دبلوماسية هادئة ورزينة
دبلوماسية هادئة ورزينة
تميز المغرب تاريخيا بدبلوماسية هادئة ورزينة، حتى في المواقف الصعبة ولحظات التوتر، كانت الدبلوماسية المغربية تتسم بالعقلانية، تجمع بين اللُّيونة والحزم في المواقف، وتبدو بلغة المغاربة «خاترة»، أي وازنة وناضجة، لم تكن لدى المغرب يوما دبلوماسية مراهقة تتغير بتغير الأهواء والمزاج، لا تصدر مواقفها على عجل، إلا بعد أن تتجمع للساهرين عليها المعطيات الوافية لبناء موقف صلب، يُراعي بالدرجة الأولى مصالح المملكة وقيمها وتاريخها ووزنها وموقعها من كل الصراعات وتقييم دقيق لمردودية أي قرار في علاقات المغرب الدولية.
هذه الرزانة الدبلوماسية التي ميزت المغرب، تعود بالدرجة الأولى إلى أن السياسة الخارجية حقل مخصوص للملك، وغير مختلف حوله بإجماع الأمة ونص الدستور، لذلك نلاحظ ذلك التناغم الموجود في جميع المواقف التي تتخذها الدبلوماسية المغربية خاصة في القضايا الكبرى الحساسة، وإذا كانت الحكومة تقوم بدور التنفيذ فإن البرلمان بغرفتيه يقوم بدور المراقبة والتتبع، لذلك توجد لجنة خاصة بشؤون العلاقات الخارجية في قبتي البرلمان المغربي تساهم في ممارسة دورها الرقابي والتشريعي في مجال السياسة الخارجية للمملكة..
هذا البعد هو الذي جعل السياسة الخارجية تسير على خط متوازن، غير متسرع، ولا تجرفه الأهواء الانتخابية للفرقاء السياسيين، وأصبحت هناك قيم وأعراف وتقاليد في وزارة الخارجية، هي التي تشرَّبها كل من يأتي إلى مجال القرار أو التسيير في الدبلوماسية المغربية.
ويمكن العودة إلى التاريخ المعاصر فقط، منذ الحصول على الاستقلال حتى اليوم، وهي سنوات كانت مثقلة بالأحداث الكبرى، وبالتحولات الجارفة، والبلد خارج محنة وجراح استعمار عمر لأكثر من أربعة عقود، كان العالم خارجا من حربين عالميتين كارثيتين، وحركة التحرير الوطني لدى الشعوب المستعمرة في أشدها، ثم انقسم العالم إلى كتلتين متناقضتين متصارعتين في حرب باردة كان مختبرها هو الدول الصغرى التي كان يجري صراع تقاسم النفوذ والولاء عليها، بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الشيوعي، ثم تولدت النزعات القومية والحركات الشيوعية والعسكراتية الانقلابية، ظهرت أنظمة جديدة وانقلبت أخرى، وهيمنت تيارات إيديولوجية ومذهبية هنا وهناك، واشتعلت الحروب في أكثر من منطقة من حرب الخليج الأولى العربية والفارسية حتى حرب الخليج الثانية بعد اجتياح صدام للكويت، وصولا إلى هبوب ما سمي بهتانا بـ«الربيع العربي»، وها نحن نعيش إحدى أوراق خريفه..
وكانت مواقف المملكة في علاقاتها الخارجية بدول المعمور تبدو موزونة بميزان من ذهب، يهمها بالأساس المصالح العليا للمغرب، ثم في المقام المبدئي الثابت التنصيص على وحدة وسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام اختيار الشعوب لمن يدير مصالحها، كانت مواقف المغرب لا تتخلى عن المبادئ الأساسية للمملكة وعن المبادئ الكونية المتعلقة باحترام إرادة الشعوب ووحدة الدول.
من ثورة الخميني إلى غزو صدام حسين للكويت، حتى سقوط نظام بشار الأسد اليوم، ثمة خيط ناظم في الدبلوماسية المغربية يتسم بالبراغماتية والعقلانية في آن، ولم تكن المواقف التي اتخذتها الدولة المغربية، خارج مرحلة الصراع حول السلطة بعد الاستقلال، محط اختلاف بين مختلف مكونات الحساسيات السياسية المغربية من اليمين إلى اليسار ومن الحكومة إلى المعارضة، وهذه نقطة تفوق الدبلوماسية المغربية ومصدر ثقة الدول الكبرى في ثبات مواقف السياسة المغربية الخارجية التي لا يلفها نزق ولا طيش ولا إصدار القرار ثم نفيه بقرار نقيض، والسياسة الخارجية هي التي تجسد الصورة العميقة للثقل التاريخي للأمم وحسن تفاعل نظامها في علاقاتها الدولية في لحظات التوتر والنزاعات كما في لحظات السلام.