<>

1

ميشيل فوكو والسلطة.. بريئان من “طاعون” علي أنوزلا

ميشيل فوكو والسلطة.. بريئان من “طاعون” علي أنوزلا

A- A+
  • في الفصل الثالث من كتابه “المراقبة والمعاقبة..ولادة السجن”، آثر ميشيل فوكو أن يُعلّب السلطة العامة في زمن الأوبئة في “صرح ممرد” تقابله في الفكر الغربي القورو-أوسطي عبارة “البانوبتيك”، أو الإشراف العام الذي حدّده (بنتهام) في “الإيحاء إلى المعتقلين بحالة واعية ودائمة من الرؤية تؤمن وظيفة السلطة الأوتوماتيكية، وجعل السلطة دائمة في مفاعيلها، حتى ولو كانت منقطعة في عملها”، وبتعبير مختصر جدا “أن يؤخذ المعتقلون بوضعية سلطة يكونون هم حاملوها”.

    كان من الضروري التعريج على هذه التوطئة المقتضبة، ليعلم الرأي العام بأن “بنتهام” هو صاحب نظرية “لاتجسد السلطة”، أي السلطة المنظورة وغير الملموسة، وميشيل فوكو إنما أحال عليه واستشهد به في كتابه “المراقبة والمعاقبة..ولادة السجن”، وذلك خلافا “للتصرف الكبير” الذي تبناه الزميل علي أنوزلا في مقاله “الطاعون والسلطة”، والذي حاول فيه جاهدا “تطويع” كلام ميشيل فوكو لينطبق على دولة محددة يعنيها أنوزلا دون سواها، حتى إن اقتضى الأمر تجاوز الحدود المسموح بها في أدبيات” الإحالة” أو ” بتصرف” التي تجيزها المناهج والكتابات الأكاديمية.

  • فميشيل فوكو تحدث عن الطاعون على “أنه خليط حالة الفوضى”، بل هو “شكل واقعي وخيالي بآن واحد للفوضى”، تظهر معه الحاجة الماسة والآنية لسلطة الانضباط، مؤسسا بذلك لمفهوم “الجهاز الانضباطي” في زمن الأوبئة والطاعون، أي تلكم “الدولة التي تكون دائمة الحضور ودائمة العلم في كل جوانب الحياة”، بل إنه ( أي الطاعون) يستدعي ” تزخيما وتشعيبا للسلطة”. لكن الزميل علي أنوزلا حاول أدلجة نظرية ميشيل فوكو، وتصرف في أفكاره كثيرا، ربما لإعطاء الانطباع بأن الدول (ة) تستغل الأوبئة لفرض قراراتها القسرية، والحال أن الفيلسوف المفترى عليه قال صراحة إن “الطاعون إنما يقترن برابط طبي وسياسي هو الانضباط”، بل أفرد للسلطة صلاحيات “الاستعراض الكبير للأحياء والأموات”.

    وإذا كان الناس يقولون فيما يزعمون”بأن الكذب على الأموات لا يمكن تفنيده، بسبب هلاك المكذوب عليه”، فإن العكس هو ما حصل تماما في حالة ميشيل فوكو، لأن كتاباته الموثقة تدحض افتراءات المتصرفين كثيرا في أقواله. فالزميل علي أنوزلا اقتبس بعض الأسطر العابرة (في الصفحة 209 من الكتاب) وتصرف فيها بشكل سمج وفج إن توافر لديه القصد، وبضعف مركب في التحليل السياسي حتى لا نقول السذاجة السياسية، إن هو تصرف فيها على سليقته الأولى بدون عمد ولا قصد.

    فصاحب مقالة “الطاعون والسياسة”، زعم بأن “أصحاب الحقوق والقانون يحلمون بالحالة الطبيعية والمنطقية لاحترام القانون، وأهل السلطة يحلمون بقدوم وباء الطاعون لفرض السيطرة التامة على الناس”! وهو استنباط “غير منطقي أو فوق الطبيعة”، وكأن علي أنوزلا يقول للرأي العام بأن أهل السلطة ليسوا بشرا مثلنا، أو أنهم من سكان كوكب آخر من خارج مجرتنا (Visiteurs )، لأنهم بكل بساطة محصنون ضد الجائحة ومعصومون من الأوبئة، لذلك تراهم يستجدون قدوم العدوى والكوفيد-19 لتشعيب سلطتهم وتزخيمها، حسب تعبير ميشيل فوكو.

    لكن “اللامنطق” الظاهر في كلام علي أنوزلا، سرعان ما يتلاشى ويندثر عندما نطالع ما كتبه ميشيل فوكو عن تحديد ممارسة السلطة الانضباطية في زمن الطاعون والأوبئة. فهو يعتقد بأن” المشرعين، لكي يحركوا وفقا للنظرية الخالصة وظيفة القوانين والحقوق، فإنهم يضعون أنفسهم خياليا في حالة الطبيعة؛ والحكام لكي يشاهدوا كيفية عمل الانضباطات الكاملة فإنهم يحلمون بحالة الطاعون. وهكذا في أساس الهيكليات الانضباطية تصلح صورة الطاعون لكل الالتباسات، ولكل الاضطرابات”.

    فميشيل فوكو تحدث عن النظرية الاستشرافية للحكام والسلطة لاحتواء الأوبئة ومنع تفشي الطاعون قبل حدوثه، أي محاكاة الطبيعة والمجرى العادي للأمور لاستباق انتقال العدوى والوفيات، بيد أن علي أنوزلا “تصرف” كثيرا في لفظة “يحلمون” وقام بتقديمها على أنها ” نزوع السلطة التواق لحدوث الوباء”، والحال أن اللفظة التي استعملها ميشيل فوكو كانت للدلالة على التماهي الذهني لاستشراف الآتي، وليس لوسم حالات الحلم الواقعي أو حتى السريري.

    ولم يقتصر علي أنوزلا على الاشتطاط والشطط في “التصرف” في كتاب ميشيل فوكو، وإنما تجاوز المطمح الحالي لمختلف الشعوب والمجتمعات، المتمثل أساسا في النجاة الجماعية أو الخلاص الكبير من جائحة كوفيد-19، وانبرى يتحدث عن مطامع السياسيين والحكام في مرحلة ما بعد الجائحة، التي صورها بشكل سطحي في تقييد الحرية والتنقل، والحال أن حتى الدول الأكثر تقدما تراهن حاليا على تدبير الأزمة الراهنة للخروج من زمن كورونا بأقل الخسائر البشرية والاقتصادية، مع رهانات مستقبلية تصب جميعها في إعادة النظر في سيادية الدولة وتأميم قطاعاتها الحيوية، وذلك وفق التصور الذي حدده ميشيل فوكو للجائحة التي قال إنها “تستدعي تنظيما في العمق للرقابات وأشكال الرصد”.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    ثانوية بطنجة: أجهزة الحاسوب غير متوفرة لأنها ستكلف 58.800 درهم