من يقول الحقيقة في زمن الكوارث؟
من يقول الحقيقة في زمن الكوارث؟
في لحظات الكوارث، تُختبَر قدرة الدول على التدبير وتُختبَر أيضًا أخلاق المجتمع وفاعليه الأساسيين: من يجب أن نصدّق؟ ولماذا نصدّق؟ وكيف تتشكّل الحقيقة تحت ضغط الخوف والقلق والعجز عن التحكّم في المجهول؟
من جائحة كورونا إلى زلزال الحوز، وصولًا إلى الفيضانات الأخيرة، تكرّر المشهد نفسه بالمغرب: تتعبّأ أجهزة الدولة وتنزل إلى الميدان، الجيش والسلطات العمومية بكل صنفها تكون في قلب معترك الفعل، خبراء المياه والهندسة والوقاية المدنية يشتغلون بصمت، جمعيات المجتمع المدني تنظّم الدعم والإيواء جنبا إلى جنب مع السلطات العمومية، بينما تنتعش على هامش الحدث صناعة موازية: إشاعات، نبوءات، وفيديوهات مخدومة تُغذّي الهلع أكثر مما تُنقذ الأرواح.
ليست المشكلة في النقد أو المساءلة، فالديمقراطية لا تُبنى دون مراقبة ومحاسبة. المشكلة في الخلط بين المساءلة المبنية على معطيات وبين مجرد الادّعاء المبني على نشر الخوف وتحقيق البوز أو فقط نكاية بالمخزن وإبراز الدولة بكافة مؤسساها في وضع الشلل التام.. تتقدّم المعرفة العلمية في الأزمات، ببطءٍ محسوب: تقدير مخاطر، نماذج احتمالية، قرارات احترازية قابلة للتعديل. أمّا الإشاعة وما يبثه الكذابون فيتقدّم بسرعة الضوء لأن صاحبها لا يلزِم نفسه بأيّ معيار للتحقّق. وهنا يتشكّل وهمٌ خطير: كلّما كانت المعلومة صادمة ومخيفة، بدت «أكثر صدقًا» لدى جمهور مُرهَق يبحث عن تفسير فوريّ لما يحدث.
خلال كورونا، رأينا كيف اشتغل الطبّ الوقائي واللوجستيك الصحيّ في ظروف قاسية، فيما انتشرت وصفات وهمية ونظريات مؤامرة أربكت السلوك الجماعي. بعد زلزال الحوز، نزلت فرق الإنقاذ والهندسة والجيش والوقاية المدنية إلى القرى الجبلية، واشتغلت شبكات المجتمع المدني على الإيواء والغذاء والدعم النفسي. وفي الفيضانات الأخيرة، حضرت السلطة المحلية وخبراء السدود والمياه لتقييم المخاطر، واتُّخذت قرارات الإجلاء المؤقّت حيث لزم الأمر، ثم العودة المنظّمة حين تراجعت الأخطار. ومع ذلك، انتعشت روايات عن تشقّقات خطيرة في سد وادي المخازن وعجز الدولة عن تدبير عملية إنقاذ الأرواح بطريقة استباقية… ينشرون كل ذلك بلا مصدر موثوق ولا بيان تقني، فقط لأن الخوف يصنع جمهورا واسعا أو أنهم يفعلون ذلك نكاية بالدولة بكافة أجهزتها لغرض في نفس كل شخص مسموم.
اللافت أنّ عمل الدولة والخبراء يكون عادة صامتًا، لجان تقنية، فرق تنسيق بينية، غرف عمليات، تقارير تقنية، خرائط مخاطر، تنسيق ميداني وتواصل رسميّ حذر لأن المعلومة في الأزمات مسؤولية أخلاقية. في المقابل، يعمل «المنجّمون الجدد» والكذابون على بثّ مباشر، عناوين صادمة، لغة يقينية لا تعرف الشكّ، واستثمار في اقتصاد الانتباه. لكن الحقيقة في الكوارث هي إجراءات تتراكم، وأرواح تُنقَذ، وخسائر تُقلَّص قدر الإمكان.
لا يعني هذا أنّ الدولة معصومة من الخطأ، ولا أنّ التواصل الرسمي دائما كامل أو مثالي. غير أنّ المقارنة العادلة يجب أن تكون بين معرفة مؤسسية قابلة للتحقّق والتصحيح، وبين ادّعاء بلا مسؤولية. الأولى تُخطئ وتُصحّح، بينما الثانية تُخطئ وتُضاعف الخطأ لأنها لا تُحاسَب. الأولى تُبنى على خبرة ميدانية ومعايير علمية، فيما الثانية تُبنى على إثارة الخوف والريبة. وفي زمن الأزمات يعتبر الخوف سلعة رابحة.
لكن حين تنجلي الكارثة بأخف الأضرار نظرا لسرعة وذكاء تدخل الدولة، لا يخجل الدجالون والكذابون ويسارعون للتصويب والتصحيح والاعتذار، إنهم ينتظرون أزمة أخرى لينتعشوا كما تفعل كائنات المياه العكرة.
نحتاج إلى ثقافة تحقّق التمييز بين مصدر رسميّ يوقّع بياناته، وخبير يضع اسمه ومسؤوليته العلمية، وبين حسابات بلا هوية أو اختصاص. نحتاج إلى إعلام يشرح التعقيد بدل تبسيطه المُخيف، وإلى تربية رقمية تُدرّب المواطن على تلقي الأخبار من مصادرها الموثوقة وهل توجد معطيات قابلة للتثبّت؟ كما نحتاج إلى تواصل عموميّ أوضح وأسرع من طرف المؤسسات، لأن فراغ المعلومة تُسارع الإشاعة إلى ملئه.
حين تزول الكوارث، نكتشف الحقيقة بلسان العمل الميداني لابلسان الكذابين والمفترين المستريحين في المقاهي، والمختفين وراء حسابات وهمية، الحقيقة تقولها الأيادي التي تُجلي الناس في الوقت المناسب، والخبرات التي تُقيّم المخاطر، والشبكات المدنية التي تُنظّم التضامن. أمّا «المنجّمون الجدد» فلا يصدقون لأنهم لايلتزمون بشروط الصدق: الدليل، المسؤولية، فيما التضليل والإشاعة تُضيف إلى الكارثة الربانية كارثةً الكذب.
والحمد لله، ما أن تنزاح الكوارث حتى يدخل فئران الكذب إلى جحورهم، ونكتشف أن من يمتلك الحقيقة هو الذي يوجد في الميدان، هي مؤسسات الدولة التي تشتغل في قلب الحدث لا «الأفاكون» الذين لن يصدقهم المغاربة أبدا.