الثقة المفقودة وحوار أبريل… امتحان النقابات أمام الغلاء وهموم المغاربة اليومية

الثقة المفقودة وحوار أبريل… امتحان النقابات أمام الغلاء وهموم المغاربة اليومية

A- A+
  • أيمن الحبيب
    مع كل اقتراب لموعد حوار أبريل تعود النقابات إلى الواجهة بخطاب يكاد يكون هو نفسه منذ سنوات الدفاع عن القدرة الشرائية حماية كرامة الأجراء صون الحقوق المكتسبة شعارات كبيرة في معناها ثقيلة في رمزيتها لكنها عند جزء واسع من المواطنين والأجراء فقدت بريقها تدريجيا ليس لأنها خاطئة في جوهرها بل لأنها تكررت كثيرا دون أن تقنع الناس بأن واقعهم يتغير بالوتيرة نفسها
    اليوم الأجير المغربي لا يعيش معركة نظرية حول المفاهيم بل يعيش معركة يومية مع الأسعار، كراء يرتفع نقل يثقل الميزانية مواد أساسية تلتهم الراتب بسرعة وخدمات عمومية تحت ضغط دائم، في هذا السياق لم يعد المواطن ينتظر بلاغا ناريا ولا بيانا مطولا بل ينتظر أثرا مباشرا يلمسه في راتبه وفي ظروف عمله وهنا تحديدا تتسع الفجوة بين الخطاب النقابي والواقع المعيشي
    النقابات الأكثر تمثيلية مثل الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب والفدرالية الديمقراطية للشغل تجد نفسها اليوم أمام تحد غير مسبوق ليس فقط التفاوض مع الحكومة المغربية بل التفاوض مع صورة ذهنية سلبية بدأت تتشكل لدى جزء من الرأي العام حول جدوى العمل النقابي نفسه.
    المشكل لم يعد في قوة الشعارات بل في صلاحيتها الزمنية خاصة الجيل الجديد من الموظفين لا يرون أنفسهم في قاموس نقابي يعود إلى عقود مضت كلمات من قبيل النضال التاريخي والمعركة والمكتسبات لم تعد تحرك لديهم الشعور نفسه لأنهم ببساطة يقيسون الأمور بلغة مختلفة كم سأستفيد متى وكيف ستحمى هذه الزيادة من الضرائب والغلاء.
    هذا التحول في وعي الشغيلة جعل النقابة أمام امتحان صعب فبعد أن كانت النقابة فضاء للانتماء والهوية أصبحت بالنسبة لكثيرين فضاء للخدمة والنتائج لم يعد الأجير ينخرط لأنه مقتنع بخطابها بل لأنه ينتظر منها أن تحقق له مكاسب ملموسة وإذا لم يتحقق ذلك فإن العلاقة تصبح شكلية وأحيانا تنتهي بالانسحاب الصامت.
    الإحساس الذي يتكرر لدى عدد كبير من الأجراء هو أن المسافة اتسعت بين القيادات النقابية والقواعد وأن بعض النقابات أصبحت قريبة من التوازنات أكثر مما هي قريبة من هموم الموظفين اليومية هذا الشعور لا يعني بالضرورة غياب الجهد النقابي لكنه يعكس أزمة تواصل وثقة حقيقية فحين يشعر الموظف أن ملفاته ترحل من جولة إلى أخرى وأن البلاغات لا تشبه معاناته في الميدان يبدأ في طرح السؤال الصعب شكون هادو لي كيمثلوني.
    خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في تراجع صورة النقابات بل في تراجع الثقة في فكرة الوساطة الاجتماعية نفسها لأن النقابة تاريخيا كانت حلقة وصل بين الدولة والشغيلة بين القرار والواقع فإذا فقدت هذه الحلقة مصداقيتها يصبح الاحتقان مباشرا بلا وسيط ويصبح الحوار الاجتماعي شكليا أكثر منه فعالا.
    في هذا المناخ يأتي حوار أبريل هذه السنة محملا بما هو أكبر من مجرد مطالب مادية إنه اختبار ثقة بامتياز اختبار لقدرة النقابات على تجديد خطابها وأدواتها وعلى العودة إلى القواعد بدل الاكتفاء بالرمزية التاريخية واختبار لقدرتها على إقناع الأجراء بأنها لا تزال قادرة على تحويل الشعارات إلى نتائج.
    المواطن اليوم لا يسأل كم بيانا صدر بل يسأل كم درهما زاد في راتبه لا يسأل عن حدة الخطاب بل عن قوة الأثر ولا يهتم بتاريخ النقابة بقدر ما يهتم بحاضرها هذا التحول العميق يفرض على العمل النقابي مراجعة هادئة لكنها ضرورية لأن أخطر ما يمكن أن يقع للنقابة ليس أن تنتقد بل أن تصبح غير ذات معنى في نظر من يفترض أنها تمثلهم.
    إذا لم تستطع النقابات التقاط هذا التحول فإنها تخاطر بأن تتحول من فاعل اجتماعي مؤثر إلى إطار تنظيمي يحافظ على نفسه أكثر مما يحافظ على نبض الشغيلة أما إذا نجحت في قراءة الرسالة فقد يكون حوار أبريل فرصة حقيقية لاستعادة جزء من الثقة المفقودة ليس عبر الشعارات بل عبر نتائج يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    وهبي يكتب أولى صفحات “التجديد” بانتصار تكتيكي على الباراغواي