ضغط على هذه الدول. للأسف لم تنتبه كثير من هذه الدول لتلك الخطة إلا في وقت متأخر ولم تستوعب أبعاد تلك الاستراتيجية إلا بعد أن تمكن هذا التيار من بعض مفاصل الشأن الديني وسط مسلمي بعض من هذه الدول. ومثال ذلك اسبانيا التي تدفع ثمن ذلك بعد أن استفاقت متأخرة.
    التأطير الديني له أهله، والخطابة في المساجد لها أناسها، والإرشاد له المؤهلون له، والفتوى لها قواعدها، ومن يتولاها يلزمه التوفر على شروط علمية وعملية صارمة ودراية بالواقع وتجرد عن الأطماع السياسية ونزاهة فكرية.
    لا بد من توجيه الشكر للمسموم الذي فضح جهله ووضع نفسه “مسخرة” أمام الرأي العام. نشكره لأنه كان سببا في إثارة موضوع عدلاوة في الخارج واستراتيجيتهم للتمكين والانتشار في العالم ووسائل هذه الاستراتيجية.
    نشكره كذلك لأنه كشف تناقض ما تدعيه “العدل والإحسان” من لاءات ومنها لا للتنظيم الدولي بينما تثبت هذه الحالات وجود تنظيم عدلاوي عالمي باستراتيجية زحف موضوعة سلفا وبرسل من القيادة يجوبون العالم تحت غطاء الاستشفاء أو زيارة الأبناء أو ما شابه، وقد بلغ التغلغل في بعض الدول مرحلة مزعجة لمخابراتها التي صارت تتخذ الإجراءات العلاجية بعدما فشلت في التدابير الوقائية الاستباقية.
    لم يكن لي في هذا البوح الحديث عن هذا الموضوع لأنه شأن لا يهم المغرب والمغاربة لولا الزج بالملكية في مقال المسموم. وعلى نفسها جنت براقش كما تقول العرب.
    ما إن انتهت جلسة الإحاطة أمام مجلس الأمن حتى بدأت ردود الفعل تطفو على السطح لتؤكد ما قلته في بوح الأسبوع الفارط.
    تبرز ردود الفعل الوضعية التي عليها كل المعنيين بهذا النزاع. مجلس الأمن من جهته منخرط في تنزيل مقتضيات القرار 2797 وتقييم مهمة بعثة المينورسو التي يتزايد عدد المؤيدين لمراجعتها وتخفيض عددها وتقليص كلفتها. الولايات المتحدة باعتبارها راعية المباحثات تستعد لعقد جولة مباحثات أخرى وعينها على الوصول لحل نهائي وتمارس كل أنواع الضغط من أجل ذلك على البوليساريو والجزائر. المغرب مطمئن لهذا المسار ومنخرط فيه بجدية وقدم البرهان على ذلك في أكثر من مناسبة ويعضده بدينامية دبلوماسية داعمة من خلال توسيع لائحة الدول المؤيدة لمقترح الحكم الذاتي.
    الجزائر بدأت تلين مواقفها، وكلام تبون في “مونولوغه” مع الصحافة المحسوبة عليه كان واضحا وهو يخصص بضع ثوان -من ساعة وثلث الساعة- فقط لملف الصحراء في الدقائق الأخيرة مشيرا إلى اعتراف بالقرار الأممي الذي اعترضت عليه الجزائر في جلسة مجلس الأمن ومؤكدا أن هذا القرار يشق طريقه. والأكيد أن هذه اللغة الاستسلامية تركت انطباعا سيئا لدى الجزائريين الذين لن يستسيغوا عقودا من الوهم سوقها إليهم حكامهم، والأكيد أن قادة البوليساريو أصيبوا بالصدمة وهم يرون هذا التخلي عنهم ممن دفعهم لعقود إلى الواجهة.
    الجبهة الانفصالية أبانت عن حقيقتها الإرهابية، وأنها تبحث دائما عن إشباع هذه الحقيقة وهو ما وجدت له فرصة في مالي خلال الأسابيع الفارطة، ولذلك كان رد فعلها على هذا المسار الأممي هو الأعمال الإرهابية التي استهدفت بها مدينة السمارة عبر إطلاق قذيفتين سقطتا في مناطق متفرقة خالية خارج المجال السكني. والخطير هو المسارعة بالاعتراف بالمسؤولية عن تلك الأعمال الإرهابية من خلال بيان رسمي.
    زادت هذه الأعمال الحاجة إلى الإسراع بتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، وترتيب أثر ذلك على من يأويها ويرعاها ويمولها ويدافع عنها ويتعامل معها ويفتح لها الأبواب للحضور في المنتديات. هذا ما صارت تخشاه الجزائر، وهو ما جعل رئيسها يبحث عن مسافة معها لأنه يعي التبعات ويعرف أن تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية مسألة وقت ليس إلا.
    لم تتأخر الإدارة الأمريكية في تصنيف هذا الحادث الإرهابي، حيث أدانت البعثة الأمريكية لدى منظمة الأمم المتحدة تلك الهجمات واعتبرت أن من شأنها تهديد الاستقرار في المنطقة وإعاقة الجهود المبذولة لدعم مسار السلام، معبرة أن مثل هذه الهجمات لا تنسجم مع أجواء المباحثات الأخيرة التي تهدف إلى التوصل إلى حل نهائي للنزاع الإقليمي المرتبط بقضية الصحراء المغربية.
    تضيق إذن الدائرة على أعداء الوحدة الترابية يوما بعد آخر، ويكتشفون أن المنتظم الدولي أصبح على دراية بخبايا هذا النزاع وخلفياته وحلوله، ويعي بموازاة ذلك كلفته الباهظة، ولذلك ينخرط الكل في التسريع بحله.
    خلال شهور قليلة أجبرت الجزائر على أن تكون طرفا في المحادثات التي ترعاها الإدارة الأمريكية، وأن تغير نبرة خطابها، وتضع المسافة مع البوليساريو، وتعري هذه الجبهة التي لم يعد أمامها من شيء إلا القيام بأعمال إرهابية للفت الانتباه وإيصال رسائل ستكون وخيمة عليها وعلى كل من يقف داعما لها.
    كان لافتا للانتباه خلال مونولوغ ساكن قصر المرادية مع “إعلامه” نبرة الحذر من المستقبل والخوف من ردود الشارع الجزائري في كل المواضيع التي تطرق إليها والتي هيئت أسئلتها بليل وبشكل مدبر لعب فيه السائلون دور الممرر/”الأسيست” لتبون ليصيب الهدف فاكتشفوا جميعا أنه كان يسجل في مرماه.
    حاول جاهدا استثمار زيارة البابا للجزائر للظهور بمظهر الدولة المتسامحة والمنفتحة، وقد كان سينفعه ذلك لو أجاب عن سؤال لغز يتعلق بتلك التفجيرات التي تزامنت مع تلك الزيارة. من قام بها؟ ولماذا؟ وأين كان الأمن؟ وهل تم اعتقال من قام بها؟ وما مصير التحقيقات معهم؟ وأين وصلت محاكمتهم؟
    غابت هذه الأسئلة فبقيت البياضات شاسعة غطت على الزيارة وفوائدها وما يمكن أن تربحه الجزائر منها.
    بدا تبون طيلة اللقاء الصحفي حاقدا على فرنسا ومتغزلا ودودا مع الإدارة الأمريكية ويزن كلماته تجاهها لأنه أدرى من غيره باشتراطاتها عليه إن أراد الاستمرار في كرسيه.
    فضح تبون الدور القذر الذي لعبه نظامه في الأحداث الأخيرة بمالي، ولم يخف استعلاءه على قادتها، وكانت لغته بمثابة رسائل تهديد لحكامها حين جزم أنها تسير نحو اللاستقرار، وهو ما يؤكد عقلية الوصاية التي ظل عليها حكام الجزائر تجاه الكثير من الجيران. من سمع تبون لن يستغرب كيف حول تونس و”قيسها” إلى ملحقة للجزائر. لذلك كان يوجه رسائل للفرقاء في مالي بأن الجزائر هي وحدها القادرة على تسوية الوضع في مالي.
    خلال أكثر من الساعة بدا خطاب تبون غير مطمئن للجزائريين، وخاليا من جرعات الأمل لأنه لم ينجح في تقديم مشاريع حقيقية للمستقبل القريب وكرر وعودا سئمها الشعب. لاحظ متابعو تبون أنه كان يتعسف في قراءة الواقع ويلوي عنق الحقائق لتحويرها كإنجازات مبشرا بأن “الجزائر ماشية نحو مستقر لها”. لاحظ كذلك من تابع تبون أنه صار عاجزا عن تبرير وضع الجزائر ولم يعد تضخيم بعض الإنجازات ينطلي على الجزائريين.
    قد يسأل البعض عن سبب كل ما سبق، والحقيقة أن تبون في “مونولوغه” لم يتجاوز الصدمة التي تعرض لها أمام جماهير الكرة في الملعب الذي هرب منه تحت هتافاتهم بشعار لن ينساه حكام الجزائر “يالسراقين كليتو البلاد”.
    هنا تتضح المفارقة بين الجارين.
    دام العز للمغرب. وموعدنا بوح قادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    بوح الأحد: دلالات تعيين ولي العهد منسقا لمكاتب و مصالح القيادة العامة …