بوح الأحد: التقدير الشعبي الوازن لحموشي سر قراءة الملايين للبوح الأخير…
بوح الأحد: التقدير الشعبي الوازن لحموشي سر قراءة الملايين للبوح الأخير، الداخلية الإسبانية ترد على السم بريرو الإسباني و كتيبته التائهة، الجزائر تستجدي التطبيع مع إسرائيل فأين مناهضي التطبيع و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
كان بوح الأسبوع الفارط موفقا بشكل كبير، لقد حقق، بكل المقاييس، أرقاما قياسية في وقت وجيز. في أقل من 24 ساعة من نشره قرأه الملايين. هي أرقام تنبئ بأن موضوعه كان استثنائيا وحقق معيار القرب وكان في وقته ومستجيبا لحاجة لدى المغاربة.
من زاوية أعمق، لا يمكن القول بأن ما حدث مفاجئ لأن هذا البوح مشبع بتامغرابيت ويستبطن روحا مغربية وكان محتوى الأسبوع الفارط اعتزازا بهذا المغرب وإشادة بأحد رجالات المغرب الذي يشعر المغاربة بأنه ابن بار للبلد وحريص على التجاوب مع نبض المغاربة في مجال تخصصه ولا يدخر وسعا من أجل ذلك واسترخص نفسه ووقته لخدمة الوطن والمواطنين.
كان حديث البوح عن رجل دولة استثنائي بكل المقاييس متهمم باستقرار المغرب ويستفرغ كل الجهد من أجل عزة المغرب ومؤمن حتى النخاع بأن المكان الطبيعي للمغرب هو الريادة وبأن المغاربة يستحقون الأفضل دائما.
لا دلالة لهذه الأرقام المرتفعة في المتابعة للبوح إلا رغبة فئات واسعة من المغاربة في معرفة حيثيات الإنجاز الأمني الكبير بتفكيك خلية “ذئاب الفاميليا” وأسرار هذا النجاح المتواصل والمتصاعد الذي يحققه حموشي. لذلك قلت دائما أن حموشي اختار منطق الإقناع الصائب وأسلوب الترافع الصحيح. يترك عمله يتحدث عنه، ويمنح للمغاربة الفرصة ليحكموا على هذه الإنجازات، ولا يضيع الوقت في المهاترات وتتبع “المشائين بنميم” ومحترفي التبخيس ومروجي الأباطيل. يعرف أن واجباته كثيرة و لهذا اختارعدم إضاعة جهوده فيما لا طائل منه ولا أثر له في حياة المغاربة ولا يجني منه المغرب مكاسب.
يقابل المغاربةُ هذا الرجل/القامة بما يستحق من تقدير، ويتلقون عطائه و مجهوده بإحتضان كبير، ويتمنون لو كان من أمثاله كثيرون في قطاعات أخرى.
طريقة العمل ووتيرته وجودة المردودية كلها أعطت لفئات واسعة من المغاربة مؤشرات أن حموشي يقود تغييرا بنيويا في المرفق الأمني بناء على توجيهات ملكية سديدة ورؤية استشرافية تستحضر كل التحديات والتطورات. يعايش المغاربة هذا التغيير يوميا من خلال احتكاكهم بهذا المرفق وهم يلاحظون جودة الخدمات وحسن المعاملة والطابع الإنساني الذي صار يطبع الأداء المهني لنساء ورجال الأمن. يعايش المغاربة طابع الجدية الذي يطبع عمل هذا المرفق حيث عدم التساهل تجاه أي اختلالات أو شطط أو أخطاء من أي كان من العاملين في هذا القطاع كيفما كانت طبيعته ودرجة مسؤوليته، وأخبار الإحالة على التأديب والتوقيف وما شابه من عقوبات تنشر بشكل مستمر فتثلج صدور المغاربة وتطمئنهم. يعايش المغاربة تفاعل حموشي مع الشكايات التي يبعثونها وتحريك المساطر تجاه أي مخالفة رصدت فيها والصرامة في حق من ثبتت في حقه انحرافات مهنية. يتابع المغاربة كذلك الإشادة الدولية بأداء المؤسسة الأمنية المغربية والقيمة التي اكتسبتها عالميا تحت إدارة حموشي واستلهام دول كبيرة من التجربة المغربية في محاربة الإرهاب ويتأكد لديهم بالأدلة المتواترة أن الخطر الإرهابي مهما بلغت خطورته مقدور عليه ومتحكم فيه لأن المستأمن على أمنهم يملك من الكفاءة والقدرة والجدية والتفاني ما يجعلهم مطمئنين على أمنهم واستقرار بلدهم ومتأكدين من قدرته الاستباقية على القضاء عليه قبل أن ينتقل إلى مرحلة إزعاج أمنهم وراحتهم.
شكرا سي حموشي التي اخترتها لعنوان البوح السابق كانت صادقة وكل الإنجازات تفرض وضعها في مقدمة أي كلام. عبارة الشكر تلك أملتها معطيات الواقع وحقائق الميدان التي لا ترتفع ولا يمكن نكرانها. كلمة الشكر التي تصدرت البوح كانت تعبيرا عفويا جرى على ألسنة فئات واسعة من المغاربة لحظة تلقيهم خبر تفكيك خلية حد السوالم قبل تحول المنطقة إلى حمام دم. عبارة الشكر هي أقل ما يستحق منا رجل وطني من الطراز الرفيع، ورجل وضع أمن المغاربة واستقرار المغرب في مرتبة الصدارة، وكرس لهما كل جهده وتفكيره ووقته، ورجل لا يطلب مقابلا على هذه المهمة ولا جزاء عن هذه التضحية، ورجل وضع كل طاقته لخدمة للمغرب.
يمكن الاسترسال في ذكر مميزات حموشي، ومنها أشياء لا يعلمها إلا المعنيون بها مباشرة وهو يفضل دائما عدم الإعلان عنها تأسيا بالحديث “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه “، ويمكن ذكر الطابع الإنساني والاجتماعي الذي أضفاه على المرفق الشُّرَطي بالمبادرات التي تحتفي بالعاملين وأسرهم والاهتمام بالأرامل والتنويه بكل التضحيات التي يقدمونها. حقا يستحق الشكر من نجح في جعل المجتمع المغربي الحاضنة الحقيقية للمؤسسة الأمنية، ومن تمكن من تحريك ملايين المغاربة لزيارة الأيام المفتوحة التي تنظم سنويا بالتناوب بين المدن وكلهم حماس لمعرفة ما يعتمل داخل هذا المرفق من تحولات.
طبعا لم يكن ممكنا أو متصورا أن يمر كل هذا الإنجاز بدون رد فعل وبدون تشويش من طرف مأجورين على هذه المهمة لا شغل لهم سوى تبخيس المغرب والتنقيص من دوره واستهداف صناع انتصاراته أشخاصا ومؤسسات. كالعادة أرنب السباق ليس إلا المسموم الإسباني الذي يغرد خارج كل منطق ويتبعه بعد ذلك الحياحة من الطوابرية الذين يجدون ضالتهم في مثل هذه الأدوار القذرة. انتهى المطاف بسمبريرو أن أصبح سمسارا عند نظام الكابرانات ومعزولا عن كل المصادر باستثناء مصادر مغرضة “محروقة” توظفه وتحركه وفق مصالحها الضيقة.
تفكيك خلية “ذئاب الفاميليا” كان يوما أسود على من اشتاق لرؤية مغرب العزة ملطخا بدماء الإرهاب ليتشفى فيه، ولذلك تعسف الطوابرية في افتعال أطروحات لا تسعفها كل الحقائق وتفتقت الدناءة لديهم لتنتج تحليلات أقرب إلى الفضيحة.
كان منتظرا أن يتم البحث عما يغطون به على الإنجازات النوعية لمؤسسات حماية البلاد، ولكن لم يكن يتصور أن تكون الرواية والإخراج بهذه الرداءة وأن يمثل الدور الرئيسي في المسرحية تلك الأسماء المنبوذة والمشهورة بالكذب والحقد على المغرب. سليمان التونسي المشرد في بلاد قيس بدون ليلاه ليعيش حريته يسارع بنشر كل ما يسيء للمغرب ليثبت ولاءه للسيد الراعي الأول للطوابرية لعله يظفر منه بوظيفة حقوقية أو ما يسد به الرمق ليغطي مصاريف إقامته في دولة يشهد حجم الانهيار الحقوقي الذي تعيشه دون أن يحرك ساكنا. أليست حقوق الإنسان كونية وغير قابلة للتجزيء ولا وطن لها؟ لماذا يصمت عن الأحكام التي صدرت ضد عشرات الساسة والحقوقيين والصحافيين بمدد تتجاوز العشرين عاما؟ هل الصمت مقابل الظفر بالإقامة؟ هل هي أوامر السيد الراعي في انتظار تسوية وضعية الترحيل نحو دولة غربية؟ هل يمكن الصمت عن خروقات بهذا الحجم قريبا من إقامته بأمتار مقابل تبني الشائعات وترويجها دون تثبت؟ يعي التائه “التونسي” أنه في فترة اختبار الولاء ومطلوب منه أن يظهر كفاءته ل “الراعي” أو بحثا عن كفيل يليق باحتياجاته المتزايدة. معني كذلك بهذا الكلام من استلذ التدوين من سويسرا والذي لا شغل له غير الحقد ونشر وتداول وإعادة تدوير النفايات لأنه يعرف بأنه كشخص أصبح منتهي الصلاحية/بيريمي.
الرد المزلزل والداحض لكل ذلك التبخيس أتى من موطن سمسار الكابرانات حين أعلن الحرس المدني الإسباني عن توقيف سبعة أشخاص للاشتباه في انتمائهم لداعش. هل يملك السمسار والطوابرية شجاعة التشكيك في هذا الخبر الصادر عن هذه المؤسسة بما تمثله من قوة؟
الصدمة الثانية تمثلت في تفاصيل هذا الخبر التي كشفت عنها الداخلية الإسبانية ومفادها أن العملية نفذت بالتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. هذا يعني أن عبد اللطيف حموشي حاضر في كل إنجاز تقريبا، وهو الذي كان حل الأسبوع الفارط بإسبانيا مباشرة بعد تفكيك خلية حد السوالم. هل افتعلت السلطات الإسبانية خبر هذه العملية؟
لا يمكن للمسموم وغيره التشكيك لأنهم يعلمون جيدا الحقيقة وحجم العملية التي تمت بتنسيق بين أجهزة مخابراتية كثيرة وتحت إشراف محكمة التحقيق المركزية وبتنسيق مع النيابة العامة بالمحكمة الوطنية وبدعم من اليوروبول.
للأسف، ينشط الطوابرية خدمة لأجندات معادية للمغرب، وهم مستعدون للترويج لأي شائعات تخدم أحقادهم بعد إعادة تدويرها لتحظى بمصداقية مع العلم أنهم لو كلفوا أنفسهم حدا أدنى من التثبت لوجدوا الأمر شائعات للابتزاز كما يحدث هذه الأيام مع ما ينشر عن اعتبار المغرب من الوجهات المرشحة لاستقبال الفلسطينيين بعد تهجيرهم من غزة. هل طمست بصائر من يروج لمثل هذا الحمق؟ هل نسوا مواقف المغرب الثابتة من القضية الفلسطينية؟
يثير ترويج مثل هذه الشائعات أكثر من علامة استفهام عن صاحب المصلحة في ذلك، ويطرح أكثر من سؤال عن الجهة التي تقف وراء ترويج هذه الشائعات.
لا يمكن النظر إلى هذا الترويج بمعزل عن الحوار الفضيحة الذي أنطقت فيه جريدة لوبينيون الفرنسية تبون بما ظل متكتما عليه منذ سنين.
في هذا الحوار الذي خص به تبون، بعد استئذان الكابرانات طبعا، جريدة فرنسية وهو الدائم الحضور مع إعلاميين جزائريين في “مونولوغات تبونية”، أطلق الرئيس الضرورة العنان للسانه للحديث يمينا وشمالا في كل شيء.
لم يكن حوار تبون مع لوبينيون حوارا عاديا. كان حوار القرن لأنه كان فضيحة فضح فيه تبون ما يدور في المربع الضيق لقصر المرادية منذ سنين. تبون الذي ألف التواصل من خلال إعلاميين جزائريين يستعملهم كبيادق لممارسة فن المونولوغ الذي لا يحسن غيره للتواصل مع الرأي العام التجأ هذه المرة إلى منبر فرنسي لأنه يريد توجيه رسائل لغير الجزائريين. ولذلك خصهم ب”سكوب” وانفراد كشف فيه سر منع الجزائريين طيلة سنة ونصف من التضامن مع إخوانهم في غزة.
أكد تبون أن الجزائر ستقوم بالتطبيع مع إسرائيل في اليوم الذي يتم فيه إنشاء دولة فلسطينية. وللتمويه على الجزائريين حرفت صفحة الرئاسة الجزائرية متحدثة عن دولة فلسطينية كاملة بينما هي غير موجودة في النسخة الأصلية.
ما يحدث من هجوم على المغرب ليس إلا محاولات للتغطية على تبون الذي تسرع في إبداء الرغبة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون أي إشارة على رغبة إسرائيل في ذلك. استعمل تبون في حواره عبارة إسرائيل عكس المتداول بالحديث عن الكيان ولعل هذا ما جعل بعضا من إسلاميي العسكر يستشعرون الخطورة ويخرجون مستنكرين على استحياء كما هو حال حمس التي تزين موقع المعارضة.
الغريب في كلام تبون أنه استعمل عبارة إسرائيل وهو يستجدي التطبيع معها ولكنه استعمل الكيان الصهيوني وهو يتحدث عن الخوف من تعاونها العسكري مع المغرب. هذا التناقض وحده كاف ليوضح للمنتظم الدولي حجم الارتباك الذي يوجد عليه هذا النظام المهزوز الذي لم يستقر بعد على صيغة واحدة مع العلم أن الحقيقة تؤكد أنه مستعد لأكثر من التطبيع إن كان سيحقق له هدف تطويق انتصارات المغرب في ملف الصحراء المغربية، وهذا يدل على أن نظام الكابرانات يستشعر خطورة هذه الانتصارات وأنه أصبح أسيرا للبوليساريو ومستعدا لأي شيء حتى لا يقفل هذا الملف نهائيا لأنه يفهم أنها ستكون نهايته.
هذا مثال آخر للجزائريين على طبيعة بوصلة نظامهم الحاكم وعلى أن البوليساريو عبء على كاهلهم وتقتات مخيماتها من أموالهم وينهب الكابرانات المساعدات الدولية ويراكمون بهذا النزاع الثروات و”يسمنون” حساباتهم خارج الجزائر. وهو مثال كذلك ليعرفوا حقيقة إسلاميي العسكر مثل البناء و”البركة” وغيرهما الذين بلعوا ألسنتهم ولم ينبسوا بكلمة استنكار تجاه هذا الاستجداء المهين للتطبيع مع إسرائيل.
لم نسمع استنكارا من “محاربي” التطبيع من أصحاب الجبهة وعدلاوة والقومجيين وغيرهم الذين احترفوا استنكار كل تصريحات التطبيع. ترى ما هو السبب؟ أليس في هذا كيل بمكيالين؟
هي مناسبة كذلك لخليل “الحية” الحمساوي ليعيد النظر في إشادته بالجزائر. ألا يستحق الأمر ذلك؟
قلناها في أكثر من مناسبة؟ المغرب يساند فلسطين بالطريقة التي تعود بالنفع على الفلسطينيين، ولا يحول دون ثباته على مواقفه علاقة مع أي جهة، ولذلك ففي هذه المدة كان المغرب الدولة التي بعثت بمساعدات عبر ممرات غير مسبوقة ووصلت إلى الفلسطينيين. هل باستطاعة جهة مسؤولة في نظام الكابرانات أن تعطي أرقاما ومعطيات عن المساعدات التي شحنتها إلى غزة؟
لا نريد الدخول في هذه المزايدات ولكن صمت القيادة الحمساوية يؤكد أنها تتعامل بازدواجية معايير تستحضر فيها مصلحتها فقط وليس مصلحة القضية الفلسطينية ومصالح الفلسطينيين، وحين أشادت بالجزائر فسبب ذلك استفادتها هي كحركة وكوادرها من علاقات وتسهيلات وأشياء أخرى من نظام الكابرانات والأمر لا علاقة له بفلسطين وأهلها. وهذا ما لا يريد أن يفهمه تجار القضية الذين بين ظهرانينا للأسف.
قلت بأن حوار تبون فضيحة ومن أسباب ذلك أنه رئيس فاقد للمشروعية وللشعبية بدليل أنه حاول استمداد مشروعية الرغبة في التطبيع من رؤساء سابقين مثل الشاذلي وبوتفليقة. عشنا حتى رأينا تبون يستشهد ببوتفليقة الذي قال فيه ما لم يقله مالك في الخمر، وسبب ذلك معرفته المسبقة بأنه لا كاريزما ولا ظهيرا شعبيا لديه لأن قوته يستمدها من دعم الكابرانات له فقط.
كشف تبون فشله الدبلوماسي وعجزه عن الإقناع وعدم جدوى كل الضغوط التي استعملها لثني فرنسا عن الاعتراف بمغربية الصحراء حين قال بأنه حذر الرئيس ماكرون من أنه سيرتكب خطأ فادحا بقرار الاعتراف بمغربية الصحراء وبأن دعم فرنسا لما يسمى “خطة الحكم الذاتي” المغربية خطأ فادح. كشف تبون أنه تحدث مع ماكرون لأكثر من ساعتين ونصف على هامش قمة مجموعة السبع بباري في يونيو الماضي ولكن دون نتيجة.
لم تنفع تحذيرات تبون لماكرون ولم ينفع تهديده بأن فرنسا بإقدامها على الاعتراف بمغربية الصحراء ستخسر الجزائر. هكذا قال تبون “إنكم ترتكبون خطأ فادحا. لن تجنوا شيئا من ذلك، بل ستخسروننا”.
ها قد مرت مدة طويلة فماذا كانت النتيجة؟ هل خسرت فرنسا؟ هل انتفضت الجزائر ضدها؟
في حوار الاستجداء “التبوني” هذا قلل الرئيس الضرورة من اشتراطاته على فرنسا، وصار يربط إعادة العلاقات مع فرنسا بأي شيء يحفظ له ماء الوجه. بدا تبون من خلال حواره مع لوبينيون كمن “أعطى حماره” واستنفد كل إمكانياته ولم يحصل أي شيء من سياسة شد الحبل مع فرنسا، ولذلك لم تخف العبارات التي في حواره صيغة استجداء لفرنسا حتى تنفتح عليه وتفتح حوارا معه. من السقف العالي ولغة الاتهام ونبرة التوتر التي كانت تطبع كلام تبون وغيره صارت أقصى شروطه لإعادة العلاقات مع الجزائر هي أن يبدي ماكرون فقط رغبته في فتح حوار مع الجزائر وهو مستعد للاستجابة لهذه الرغبة. صار أسلوب نظام الكابرانات معروفا. يبدؤون بالتصعيد ثم ما يلبثون في التنازل تلو التنازل ووحده الشعب الجزائري من يدفع ضريبة ذلك من كرامته. قال تبون “الجزائر مستعدة متى عبر ماكرون عن رغبته في ذلك”. هكذا وضع تبون نفسه والجزائر كلها في وضعية رهن الاشارة في انتظار رغبة من ماكرون ولو من خلال تصريح سياسي، وهو يعي جيدا أن “الجمهورية الفرنسية أولا وقبل كل شيء هي رئيسها”. ولكنه بالمقابل، يعترف بالأمر الواقع الذي يبين بأنه يطلب شيئا غير واقعي بقوله “المناخ الحالي سام، ونحن نضيع الوقت مع الرئيس إيمانويل ماكرون”.
سياسة الكيل بمكيالين طبعت كلام تبون. مقابل التشدد مع فرنسا التي اعترفت بمغربية الصحراء يتودد بعبارات الغزل والمديح لترامب رغم أنه سبق فرنسا في الاعتراف بمغربية الصحراء. مثل هذه الازدواجية هي التي تضرب المصداقية لدى نظام الكابرانات بأكمله. قال تبون عن ترامب “عندما تم انتخابي في 2019، أرسل لي دونالد ترامب برقية لتهنئتي بعد ساعات من إعلان النتائج، في حين أن الرئيس ماكرون استغرق أربعة أيام”. هذا النوع من المديح سببه رغبة جزائرية أن يضعها ترامب في قائمة الدول المعنية بتوسيع اتفاقيات أبراهام، وبذلك يتضح أن تبون لا يختلف عن غيره من المتاجرين بالقضية الفلسطينية.
كان لافتا للانتباه حديث تبون عن ولاية ثالثة رغم أن الأمر مبكر جدا. وكعادته أبدى عدم الرغبة في ولاية ثالثة وكأن قراره بيده ونتذكر تردده في الترشح لولاية ثانية حتى اللحظة الأخيرة منتظرا الضوء الأخضر.
أكد تبون في حواره أنه ما يزال أسير البومدينية ويجتر أحقادها على المغرب ويردد تلك العبارة التي خدروا بها الجزائريين من كون المغرب هو سبب كل مآسيهم. مقابل هذا الحقد ما يزال المغرب يمد يده للجارة والنصيحة الملكية الذهبية لتبون ستبقى خالدة حين قال له لست أنا ولا أنت مسؤولان عن الماضي ولكننا “مسؤولون سياسيا وأخلاقيا على استمراره؛ أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام مواطنينا”.
أصبح نظام الكابرانات جار غير سوي ليس فقط مع المغرب ولكن الحقائق تشهد أن جل دول جواره تعيش علاقات متوترة معه. هذه هي الحقيقة، كما أن حوار تبون فضح أنهم مجرد متاجرين بفلسطين وأنهم ملهوفون على التطبيع مع إسرائيل بدون شروط وقد يتخلون في سبيل ذلك عن فلسطين لأنها لم تعن لهم يوما شيئا ولا يختلفون عن غيرهم ممن يتاجر بها.
موعدنا بوح قادم.