هكذا أنقذت الحكامة الأرواح دروس من تدبير الفيضانات بين الدولة والمجتمع

هكذا أنقذت الحكامة الأرواح دروس من تدبير الفيضانات بين الدولة والمجتمع

A- A+
  • هكذا أنقذت الحكامة الأرواح
    دروس من تدبير الفيضانات بين الدولة والمجتمع

    برافو المغرب… ليس في الكرة هذه المرة، ليس في الملاعب والفرجة وفيما يعتبره البعض تخدير الشعوب، لا، هذه المرة في قلب الكوارث.. في قلب الموت، في قلب الغرق، في قلب الأزمة، أزمة الطبيعة التي تهدد بجرف كل شيء.
    برافو المغرب، قالها المسؤولون البرتغاليون والإسبان في مؤسساتهم الوطنية وفي إعلامهم، حين عبروا عن الانبهار بالأسلوب الاستباقي الذي دبر به المغرب فيضانات غير مسبوقة منذ عقود عديدة بإمكانيات متواضعة قياسا لما يتوفرون عليه، بلد في مواجهات الفيضانات لا الجفاف كما في السابق، وكيف أجلت السلطات ومختلف لجان اليقظة ما يقارب من 160 ألف مواطن عن المدن التي غمرتها المياه كليا، وفعالية حضور القوات المسلحة الملكية بكافة قواتها ولوجستيكها.
    ها نحن ندرك اليوم، حتى بعد توالي سنوات طوال من الجفاف والقحط التي دخلنا بسببها في حالة تشدد إزاء تدبير مخزوننا المائي قبل أسابيع قليلة فقط، أن الفيضانات بالمغرب جزء من روزنامة الكوارث الطبيعية، وأنها ستغدو وجها من وجوه التحوّل المناخي الذي يختبر، في كل مرة، قدرة الدولة والمجتمع على الاستجابة الذكية والناجعة لإدارة المخاطر في سياق تغيّر مناخي يضاعف من حدّة الظواهر القصوى. لقد كشفت موجات الأمطار الغزيرة والسيول عن هشاشة بعض البنيات التحتية في مناطق، وعن تقدّم ملحوظ في آليات الاستجابة والوقاية في مناطق أخرى. وبين هذين القطبين، يتشكّل اليوم مسار جديد لتدبير الكوارث يقوم على الرؤية الاستباقية والخطة المنسجمة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
    أولى حلقات هذا التحوّل تكمن في الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الوقاية. فقد استثمر المغرب في تحديث منظومة الرصد الجوي والإنذار المبكر عبر المديرية العامة للأرصاد الجوية ووزارة التجهيز والماء خاصة خلال الأربع سنوات الأخيرة، التي لعبت دورا حيويا ومركزيا مع تكثيف نشرات اليقظة، وتطوير قنوات التواصل مع السلطات المحلية والمواطنين. لم يعد التحذير حبيس البلاغات التقنية، بل صار يُبث عبر الإعلام والهواتف الذكية ومنصّات التواصل الاجتماعي، بما يتيح للسلطات المعنية وللسكان في المناطق المعرّضة للخطر هامشا زمنيا ثمينا لاتخاذ الاحتياطات اللازمة.
    لقد عبرت الدولة عن وعي استباقي عميق حيث أعطى جلالة الملك أوامره لتدخل القوات المسلحة الملكية في عملية تدبير الفيضانات وإجلاء الساكنة عن المناطق المعرضة لخطر الفيضانات، ونصب خيام لإيواء السكان الذين تم إخلاء حوالي 160 ألف منهم خاصة بمدينة القصر الكبير التي غمرتها المياه كليا بسبب ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس وتفريغ الحمولة الكثيفة لسد وادي المخازن التي بلغت لأول مرة حوالي 160 بالمائة.. في مدة قياسية وبسلاسة وبتعاون كبير مع المواطنين الذين عبروا عن ثقتهم في تدخل مختلف السلطات في عملية الفيضانات التي ضربت أقاليم الشمال والغرب.
    كما تشكلت لجنة لليقظة من مختلف المصالح والمؤسسات للتتبع الدقيق لوضعية المناطق التي عرفت تساقطات غير مسبوقة في ساعات قليلة، من الإنذار المبكر عبر النشرات الجوية إلى الاستعداد الميداني والتدخل الطارئ بكل الوسائل المتاحة. هنا يبرز دور التنسيق المؤسساتي الذي شهد تطورا ملحوظا بين وزارات الداخلية والتجهيز والماء، والوقاية المدنية، والقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي والجماعات الترابية. في لحظات الطوارئ، يتم تفعل خلايا قيادة جهوية وإقليمية، وُزَعت فيها الأدوار بوضوح: إجلاء، إنقاذ، فتح محاور الطرق، تأمين المناطق وتوفير الإيواء المؤقّت والطعام. هذا التنسيق، وإن كان لا يخلو من تحديات، قلّص من زمن التدخل وقلّل من الارتباك الذي كان يطبع بعض الاستجابات في الماضي.
    إلى جانب البعد المؤسساتي، لا يمكن إغفال الدور المتزايد للمجتمع المدني والمتطوّعين واستجابة المواطنين. فقد برزت مبادرات محلية لتنظيم فرق دعم وتوفير مساعدات أولية والمساهمة في إغاثة المتضرّرين، خصوصا في المناطق القروية والجبلية حيث الوصول أصعب. هذا الحضور الميداني للمجتمع المدني يملأ فراغات لوجستية ونفسية في آن واحد: لأنه قدّم العون وساهم في إعادة بعض الطمأنينة إلى الأسر المنكوبة وعزّز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
    أما على مستوى التخطيط بعيد المدى، فقد بدأ المغرب يربط تدبير الفيضانات بسياسات التهيئة الحضرية والمائية. مشاريع تقوية السدود، تأهيل مجاري الأودية، بناء قنوات تصريف في الأحياء الهشّة وإعادة النظر في تصاميم التعمير في المناطق المعرضة للغمر… كلها عناصر تُترجم وعيا متزايدا بأن الوقاية أقل كلفة من إعادة الإعمار بعد الكارثة. كما أن إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية – من تشجير المنابع إلى حماية المناطق الرطبة – يسهم في تقليص حدّة السيول عبر استعادة قدرة الطبيعة على امتصاص المياه.
    وقد لعب الإعلام بدوره دورا حاسما في إدارة أزمة الفيضانات – باستثناء بعض المواقع الإلكترونية المحلية خاصة سامحها الله التي لم تتحرّر من منطق الإثارة – واشتغل بمنطق الخدمة العمومية، بل تحوّل إلى شريك في الإنقاذ: يُنبّه، يوجّه ويكافح الشائعات والأخبار المضللة التي تنتشر في لحظات الخوف. وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن وحدة الرسالة بين السلطات العمومية ووسائل الإعلام تُقلّل من الارتباك وتُسهم في توجيه السلوك الجماعي نحو سلامة المواطنين الذين تفاعلوا بشكل إيجابي جدا لا مع ما ينقله الإعلام الجاد والمسؤول ولا مع مختلف تدابير السلطات المعنية.

  • لا يُقاس نجاح التدبير فقط بحجم الخسائر المادية أو عدد الضحايا، بل أساسا بمدى جاهزية الدولة ونجاعة الرؤية الاستباقية وانسجام الخطة الوطنية، وفعالية التنسيق بين مختلف المتدخلين: من مؤسسات حكومية وأجهزة أمنية وجماعات ترابية، إلى المجتمع المدني ووسائل الإعلام. لقد نجحت الدولة وبالتوجيهات المكية السامية في مواجهة كارثة كان من الممكن أن تخلف أرواحا عديدة وكوارث إنسانية لا قبل لنا بها. فبرافو المغرب بكل مكوناته تحت القيادة السامية لجلالة الملك.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    رياضيو الأمن الوطني يتربعون على عرش البطولة العربية للعدو الحر بالدوحة