الدرس المغربي في كأس إفريقيا

الدرس المغربي في كأس إفريقيا

A- A+
  • الدرس المغربي في كأس إفريقيا

    لم يكن انبهار الأشقاء الأفارقة، من جماهير ولاعبين وخبراء كرويين، بما شهده المغرب من تطور خلال كأس إفريقيا، مجرّد مجاملة عابرة أو خطابا دبلوماسيا ناعما. لقد كان تعبيرا صريحا عن لحظة نادرة في تاريخ الكرة الإفريقية، لحظة التقت فيها جودة التنظيم، ورقيّ البنية التحتية وحفاوة الاستقبال، مع روح المنافسة وقوة حضور الجمهور ورقيه، فصنعت صورة مختلفة للقارة، وصورة مختلفة للمغرب داخل القارة.
    منذ لحظة افتتاح البطولة القارية، اكتشف الأشقاء الأفارقة من جمهور ولاعبين ومسؤولين رياضيين نسخة فريدة من تنظيم كأس الكان، ميادين تشبه تلك التي اعتاد اللاعب الإفريقي أن يراها في أوروبا لا في إفريقيا، غرف ملابس تحترم المعايير الدولية، إنارة، لوجستيك، تنقل سلس بين المدن واحتضان شعبي منقطع النظير. كل تفصيل صغير عكس خبرة تنظيمية تراكمت لدى المغرب لعقود طويلة.
    اللافت أن الانبهار لم يصدر فقط عن الجماهير القادمة من بلدان إفريقية مختلفة، بل عن اللاعبين أنفسهم. لم تكن تصريحاتهم عن النتائج أو التحكيم بقدر ما كانت عن الراحة النفسية: نوم جيد، تدريب منتظم، تنقّل دون إرهاق، ملاعب بجمالية استثنائية وبمعايير دولية…
    وهذه تفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تصنع الفارق في كرة القدم الحديثة. فاللاعب الذي يشعر بالاحترام خارج الملعب، يعطي أفضل ما لديه داخله.
    أما الجماهير الإفريقية، فقد وجدت في المغرب ما يشبه البيت الكبير.
    مدن مفتوحة، أمن هادئ، تطوّع شبابي، وفضاءات عمومية تحوّلت إلى كرنفالات قارية. كان المشجع السنغالي أو المالي أو النيجيري يشعر بأنه جزء من مشهد جماعي يحتفي بكرة القدم كفرح مشترك، حيث تحوّلت بطولة الكان بالمغرب إلى تلاقح ثقافي وإنساني أكثر منها مجرد مباريات تنافسية.
    التقط الخبراء الكرويون بدورهم الرسالة الأعمق، أن ما منح دورة كأس أمم إفريقيا المقامة بالمغرب تميزها هو نتيجة سياسة رياضية واضحة المعالم، استثمار طويل في البنيات التحتية، ربط الرياضة بالتنمية، والاقتناع بأن كرة القدم لم تعد لعبة شعبية فقط، بل صناعة صورة ونفوذ ناعم.
    نظم المغرب كأس إفريقيا ليبشر بميلاد كرة قدم إفريقية بالمعايير الدولية بدون عقدة نقص، وما كان لذلك أن يتحقق لولا وجود استراتيجية ملكية بعيدة المدى، تريد أن تبلّغ رسالة للعالم: نحن الأفارقة نستطيع، ونحن جاهزون لما هو أكبر.
    تنظّم كثير من الدول البطولات تحت ضغط الزمن والموارد، فتتحوّل الملاعب إلى جزر معزولة، والبطولة إلى عبء. بالمغرب حدث العكس تمامًا: انسجمت البطولة مع إيقاع المدن، مع الإعلام، مع السياحة ومع نبض الشارع مع خيرات ربانية من الأمطار لم تطفئ حماس الجمهور.
    وكأن المغرب اختار أن يجعل من كرة القدم لغة مشتركة للتواصل مع إفريقيا. الأهم من كل ذلك أن الانبهار لم يكن قائما على بهرجة فارغة، بل عن تنظيم صلب وهادئ.
    لا فوضى، لا استعراض زائد ولا وعود أكبر من الواقع. هذا التوازن هو ما جعل الإشادة تأتي طبيعية، بلا تضخيم ولا دعاية رسمية مفرطة. حين يخرج خبير إفريقي ليقول إن هذه أفضل أرضية لعب شهدها في بطولة قارية، أو حين يعبّر مدرب عن دهشته من مستوى التنظيم، فذلك اعتراف مهني يصف الحقيقة بصدق وبإعجاب نبيل.
    لم تكن كأس إفريقيا فقط مرآة لنجاح مغربي، بل سؤالًا موجّهًا إلى القارة: لماذا نقبل دائمًا بسقف منخفض؟ ولماذا نبرّر الإخفاق بضعف الإمكانات؟ تقول التجربة المغربية إن الإرادة والتخطيط يصنعان الفارق، وأن إفريقيا قادرة على تنظيم بطولات تضاهي العالمية، حين تتوفّر الرؤية والإرادة والإنجاز المتقن.
    في النهاية، قد تُنسى بعض النتائج، وقد يغادر الكأس من بلد إلى آخر، لكن ما سيبقى هو هذا الشعور الجماعي بأن إفريقيا رأت نفسها في مرآة مختلفة تقول إن الكرة الإفريقية لا تحتاج فقط إلى مواهب داخل المستطيل الأخضر، بل إلى ملاعب تحترم تلك المواهب، وتنظيم يليق بها، وجماهير تشعر بالأمان والفرح.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    بايتاس: مجلس الحكومة يطلع على اتفاق الخدمات الجوية بين حكومة المملكة المغربية