ألعاب القوى المغربية… من زمن المجد إلى امتحان المستقبل
الحبيب أيمن
كانت ألعاب القوى المغربية لعقود طويلة مصدر فخر واعتزاز، وواحدة من أبرز الواجهات التي منحت المملكة إشعاعاً دولياً في عالم الرياضة. فمنذ بدايات التألق، برزت أسماء صنعت التاريخ ورفعت الراية المغربية عالياً، وعلى رأسهم البطل الأسطوري سعيد عويطة، أحد أعظم عدائي المسافات المتوسطة في تاريخ اللعبة، والذي فتح الباب أمام جيل من الأبطال، قبل أن يأتي هشام الكروج ليُرسّخ هذا الإرث بتحقيق أرقام قياسية عالمية وألقاب أولمبية ستظل محفورة في الذاكرة.
كما لا يمكن إغفال الدور الريادي لـ نوال المتوكل، التي صنعت حدثاً تاريخياً كأول امرأة عربية وإفريقية تفوز بذهبية أولمبية، لتؤكد أن المغرب كان قادراً على صناعة الاستثناءات وتكسير الحواجز. هذه الأسماء، إلى جانب غيرها، صنعت جيلاً ذهبياً جعل من ألعاب القوى المغربية قوة عالمية يُحسب لها ألف حساب.
غير أن هذا المجد، الذي امتد لعقود، بات اليوم يواجه واقعاً مغايراً تماماً. فغياب المغرب عن بطولة العالم لألعاب القوى داخل القاعة، التي احتضنتها مدينة تورون، لم يكن مجرد غياب عابر، بل مؤشر صريح على أزمة عميقة تعيشها “أم الألعاب” في البلاد، وجرس إنذار يستدعي التوقف عنده بجدية.
هذا التراجع يطرح تساؤلات حقيقية حول أسباب هذا الانحدار، خاصة في ظل استمرار قيادة عبد السلام أحيزون للجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى لسنوات طويلة، وسط انتقادات متزايدة بشأن غياب النتائج وعدم تحقيق طفرة حقيقية على مستوى الأداء الدولي.
ويرى العديد من المتتبعين أن المشكل لا يقتصر فقط على النتائج، بل يمتد إلى بنية المنظومة ككل، بدءاً من ضعف آليات اكتشاف المواهب، مروراً بغياب برامج التكوين القاعدي القوي، وصولاً إلى نقص الاستثمار في البنية التحتية والتأطير التقني المتخصص. كما أن التغيير في أساليب التدريب، الذي بات يعتمد على العلوم الحديثة والرقمنة، لم يواكبه تطور مماثل في المنظومة الوطنية.
وفي المقابل، تعيش العديد من الدول التي كانت في السابق أقل حضوراً من المغرب في هذا المجال، نهضة قوية في ألعاب القوى، بفضل استراتيجيات واضحة تعتمد على التخطيط طويل المدى، وتوفير الإمكانيات، والاهتمام بالفئات الصغرى، وهو ما يضع المغرب أمام تحدٍ حقيقي لاستعادة مكانته.
إن الغياب عن كبرى المنافسات الدولية، وعلى رأسها بطولات العالم والألعاب الأولمبية، لا يعكس فقط ضعف الحضور، بل يؤشر على فقدان الاستمرارية في إنتاج أبطال قادرين على المنافسة، وهو ما يشكل خطراً على مستقبل هذه الرياضة.
ورغم هذا الوضع، فإن الأمل لا يزال قائماً. فالمغرب يتوفر على قاعدة شبابية قادرة على العطاء، وعلى تاريخ غني يمكن البناء عليه، شريطة القيام بإصلاحات جذرية وشجاعة، تبدأ بإعادة النظر في طرق التسيير، وتعزيز الحكامة، وتبني رؤية استراتيجية واضحة المعالم.
اليوم، تقف ألعاب القوى المغربية عند مفترق طرق حاسم: إما إعادة البناء على أسس قوية تعيد للألق مكانته، أو الاستمرار في دوامة التراجع التي قد تُبعد المغرب أكثر عن منصات التتويج. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تستعيد “أم الألعاب” بريقها… أم أن زمن المجد قد أصبح من الماضي؟