الرباط…حينما تلتقي “السيادة الثقافية” بطموح “الصناعات الإبداعية”
الرباط عاصمة الإعلام العربي 2026: حينما تلتقي “السيادة الثقافية” بطموح “الصناعات الإبداعية”
بقلب العاصمة المغربية ، وبنفسٍ فكريٍ يزاوج بين عمق التاريخ واستشراف المستقبل، احتضنت الرباط ندوة وطنية رفيعة المستوى تحت عنوان: “الإعلام والصناعات الإبداعية والثقافية: الأدوار والتكامل الممكن”. الندوة التي تأتي في سياق الاحتفاء بالرباط عاصمة للإعلام العربي لعام 2026، لم تكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل تحولت إلى “مختبر للأفكار” بحثاً عن سبل صيانة السيادة الرقمية والثقافية للمملكة في عالم تذوب فيه الحدود خلف الشاشات.
انطلقت المداولات بكلمة افتتاحية وضعت الإصبع على الجرح، معتبرة أن التكامل بين الإعلام والصناعات الإبداعية لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو “صمام أمان” للهوية الوطنية. وقد أجمع المتدخلون على أن الرهان اليوم يتجاوز مجرد نقل الخبر، إلى صناعة المحتوى الذي يعزز “القوة الناعمة” للمغرب، خاصة مع الدينامية المتسارعة التي يشهدها قطاع الألعاب الإلكترونية، والذي بات يمثل الجبهة الجديدة للثقافة الرقمية المعاصرة.
في مقاربة فلسفية وتاريخية، استعرض الخبير أحمدو حبيبي (الألكسو) الدور الوجودي للإعلام في حماية الذاكرة الحضارية، مؤكداً أن الصناعات الثقافية هي الوعاء الذي يحفظ الهوية من التآكل. بينما ذهب الباحث جمال محافظ وعبد الصمد مطيع مدير المعهد العالي لمهن السينما و السمعي والسمعي البصري إلى ضرورة إحداث قطيعة مع “الإعلام الإخباري النمطي”، والانتقال نحو “إعلام تخصصي” يمتلك الأدوات المعرفية لمواكبة المقاولات الناشئة والمبدعة، معتبرين أن الصحفي اليوم يجب أن يكون شريكاً في منظومة الإنتاج الإبداعي وليس مجرد مراقب خارجي.
ولم تغب هواجس “الذكاء الاصطناعي” عن قاعة الندوة؛ حيث طرح الإعلامي عبد الرزاق علي تساؤلات جوهرية حول إعادة تشكيل المشهد الإبداعي في ظل الثورة الرقمية، محذراً من تحديات التكنولوجيا التي تفرض واقعاً جديداً يتطلب مرونة في التشريع وتجديداً في أدوات العمل الصحفي. ومن زاوية اقتصادية واعدة، قدم هشام الخليفي، رئيس الجامعة الملكية للألعاب الإلكترونية، خريطة طريق لكيفية بناء “سمعة رقمية” عالمية للمغرب، مؤكداً أن الإعلام هو “الجسر” الذي سيعبر من خلاله المغرب ليصبح قطباً عالمياً في صناعة الألعاب الإلكترونية.
وقد توجت الندوة بنقاش مفتوح لم يخلُ من النفحات الفلسفية والتحليلات الرصينة، حيث شهدت القاعة مداخلات نوعية من الحضور، ساهمت في تعميق النقاش حول “أنسنة” التكنولوجيا وتطويع الإعلام لخدمة الإشعاع الحضاري. لقد أثبتت ندوة الرباط أن الطريق نحو 2026 يمر حتماً عبر المصالحة بين صرامة الإعلام وحرية الإبداع، في أفق بناء منظومة ثقافية مغربية قادرة على المنافسة في الفضاء الكوني.
