بوح الأحد: لقاء القمة بين المخابرات المغربية و الأمريكية له ما بعده،
أصيب الطوابرية خلال هذا الشهر بصدمة جعلتهم يلزمون الصمت تجاه بعض القضايا التي احترفوا “التنوعير” وإثارة الشغب “الباسل” حولها. صار الرأي العام يفهم أسباب ذلك وخلفياته، بل أصبح المغاربة يتكهنون مسبقا بموعد خرجاتهم ومضمونها وأساليبها.
سقطت مرة أخرى الأطروحة المتهاوية حول “مرض الملك” و”غياب الملك” والمغاربةُ يعيشون مع ملكهم خلال هذا الشهر الكريم أنشطة وإنجازات، بشكل يومي تقريبا، يقفون من خلالها على أن الملك يحضر دائما في التوقيت المناسب الذي يقتضي حضوره و يوجد في المكان الذي يستدعي وجوده فيه ويعمل في المجال الذي يتناسب مع صلاحياته، وأنه أحرص على التنزيل والتأويل الديمقراطي للدستور، وأنه يضع ضمن أولوياته بناء دولة قانون ومؤسسات تمارس فيها كل مؤسسة اختصاصاتها وتتحمل مسؤولية اختياراتها وسياساتها أمام المغاربة.
اطلع المغاربة من خلال الأنشطة الملكية الرمضانية على الحرص الملكي على الحفاظ على الهوية الدينية والحضارية والطابع الاجتماعي للدولة الذي يرعاه جلالة الملك، واطمأنوا على خاصية الاستمرارية التي تطبع عمل مؤسسات البلاد. هذا ما يغيض المساميم ويجعل بعضهم يلزم الصمت والبعض الآخر يفتعل قضايا للتشويش على استقرار المغرب واستمرارية مؤسساته.
تقتضي الفضيلة من هؤلاء جميعا الاعتراف بخطئهم لو كانوا يتمتعون بالحد الأدنى من أخلاق السياسة ونبل مقاصدها، ويقتضي الصدق مع المغاربة من هؤلاء مراجعة هذه القناعات المبنية على أوهام لدى بعضهم والمؤسسة على ولاءات، مباشرة أو غير مباشرة، لجهات همها إضعاف المغرب وإشغاله عن أهدافه بمثل هذه القضايا المصطنعة.
يتأكد من خلال الحضور الملكي المكثف هذا الشهر أن تُرَّهَات غياب الملك وتدهور صحة الملك عارية عن الصحة ويروج لها من في قلبه مرض أو أصابه عمى البصر والبصيرة أو في أذنيه وقرا فلا يريد أن يسمع أو يرى أو يقتنع إلا بما يخدم أجندة أسياده في الخارج.
يتأكد، كما قلنا في أكثر من بوح سابق، أن محمد السادس الإنسان يمرض ويتعافى وهو ما لا يخفيه عن المغاربة، ويتأكد أن محمد السادس الملك له أسلوب حكم متجدد ومنهجية عمل جديدة تتناسب مع مقتضيات الدستور الذي تم إقراراه سنة 2011 والتطور الذي وصله المغرب والممارسة الديمقراطية داخله. هذه نقطة قوة الملكية في المغرب. هي الأقدر على التأقلم مع التطورات والمستجدات دون التفريط في ثوابت البلد وفي ظل الحفاظ على كل المكتسبات، وهو للأسف ما لم تتمكن منه بالشكل المطلوب، حتى الآن على الأقل، الكثير من المكونات الأخرى لتتلاءم مع ما أتاحه الدستور لها من مساحات وفضاءات. وهذه من معضلات تدبير الشأن العام في بلدنا التي لم يوليها باقي الفاعلين ما تستحق من اهتمام.
قوة الملك محمد السادس تكمن في فهمه للدستور وسبقه في تنزيل مقتضياته لإعطاء القدوة لباقي الفرقاء وتفرغه للاختصاصات التي يتولاها وفق ما هو مسطر دستوريا. الملك يدبر الملفات الاستراتيجية المعهودة إليه وتنزيلها مهمة الحكومة والإدارة العمومية.
التجربة والوقائع تؤكدان أن الملك نجح بامتياز في هذه المهمة لأن مجالات اختصاصه شهدت إنجازات نقلت المغرب إلى موقع القوة الفاعلة ذات الجاذبية والإشعاع القاري والإقليمي والدولي، سواء في المجال الديني أو الدبلوماسي أو العسكري أو الأمني أو في الاختيارات الكبرى التي اتخذتها المملكة والتي ظهرت فائدتها في مناسبات مفصلية. اختصاصات الملك لا تتطلب حضورا يوميا أمام عدسات الكاميرات حتى لا يؤثر ذلك على عمل السلط والمؤسسات الأخرى، بل تتطلب تركيزا وتفكيرا واستشرافا واطلاعا ومواكبة لوضع المغرب في السكة الحقيقية للتنمية.
وحتى لا يبقى الكلام عاما، ولأن بالمثال يتضح المقال، ولأن المناسبة شرط كما يقال، نعرض مثالا واحدا يعكس صواب الاختيارات الملكية ذات البعد الاستراتيجي والتي يحصد المغرب بعض ثمارها اليوم، وتخص مقاربة المغرب المتميزة في تدبير الحرب على الإرهاب والتصدي للتحديات الأمنية.
لقد تميز هذا الأسبوع بحدث لا يخلو من دلالات تؤكد ما سبق وقلناه في هذا البوح وفي أكثر من بوح سابق. إنه لقاء العمل الذي جمع عبد اللطيف حموشي مع وليام بيرنز المدير العام لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. لا شك أن صورة ذلك الاجتماع ستكون غصة في حلق المساميم لأنها بمثابة الكشّاف الذي يفضح ادعاءاتهم حول برودة أو جمود أو تراجع العلاقات الثنائية بين المغرب وأمريكا في ولاية بايدن وفريقه من الديمقراطيين. وأكبر متضرر من هذه الصورة هو سمبريرو الذي يصاب بالجنون في مثل هذه اللحظات وهو يرى تهاوي سرديته الخيالية حول عدم رضا مسؤولة المخابرات الإسبانية عن نشر صورتها مع نظيرها المغربي بدون علمها وكأنها قاصر يفرض هو وصايته عليها أو كأنها هي من همست له بذلك على انفراد ولم تخبر بها غيره.
دلالات هذا الاجتماع الثنائي تكمن في موضوعه وسياقه وتوقيته ومكانه والحاضرين فيه.
انصب موضوع الاجتماع على تقييم الوضع الأمني والمخاطر المرتبطة به إقليميا وجهويا، ودراسة التهديدات والتحديات الأمنية الناجمة عن توتر الأوضاع في بعض مناطق العالم، فضلا عن رصد واستشراف مخاطر التنظيمات الإرهابية، خاصة بمنطقة الساحل والصحراء. هذا يعني أن الإرهاب والأمن أصبحا أولوية في المنطقة وأن المغرب شريك في محاربتهما وتقديرات أجهزته المتخصصة تحظى بالتقدير والتعاون معها صار مطلوبا. هنا تكمن قوة المؤسسة الأمنية في المغرب لأنها استطاعت تطوير مقاربة ناجعة وتقديم معلومات دقيقة جنبت مناطق كثيرة في العالم مخاطر عمليات كان يمكن أن تقلب المعادلة الدولية وتغير ميزان القوى لو نجحت لا قدر الله.
سياق الاجتماع مهم للغاية لأنه يعكس أن العلاقة الثنائية بين البلدين ليست ظرفية أو مناسباتية ولكنها صارت مطبوعة باستمرارية بناء على التزامات يتطلب النجاح في إنجازها تنسيقا دائما، ولذلك لا يمكن عزل اجتماع الرباط عن اجتماعات يونيو 2022 بمناسبة زيارة عبد اللطيف حموشي لأمريكا ولقائه قادة كل المؤسسات الأمنية هناك بدءا من أفريل هاينز مديرة أجهزة المخابرات الأمريكية، ووليام بورنز مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وكريستوفر راي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي. لقاء الرباط إذن كان أساسا مناسبة لمتابعة تنزيل مخرجات لقاء واشنطن. وهو ما يؤكد أن العلاقات انتقلت إلى مستوى أكبر من تبادل زيارات مجاملة أو الحديث حول عموميات.
توقيت الاجتماع لا يخلو من دلالة كذلك، ويمكن فهمها من خلال التسريبات الأخيرة لوثائق وزارة الدفاع التي اعتبرها بورنز تسريبا مشؤوما يؤسف له شديد الأسف لأنه طال مستندات مصنفة على أنها سرية ولذلك يلزم أن تستفيد منه أمريكا الدرس وتشدد إجراءاتها الأمنية على مثل هذه الوثائق. أمريكا تبحث بجدية عن تأمين وضعها وهذا ما جعل بورنز الاستخباراتي الأول فيها يصرح بأن نفوذ بلاده يشهد فترة من التغيير والتحول في ظل اتساع نطاق المنافسة مع الصين وروسيا وأن وضع بلاده “على رأس الطاولة غير مضمون” رغم إقراره بأن “واشنطن لا تزال لديها أفضلية للتغلب على منافسيها”، إلا أنها “لم تعد الفتى الكبير في الكتلة الجيوسياسية”.
تستحق الندوة التي تحدث فيها بورنز حول هذه القضايا بمعهد بيكر للسياسة العامة التأمل العميق في مضمونها، وهو يتحدث عن الأدوار المطلوبة من المخابرات الأمريكية في المستقبل والتحديات التي تعترضها، وهو يؤكد بأن “هذا الوضع يفرض تحديات للدبلوماسيين ومسؤولي الاستخبارات لسنوات مقبلة”، وأن “وكالة الاستخبارات المركزية تعمل على التعاطي مع هذه التحديات” مؤكدا على الدور المحوري لوكالة المخابرات الأمريكية في توفير المعلومة لصانع القرار الأمريكي.
التذكير بمضمون تلك الندوة وأهميته موجه لأصحاب أسطوانة الدولة البوليسية والبوليس السياسي ليفهموا أن أول ما تستهدف به الدولة لإضعافها وشلها هو أمنها. التحديات في المستقبل ترتبط أساسا بالمخاطر الأمنية وتأمين الدول من الاختراقات لسيادتها ومن أعمال العنف والإرهاب وبتوفير المعلومة الصحيحة والكاملة وبشكل استباقي لصانع القرار. التحدي الأكبر في المستقبل هو قدرة كل دولة على تشبيك علاقاتها مع أكبر عدد من الدول المؤثرة والناجحة في توفير ما يلزم لمواجهة هذه التحديات وهذا ما تبحث عنه أمريكا من خلال هذا التعاون مع المغرب وغيره. والأحمق من يتبع أمثال المعطي وزيان اللذان تحركهما مصالحهما وتأمين امتيازاتهما أكثر مما يهمهما مصلحة المغرب وأمن المغاربة. كم كنت أتمنى أن ينقل زوار زيان هذه التصريحات ليتذكر هرطقاته حول حل البوليس السياسي وأن يكتب المعطي حولها وأن يستخرج منها باقي الطوابرية العبر. للأسف، أصابهم الخرس وكأنهم صم بكم غير معنيين بالاعتذار للمغاربة عما اقترفوه من تصريحات متسرعة وعشوائية.
قيمة اجتماع الرباط تكمن كذلك في الحاضرين أشغاله. حضر بورنز مدير وكالة المخابرات الأمريكية مرفوقا ببعض من كبار مساعديه وكذا السفير الأمريكي بالمغرب. وبورنز يستمد قوته ليس فقط من صفته المهنية كمدير لمخابرات أقوى دولة في العالم ولكن من خلفيته البحثية كذلك كرئيس لأحد أكبر مراكز التفكير في العالم، أي مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وكذا من تجربته العملية منذ عقود في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي تجعله أكثر الأشخاص دراية بالملف في إدارة بايدن. ولذلك فزيارته للمغرب ولقاؤه بنظيره المغربي وإثارة تلك القضايا شهادة على القيمة والمكانة والسمعة التي لعبد اللطيف حموشي عالميا في مجال تخصصه، سواء إدارةً أو تخطيطا أو تنفيذا أو استشرافا. في مثل هذه المناسبات نكتشف سر إصرار هذا الرجل على الصمت وعدم الانزلاق إلى الانشغال بغير ما هو مكلف به لأنه يعي جيدا أن خير ما يتحدث عن كفاءته هو إنجازاته وشهادات الكفاءات العالمية في عمله من أمثال هذه اللقاءات.
المتضرر الأول من هذا النوع من اللقاءات هو الدولة العميقة في فرنسا التي تكتشف فشل رهانها على إضعاف المغرب وفشل استثمارها في تسميم الأجواء بين البلدين وخطئها في رعاية نشر حوارات مع رموز الإرهاب ومنظماته والتورط في شبهة عقد صفقات معهم للإفراج عن رهائن مقابل فدية أو تلميع صورتهم. يكتشف الفرنسيون ضعف من أوكلوا إليهم قيادة الدولة وهم يخلقون العداوات المجانية مع حلفائهم ويخسروا مناطق نفوذهم التقليدية، ويكتشفون كذب قيادتهم التي تختبئ وراء جولات مكوكية استعراضية بحثا عن السراب ولتغطية العجز بحركية ماكرون خارج فرنسا بدون نتائج. أمام الفرنسيين النموذج الأمريكي الذي يبرمج خطوات عملية ملموسة بعد تشخيصه لميزان القوى في العالم. تحدث بورنز في ندوته أن “الولايات المتحدة لم تعد الدولة الكبرى الوحيدة على الساحة اليوم لكن لا تزال لها اليد الطولى قياسا بمنافسيها الدوليين”. لذلك تبحث أمريكا عن توسيع شراكاتها وتتجنب صناعة أعداء بالمجان ويتحرك قادتها في العالم بعقلانية وبنتائج ملموسة. بالمقابل، يترك ماكرون فرنسا تغلي في الداخل بسبب مقاربته المنفردة والمتسرعة في تدبير شأن يهم كل الفرنسيين ويرهن مستقبلهم في العقود القادمة ويهرب إلى الخارج بحثا عن مكان تحت الضوء يخرجه من العتمة التي وضع نفسه وبلده فيها. يبحث ماكرون عن مكانة واستقلالية لأوربا لتقليص الاعتماد على أمريكا في القضايا الدفاعية ويتناسى أنه يصيب أوربا في مقتل حين يضعف الدولة الفرنسية ويجعلها منقسمة على نفسها ومنشغلة بقضاياها الداخلية أكثر من انشغالها بدورها الدولي.
تشكل طريقة ماكرون في إدارة فرنسا أكبر نقط ضعف أوربا بعد البريكست، ومنطقه المهووس حد الجنون بمنافسة أمريكا يضعف أوربا أكثر مما يقويها، وخساراته لمناطق حساسة في الصراع الدولي تضعف أوربا أكثر من كل ما سبق.
في ظل هذا النجاح المغربي والاستعصاء عن الانصياع والتبعية العمياء تسلط الدولة العميقة أبواقها الدعائية مرة أخرى ضد المغرب بنشر الأباطيل والأراجيف والكذب.
لم تخرج تلك المنابر الكذابة من ورطتها التي وضعت نفسها فيها بالافتراء على المغرب وادعائها امتلاكه لبيغاسوس واستعماله لأغراض تجسسية حتى تورطت في جريمة أكبر منها.
لن تهضم تلك المناشير الدعاوي التي رفعها المغرب ضدها لمطالبتها بالدليل عملا بقاعدة “البينة على من ادعى”، ولن تستسيغ الحرج السياسي والمهني والأخلاقي الذي وضعت نفسها فيه وهي تستنجد بشكليات قانونية عتيقة انتصر لها القضاء الفرنسي رغم أن خطورة التهم والانزلاقات المهنية لتلك المنابر كانت تستدعي مطالبتها على الأقل بالأدلة أو تتطلب من تلك المنابر تأكيد مصداقيتها أمام الرأي العام بعيدا عن أحكام القضاء بنشر أدلة الاتهام التي تتوفر عليها. تنفست تلك المنابر الصعداء هذا الأسبوع وهي تتلقى قرار محكمة الاستئناف في باريس بعدم قبول دعاوى التشهير التي رفعها المغرب ضدها عام 2021 لأسباب شكلية لا علاقة لها بالموضوع. وهذه مناسبة للتأكيد على أن هذه الشكليات التي تعود لسنة 1881 لا تبرئ ذمتها ولا تعفيها أمام الرأي العام من نشر الأدلة والحقيقة. لقد نجح المغرب في كشف كذب هذه المنابر والمنظمات وعدم توفرها على أدلة وإلا فما كانت أن تسمح لنفسها بهذا الحرج الذي وضعت فيه وهي تختبئ وراء تلك الشكليات.
آخر سقطات الدولة العميقة في فرنسا وأذرعها الدعائية حول المغرب ما نشرته لوفيغارو بدون مناسبة تستدعي ذلك، حيث خصصت في عددها ليوم 10 أبريل صفحتين حول المغرب مليئة بالأخبار المتقادمة والمستهلكة والمغلوطة والمسمومة على مدار صفحتين ثم أضافت للمنشور المكتوب فيديو مصورا ترويجيا للمحتوى. مشكلة أشباه الصحفيين الفرنسيين هو أستاذيتهم بدون استحقاق، حيث يتحدثون عن المغرب ولم يخبروه جيدا كما هو حال مقترف منشور لوفيغارو تيري أوبيرلي الذي لم يزر المغرب لأكثر من عقدين واكتفى بزيارة يتيمة جمع فيها حطب الأخبار المستهلكة ليضعها في خدمة مصالح الدولة العميقة في فرنسا، وهو ما استدعى من الجريدة تصحيح أخطاء فاضحة بعد ساعة من النشر حفظا لماء وجه فقد مصداقيته بعد تلك الأخطاء البدائية التي لا يسقط فيها صحافي مبتدئ.
فقد هذا النوع من وسائل الدعاية الفرنسية جاذبيته أمام القراء المغاربة لأنه انفضح زيفه وانكشف انحيازه وأصبح متاحا للمغاربة معرفة أحوال وأخبار بلدهم من منابر مهنية أخرى، سواء في الداخل أو الخارج، ولم يعد التجاؤه لمن يسميهم خبراء في الشأن المغربي ينطلي على المغاربة بعدما اكتشفوا أنهم مساميم ومنخرطين في أجندات معادية لمصالح المغرب وباعوا ذممهم لمن يدفع أكثر ويؤمن لهم امتيازاتهم. لذلك لا يستغرب المتابع لهذا الإعلام اللجوء إلى الأسلوب الترويجي المصور لجذب الانتباه والرفع من عدد الزوار.
لن ينفع الأسلوب التبريري في دغدغة مشاعر الفرنسيين والمغاربة كما حرصت على ذلك لوفيغارو ودسته بين ثنايا صفحتيها وهي تسرد خطوات حسن نية فرنسا تجاه المغرب لأن الخطوات العملية العدائية ضد المغاربة هي الأكثر. كيف يمكن للمغاربة أن يتناسوا الأضرار التي لحقتهم من جراء الخفض غير المبرر للتأشيرات في حقهم؟ كيف للمغاربة أن يتناسوا الاتهامات المجانية للمغرب بشأن التنصت على ماكرون وعدم الاعتذار بعد ثبوت خطأ هذه الادعاءات؟ كيف يتناسى المغاربة الترحيب الذي لقيه مطلوبون أمام العدالة المغربية في فرنسا التي سمحت أن تجعل من ترابها قلعة لأعداء المغرب؟ كيف يمكن للمغاربة نسيان الاستقبال الذي حظي به ممثلو الجبهة الإرهابية في مؤسسة فرنسية رسمية؟
سقطة أخرى لا تقل عنها وقاحة تلك التي ارتكبتها وكالة الأنباء المملوكة للدولة العميقة والمنسوبة خطأ للدولة الفرنسية حين تعسفت على مضمون تقرير مختبر سيتيزن لاب فنشرت بأن المغرب اقتنى من إسرائيل برنامج تنصت جديد اسمه “كوا دريم” مع أن هذه الجملة غير موجودة في التقرير الذي لم يشر بالاسم إلى المغرب كدولة اشترت هذا البرنامج بل أدرجه مع أندونيسيا ضمن الدول التي عرضت عليهما الشركة الإسرائيلية المنتجة للبرنامج خدماتها دون الإشارة إلى بيع أو شراء أو قبول لهذا العرض.
لماذا تلجأ وكالة الأنباء الفرنسية “العريقة” إلى الكذب؟ لماذا تتعمد هذا التغليط؟ من يحاسبها على هذه الأخطاء؟ لماذا تستهدف المغرب بهذه الطريقة البشعة والبدائية والمفضوحة؟
السبب وحيد ولا ثاني له. أصبح المغرب غصة في حلق ذوي الأطماع الاستعمارية الذين لم يستيقظوا من أحلامهم، ولم يستسيغوا النجاحات المغربية، ولم يرضوا بالتعامل الندي للمغرب معهم، ولم يجدوا في جعبتهم قضايا حقيقية ينالون بها من المغرب فاضطروا إلى نسج الأكاذيب رغم علمهم أنها مكشوفة. مبدأ هؤلاء أن تكرار الكذب يمكنه أن يجعل الرأي العام يصدقه.
يخطئ محركو هذه المنابر الدعائية التقدير لأنهم لا ينتبهون أن هناك إعلام مغربي وأجنبي ينقل الحقائق كما هي، وأن الزمن تغير ولم يعد الوصول إلى مصادر الخبر صعبا ومستحيلا. وهكذا تتحول هذه المنابر إلى أضحوكة أمام الرأي العام الوطني والدولي وتفشل دعايتها السوداء ولا تنال من المغرب شيئا بقدر ما تفضح فشل الدولة العميقة في فرنسا ومن يحكم باسمها.
وحين تفشل الدولة العميقة في تحقيق أهدافها تستعين بخدام المناولة من أمثال نظام العسكر.
أصبح تبون، المهووس بولاية قادمة، مستعدا لارتكاب كل الحماقات لإثبات أحقيته بخدمة مصالح شنقريحة ورفاقه. آخر هلوساته حوار مع الجزيرة بودكاست صال فيه وجال دون حسيب أو رقيب طالما أن الجزيرة انتدبت لمحاورته صحفية جزائرية خادمة للكابرانات. وهذا أول خطأ مهني ترتكبه القناة متعمدة لأن الحوار كان تحت الطلب وخدمة مسبقة لتبون الذي التقت مصالحه ظرفيا مع مصالح القائمين على القناة ورغبتهم في تسميم الأجواء العربية ونحن على أبوب قمة عربية تحتضنها السعودية الشهر القادم، والعادة أن تتحرك جهود المصالحة والتسوية قبل أي قمة مرتقبة. تبون بهذه التصريحات يؤكد انتصاره لسياسة العداوة وتمزيق الصف العربي لأنها هي التي تبرر استمراره وتخدم مصالح الكابرانات الذين يستحيل تأمينهم للاستمرار في الحكم والحفاظ على امتيازاتهم بدون اصطناع عدو. وهذا ثاني خطأ ترتكبه الجزيرة التي تؤكد أنها قناة تزرع الشتات والفرقة بين العرب.
مكنت الجزيرة تبون من منصة أطلق فيها الاتهامات يمنة ويسرة بدون ذكر الأسماء والتواريخ والوقائع وبصيغة المبني للمجهول تهربا من المسؤولية وتجنبا للمتابعة. وهذا هو الخطأ الثالث الذي سقطت فيه القناة وأكدت فيه أنها أبعد عن أبسط الشروط المهنية. لماذا يلجأ تبون للحديث بالمرموز؟ لماذا يلزم الصحفية أن لا تطلب منه ذكر أسماء من يتهمهم؟ لماذا تستجيب له الصحفية؟
هذه بعض الأسئلة التي تؤكد أن الدافع إلى الحوار ليس مهنيا وأنه حوار تحت الطلب أو لنقل أنه خدمة يسديها تبون لقطر والجزيرة وفرنسا ضد المغرب.
ظل المغرب هو الحاضر الغائب في كل فقرات تبون. المغرب حاضر كهاجس في عقله وتفكيره رغم أنه غائب عن لسانه. تبون زاد إلى أمراضه مرض نفسي اسمه “المغربوفوبيا”، وهو مرض يجعله يخترع الاتهامات رغم أنه عقله لا يصدقها. اتهام تبون للمغرب، باسم البلد المجاور، بدعم منظمات إرهابية تستهدف مسؤولين جزائريين خدمة خبيثة للدولة العميقة في فرنسا يراد بها التشويش على نجاحات المغرب في التصدي للإرهاب والجريمة والاتجار في الممنوعات. الرد عليه وعلى من كلفه بتلك المهمة جاءه بعد ساعات قليلة من لقاء الرباط بين بورنز وحموشي. وصلت الرسالة لقصر المرادية بسرعة البرق.
لن تنجح هذه المؤامرات في إيقاف القطار المغربي أو تحويله عن سكته أو الحد من سرعته لأنه يعرف وجهته جيدا واختار لقيادته من يحسن القيادة ومحصن داخليا وخارجيا من أمثال هذه الدعايات السوداء.
نلتقي في بوح قادم.