المغرب مهد البشرية.. رمال الدار البيضاء وجبال “إيغود” تعيد كتابة “تاريخ البشرية
المغرب مهد البشرية.. رمال الدار البيضاء وجبال “إيغود” تعيد كتابة “تاريخ البشرية
شوف تيفي
طارق عطا
لم يعد من قبيل المبالغة القول إن خريطة الوجود البشري باتت تُنقح اليوم في المختبرات المغربية وعلى رمال شواطئ الدار البيضاء. ففي منعطف تاريخي حاسم، أعلن فريق دولي من كبار الباحثين عبر مجلة “Nature” (يناير 2026)، عن اكتشاف بقايا بشرية في ” مغارة البقايا البشرية ” بمقلع “طوما 1″، لتدق هذه الحفريات المسمار الأخير في نعش النظريات القديمة التي حصرت منشأ البشرية في بقعة جغرافية ضيقة، وتؤكد بصوت مسموع: المغرب مهد عالمي للبشرية.
هذا الاكتشاف الجديد لا يأتي من فراغ، بل هو قطعة “البازل” المفقودة التي تكمل الصورة التي بدأت تتشكل قبل سنوات. فإذا كانت الدار البيضاء اليوم تهدينا بقايا بشرية تعود لـ 773 ألف سنة، فإنها بذلك تمد جسراً زمنياً مذهلاً نحو الاكتشاف الملحمي الذي شهده المغرب سابقاً في “جبل إيغود” (نواحي مراكش-آسفي).
في “إيغود”، عثر العلماء على بقايا “الإنسان العاقل” (Homo sapiens) التي تم تأريخها بـ 300 ألف سنة، وهو الاكتشاف الذي أطاح بفرضية “المنشأ الوحيد في شرق إفريقيا” (إثيوبيا)، وأثبت أن المغرب كان يحتضن أرقى أشكال التطور البشري قبل أي مكان آخر في العالم. واليوم، يأتي مقلع “طوما 1” ليخبرنا أن هؤلاء “العقلاء” في إيغود، كانت لهم جذور أقدم في الدار البيضاء، تعود لما يقرب من مليون عام.
تكمن عبقرية الاكتشاف الأخير في مقلع “طوما 1” في كونه يوثق “اللحظة الصفر”؛ تلك الفترة الحاسمة التي انقسمت فيها السلالات البشرية. فالبقايا التي شملت فكوكاً وأسنانًا، ليست لمجرد كائن قديم، بل هي لمجموعات بشرية تجمع بين خشونة “الإنسان المنتصب” وبين الملامح المبكرة لـ “الإنسان الحديث”.
بفضل دقة التأريخ المغناطيسي (انعكاس ماتوياما-برونهس)، أصبح لدينا دليل مادي على أن المغرب كان “مختبر الحداثة” الأول. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يعيش تخبطاً جينياً، كانت أرض المغرب تشهد بزوغ السلالة الإفريقية التي ستسود العالم لاحقاً. هذه النتائج تؤكد أن شمال إفريقيا لم يكن مجرد طرف قاري، بل كان “القلب النابض” الذي ضخ الدماء الأولى في عروق نوعنا البشري.
إن القيمة الحقيقية لكون المغرب مهداً للبشرية لا تكمن في العظام فحسب، بل في “الاستمرارية الثقافية”. فالموقع الجغرافي الفريد للمغرب، بجباله وسواحله التي كانت في فترات مطيرة واحات خضراء، جعل منه “جسراً بيئياً” يربط القارة الإفريقية ببقية العالم.
اللقى الأثرية في “طوما 1″ و”إيغود” لا تكتفي برسم شكل الوجه والجسد، بل تروي قصة ذكاء بشري متطور؛ من خلال صناعة الأدوات الحجرية الأشولية المعقدة، والقدرة على التكيف مع المناخات المتقلبة. إنه اعتراف دولي بأن المغرب لم يكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كان صانعه الأول، حيث تلاقحت الجينات وتطورت العقول لتعطي للعالم في النهاية.. “الإنسان”.
بفضل التعاون المثمر بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP) والشركاء الدوليين من معهد “ماكس بلانك” وكوليج فرنسا، يتحول المغرب اليوم إلى “مكة” للباحثين في الأنثروبولوجيا. إن كل حفرة في الدار البيضاء، وكل مغارة في نواحي مراكش، تحمل في طياتها جزءاً من هويتنا الجماعية، مؤكدة أن “سفر الخروج” البشري نحو العالم، انطلق من هذه الأرض المباركة.
