Advertisement

انتصار آخر في الطريق: بوليساريو منظمة إرهابية

انتصار آخر في الطريق: بوليساريو منظمة إرهابية

A- A+
  • انتصار آخر في الطريق: بوليساريو منظمة إرهابية

    معلوم أنه في السياسة الدولية، حين تدخل قضية ما إلى دهاليز التشريع الأمريكي، فإنها تكون قد غادرت مرحلة الجدل الدبلوماسي إلى مرحلة إعادة تعريفها في ميزان القوة الدولية، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في واشنطن بشأن جبهة بوليساريو. فالمبادرة التي ظهرت في مجلس الشيوخ الأمريكي لتصنيفها منظمة إرهابية تعبر عن تحوّل عميق في إدراك النخب السياسية الأمريكية لطبيعة النزاع في الصحراء، وللدور غير النظيف الذي تلعبه الجبهة في شبكة التوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا.
    تعود جذور هذا المسار التشريعي إلى يونيو 2025 حين قُدم في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يدعو إلى إدراج جبهة بوليساريو على لائحة التنظيمات الإرهابية، في مبادرة قادها النائب الجمهوري جو ويلسون وشارك فيها عدد من النواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وقد أخذ المشروع تدريجيا زخماً داخل الكونغرس مع انضمام نواب جدد إليه.
    ومع بداية هذا العام انتقل الملف إلى مستوى أعلى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، حين أعلن ثلاثة من أبرز أعضاء مجلس الشيوخ، وهم: تيد كروز، توم كوتون وريك سكوت، تقديم مشروع قانون جديد يحمل اسم «قانون تصنيف جبهة بوليساريو منظمة إرهابية لسنة 2026». يهدف هذا المشروع إلى رفع اقتراح لوزارة الخارجية الأمريكية بإجراء تقييم رسمي حول إدراج بوليساريو ضمن قائمتين أساسيتين:
    • قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO)
    • وقائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص (SDGT)
    وبموجب النص المقترح، يتعين على وزير الخارجية تقديم تقرير مفصل حول علاقات بوليساريو المحتملة مع جماعات مصنفة إرهابية، خاصة تلك المرتبطة بإيران أو بشبكات عسكرية في المنطقة.
    المثير في هذه المبادرة أن دائرة الدعم داخل الكونغرس تتسع بشكل متسارع، فقد بلغ عدد النواب الموقعين أو الداعمين لمشروع القانون في مجلس النواب نحو تسعة أعضاء من الحزبين حتى الأسابيع الأخيرة، وهناك حديث في الأروقة عن انضمام نائبة جديدة، وهو ما يعني اتساع الداعمين للمبادرة مع استمرار انضمام أسماء جديدة.
    أما في مجلس الشيوخ، فقد بدأ المشروع بثلاثة رعاة أساسيين، لكنه يفتح الباب أمام توسع مماثل في عدد المؤيدين، وهو ما يحدث عادة في المشاريع التي تبدأ بمبادرة محدودة ثم تتحول إلى موقف سياسي أوسع داخل المؤسسة التشريعية. وهو ما يعني أننا أمام مسار تشريعي يتشكل تدريجياً لصالح المملكة.
    السبب المركزي الذي يطرحه أصحاب المبادرة يتعلق بما يقولون إنه علاقات متنامية بين بوليساريو وشبكات مرتبطة بإيران وحزب الله خاصة وتنظيمات عسكرية في المنطقة، وقد حذر السيناتور تيد كروز من أن طهران تحاول تحويل الجبهة إلى نسخة إفريقية من الحوثيين تستخدمها كورقة ضغط ضد حلفاء الولايات المتحدة.
    وتشير مبررات المشروع إلى عناصر متعددة، من بينها: تقارير عن تعاون عسكري أو تدريبي مع جماعات مدعومة من إيران. استخدام أو طلب أسلحة متطورة مثل الطائرات المسيرة، ثم تحركات عسكرية يمكن أن تهدد استقرار شمال إفريقيا.
    هذا الخطاب يعكس تحوّلاً واضحاً في الموقف الأمريكي بجهازه التنفيذي والتشريعي، فالقضية لم تعد تُعرض في واشنطن فقط كنزاع إقليمي بل كجزء من شبكة صراع عالمي بين الولايات المتحدة ومحاور النفوذ المنافسة. بالنسبة للمغرب، يمثل هذا التطور انتصاراً دبلوماسياً متدرجاً، فقبل سنوات قليلة كان الخطاب الدولي يركز أساساً على النزاع كملف أممي تقليدي. أما اليوم فقد أصبح يُقرأ في سياق أوسع يشمل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب. وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التحول، في مقدمتها الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020. توسع شبكة القنصليات الأجنبية في مدن الصحراء المغربية، وتزايد التعاون الأمني بين الرباط وواشنطن في مكافحة الإرهاب في الساحل، واعتراف معظم الفاعلين في مجلس الأمن بشكل صريح أو ضمني بالوحدة الترابية للمملكة التي تشمل الصحراء المغربية، وما زكاه من تحولات موقف الاتحاد الأوربي نحو قضية المقترح المغربي للحكم الذاتي.
    هذه العناصر مجتمعة جعلت الرواية المغربية حول المخاطر الأمنية المرتبطة بالمنطقة تجد آذاناً أكثر إنصاتاً داخل المؤسسات الأمريكية.
    في مقابل هذا التحول، تبدو بعض القوى التي دعمت بوليساريو لعقود وكأنها تتحرك عكس اتجاه الرياح التاريخية.
    فالجزائر التي استثمرت سياسياً ومالياً في هذا الملف منذ سبعينيات القرن الماضي تجد نفسها اليوم أمام مشهد دولي يتغير بسرعة، بينما تستمر بعض الدوائر في الدفاع عن سرديات قديمة لم تعد تقنع كثيراً من الفاعلين الدوليين.
    أما جنوب إفريقيا، التي تبنت بدورها موقفاً داعماً للجبهة، فإنها تبدو أحياناً في مفارقة لافتة: فهي تقدم نفسها كقوة أخلاقية في السياسة الدولية، لكنها تدافع في هذا الملف عن طرح يتراجع حضوره في النظام الدولي. ولهذا يبدو المشهد أحياناً أقرب إلى مفارقة تاريخية ذات طابع كوميدي، حيث تتحرك دول عديدة نحو مقاربة براغماتية للحل، بينما تستمر أخرى في إعادة إنتاج خطاب يعود إلى زمن الحرب الباردة.
    صحيح أن القرار النهائي يبقى بيد وزارة الخارجية الأمريكية بعد دراسة المعطيات في مجال تصنيف بوليساريو كمنظمة إرهابية، لكن حتى قبل الوصول إلى هذه المرحلة، فإن مجرد وصول النقاش إلى مجلس الشيوخ الأمريكي يحمل دلالة سياسية كبيرة، إذ يعني أن قضية الصحراء لم تعد مجرد نزاع إقليمي بعيد ومقصي من دائرة الاهتمام، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الدولي. وفي السياسة الدولية، حين يتغير تعريف القضية، يتغير معها مسار التاريخ، والأمر كله يجري بما تشتهي السفينة المغربية وربانها في قضية عادلة اسمها: الوحدة الترابية للمملكة.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    انتصار آخر في الطريق: بوليساريو منظمة إرهابية