1

البكالوريا بين هاجس الغش وقلق المصير: أين يكمن العطب؟

البكالوريا بين هاجس الغش وقلق المصير: أين يكمن العطب؟

A- A+
  • البكالوريا بين هاجس الغش وقلق المصير: أين يكمن العطب؟

    في كل سنة، ومع اقتراب امتحانات البكالوريا، يتكرر المشهد ذاته في البيوت المغربية: يخيّم التوتر على الأسر، ويلاحق الأرق التلاميذ، ويبدأ استنفار إداري وأمني وإعلامي واسع النطاق. تبدو البكالوريا في المغرب أكثر من مجرد امتحان دراسي، إنها حدث اجتماعي وطني، وامتحان جماعي تعيشه الأسر بقدر ما يعيشه الأبناء. ورغم التطور التقني الذي عرفته منظومة المراقبة، وتشديد إجراءات التأمين، واعتماد آليات متقدمة لمحاصرة الغش، فإن القلق لم يتراجع، بل يبدو أنه يزداد تعقيدًا سنة بعد أخرى.
    لقد نجحت التكنولوجيا إلى حد بعيد في الحد من كثير من أشكال الغش التقليدية. فعمليات تسريب المواضيع أصبحت أكثر صعوبة، واستعمال الهواتف الذكية داخل مراكز الامتحان يخضع لمراقبة صارمة، كما أن آليات التتبع الرقمي والتنسيق بين مختلف الأجهزة المعنية جعلت من محاولات التحايل أكثر كلفة ومخاطرة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كان الغش أصل المشكلة أم مجرد عرض من أعراض أزمة أعمق؟
    الحقيقة أن النقاش العمومي حول البكالوريا غالبًا ما ينشغل بالوسائل التقنية لمحاربة الغش، بينما يغفل سؤالًا جوهريا يتعلق بمكانة هذا الامتحان داخل المنظومة التعليمية والاجتماعية. فالبكالوريا في المغرب لم تعد مجرد محطة تقييمية عادية، بل تحولت إلى ما يشبه “امتحان المصير”. إن نتيجة أيام معدودة قد ترسم، في نظر الكثيرين، ملامح مستقبل كامل. ومن هنا ينبع القلق الحقيقي.
    لا يكمن الخلل في الامتحان، ولكن في الحمولة الرمزية الثقيلة التي أُلقيت على عاتق الأساتذة والتلاميذ والإدارة والأسر. كل هذا جعل من شهادة البكالوريا بوابة وحيدة للارتقاء الاجتماعي، وحين يشعر التلميذ أن سنوات من الجهد، وأحلام الأسرة كلها معلقة على نقطة أو نقطتين، فإن الضغط النفسي يصبح جزءًا من الامتحان نفسه. في هذه الحالة، وخوفا من الرسوب تصبح كل الحلول ممكنة: الساعات الإضافية المكلفة للأسر والمنهكة للتلاميذ، الغش كمكسب انتهازي، والنجاح بأي ثمن.
    يزداد هذا الإحساس حدة بسبب الاختلالات التي يعرفها سوق الشغل ومسارات التكوين. فالكثير من الأسر تنظر إلى البكالوريا باعتبارها الخطوة الأولى نحو المدارس والمعاهد التي تضمن فرصًا أفضل للاندماج المهني. لذلك فإن المنافسة لا تدور حول النجاح فقط، بل حول المعدلات المرتفعة التي تفتح أبواب التخصصات الأكثر طلبًا. وهكذا يتحول الامتحان من أداة للتقييم إلى آلية للفرز الاجتماعي.
    من جهة أخرى، لا يمكن فصل هاجس البكالوريا عن أزمة الثقة التي تطبع علاقة المجتمع بالمدرسة. فعدد كبير من الأسر يلجأ إلى الدروس الخصوصية، وينفق مبالغ متزايدة لتعويض ما تعتبره نقصًا في التحصيل داخل الفصول الدراسية.
    ومع كل موسم امتحانات يعود السؤال نفسه: هل المدرسة قادرة وحدها على إعداد التلميذ للنجاح؟ مجرد طرح هذا السؤال يكشف حجم القلق الكامن في نظرة المجتمع إلى منظومته التعليمية.
    كما أن التركيز المفرط على الامتحان النهائي يجعل سنوات التعلم الطويلة تبدو وكأنها مجرد تمهيد للحظة واحدة حاسمة. ففي العديد من النظم التعليمية المتقدمة، يجري توزيع التقييم على مسارات متعددة ومستمرة، بما يخفف من وطأة الامتحان الواحد ويجعل الحكم على أداء المتعلم أكثر شمولية.
    لا شك أن محاربة الغش ضرورة أخلاقية وتربوية لاغنى عنها، لأن مصداقية الشهادة التعليمية مرتبطة بنزاهة الامتحان. لكن النجاح في تقليص الغش لايعني بالضرورة معالجة جوهر المشكلة. فالتكنولوجيا لا تستطيع أن تعالج اختلالات التوجيه، ولا أن تعيد بناء الثقة بين المدرسة والمجتمع.
    لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد فقط في تطوير وسائل المراقبة، بل في إعادة التفكير في وظيفة البكالوريا نفسها داخل المنظومة التعليمية. فكلما تمكنت المدرسة من توفير مسارات متنوعة للنجاح، وربطت التقييم بالتعلم المستمر، ووسعت فرص الاندماج والتكوين بعد التخرج، تراجع ذلك الشعور الجماعي بأن مصير الإنسان يتوقف على امتحان واحد.
    إن البكالوريا ستظل محطة مهمة في حياة التلاميذ، لكنها لا ينبغي أن تبقى مرادفًا للخوف الجماعي الذي يزور عددا من الأسر المغربية كل صيف. فالعطب الأعمق ليس في قدرة بعض التلاميذ على الغش، بل في شعور المجتمع كله بأن مستقبله يمر عبر عنق زجاجة ضيق اسمه البكالوريا.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    المكتب الوطني للمطارات يودّع أسود الأطلس نحو مونديال 2026 بحفاوة خاصة