بوح الأحد: عاش الملك، كأس الكان بطعم مغربي خالص، شكرا لكل الأبطال…
بوح الأحد: عاش الملك، كأس الكان بطعم مغربي خالص، شكرا لكل الأبطال، تمغرابيت في أزهى فتراتها و إلى نهائي كأس العالم و ترامب يعلن خريف الإخوان في مصر و الأردن و لبنان و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
شكل البلاغ الرسمي، الذي أعلن من خلاله الطبيب الشخصي للملك أن جلالته يعاني من ألم في أسفل الظهر مع تشنج عضلي دون أي علامة تدعو إلى القلق، لحظة أخرى من لحظات إبطال سحر الطوابرية. أكد البلاغ مرة أخرى أن صحة الملك تعني كل المغاربة وأن إخبارهم بمستجداتها حق من حقوقهم ويتعامل معه الملك شخصيا بهذه المقاربة، ولذلك فهو اختار منذ مدة طويلة أن يكونوا على اطلاع على وضعه الصحي أولا بأول وفي الوقت المبكر ومن مصدر المعلومة الأساسي دون حاجة للجوء إلى مصادر أخرى.
يندرج هذا البلاغ ضمن سلسلة بلاغات سابقة، وهو جزء من أسلوب تواصلي رسمي ومؤسساتي لا يتعامل مع صحة الملك بصفتها سرا من أسرار الدولة، كما لا يترك هذا الأسلوب الحبل على الغارب لهواة الاصطياد في الماء العكر الذين ينتعشون في الطفيليات وجعل الأخبار الملكية مادة دسمة للشائعات والأخبار الزائفة.
لم تعد الإثارة التي تعودها بعض من “الإعلام” الفرنسي والإسباني تستهوي المغاربة، وفقدت مصداقيتها أمام كم الأكاذيب التي سقطت فيها حول أخبار الملك والقصر والعائلة الملكية، ولم يعد لتلك المنابر زبائن حتى من هذه الدول التي صارت على علم بخسة أساليبها في الابتزاز وخدمة الأجندات وفق قواعد لا علاقة لها بمهنة الصحافة وقدسية الإخبار.
في الوقت الذي تحاول فيه هذه المنابر الدعائية تصوير الملك في وضع صحي حرج يتابع فيه العالم سيرا عاديا ومستمرا لمرافق الدولة ومؤسساتها، وأداء جيدا لها، فيستغربون من هذه الشائعات التي تتكرر منذ أكثر من عشرين سنة دون أن يكون لها نصيب من الصواب وحد أدنى من الصحة.
الملاحظ دائما أن الأسماء والمنابر نفسها التي احترفت الاتجار في هذا الموضوع، وهي نفسها التي لا شغل لها سوى قيادة الحملات ضد المغرب في أوقات ذروة نجاحه، وهي نفسها المعروفة بموالاة أنظمة معادية للمغرب وخدمة سياساتها.
لا يستوعب هؤلاء أن في المغرب دستورا قسم الصلاحيات وعزز فصل السلط، وفيه ملك أثبت أنه الأحرص على تفعيل مقتضيات الدستور، ويترك لكل سلطة القيام بمهامها، ويقوم هو بمهامه والتي يرى فيها المغاربة إنجازات غير مسبوقة تصيب بالخرس. والأكثر أن هذه المنابر ومن يقف خلفها لا يريدون لهذه الصورة أن تنتشر عن المغرب كدولة حق وقانون ومؤسسات.
مباشرة بعد صدور البلاغ لاحظ العالم كله اطمئنانا وسط المغاربة بما يؤكد متانة الروابط بين الملك وشعبه. المغاربة يدعون للملك بدوام الصحة وموفور العافية. المغاربة تلقوا البلاغ بالتصديق لأنهم يثقون في مؤسسات الدولة ويرون بأم أعينهم أن البلاد تسير بشكل طبيعي ولأنهم تعودوا الصدق دائما من الديوان الملكي ولم تثبت السنوات السابقة إلا ذلك وبالمقابل بينت أن محترفي الإشاعات غارقون في الكذب والدجل. المغاربة قرؤوا البلاغ جيدا وميزوا بين صحة الملك التي لا تدعو للقلق وبين حاجته إلى فترة راحة وظيفية للعودة إلى عمله بالأسلوب الذي حقق كل الإنجازات التي راكمها خلال سنوات حكمه وفي احترام للدستور الذي ارتضاه المغاربة قانونا أسمى للبلاد.
متمنياتنا لجلالة الملك بدوام الصحة والسلامة والعودة إلى نشاطه لأن دوره مهم جدا فهو رمانة ميزان الدولة الذي يضبط حركة كل المؤسسات على إيقاع يساير انتظارات المغاربة ويلبي حاجياتهم، ويتأكد يوما بعد آخر أن حضوره ضروري لاستكمال صرح بناء مغرب الألفية الثالثة الذي أوجد له مكانا في هذا العالم الذي لا مكان فيه إلا للأقوياء.
لا أخفي قراء هذا البوح أنني كلما حاولت تجنب الحديث عن بطولة الكان يفرض الحدث نفسه بما يكشفه من نجاحات وما ينتجه من أخبار وشهادات ومستجدات يتشابك فيها حسن التنظيم مع الأداء المبهر لمنتخب مغربي أثبت أنه كتيبة مجندة من أجل المغرب ولإسعاد المغاربة. تستمر ملحمة الكان التي يكتبها المغاربة جميعا -دولة ومؤسسات ولاعبين وشعبا- بمداد لن يمحوه الزمن. هي دورة الأرقام القياسية كما تشهد بذلك الإحصاءات التي تتصدر وسائل الإعلام، سواء عدد الأهداف أو المتابعات أو ما شابه. الرقم الأكثر دلالة هو الذي صدر عن “DM SPORT”المنصة المتخصصة في الإحصاءات الرياضية حول مباراة النصف النهائي بين المغرب ونيجيريا والتي قارب عدد من شاهدها عبر الشاشات ومنصات البث حول العالم 200 مليون مشاهد وهو ضعف أهم عدد سجل في دورة 2023 بما يقارب 100 مليون مشاهدة.
ما يقدمه المغرب في هذه النسخة من البطولة الإفريقية يضعها في خانة “دورة الأحلام” غير المسبوقة، والتي رفعت أسهم القارة الإفريقية كلها في بورصة الكرة العالمية لأن المستفيد الأول من الدورة هي القارة باتحاداتها ولاعبيها ومدربيها وجمهورها.
طيلة شهر تقريبا، استمتع العالم بدورة قارية بمواصفات عالمية الجودة، تنظيما وتغطية وأداء وتشجيعا، وفرت لعشاق الساحرة المستديرة أطباقا كروية لا تختلف عما يتابعه في كبرى البطولات الدولية لأن المغرب كان دولة في مستوى الثقة التي منحت له فوفر بنية استقبال للمشاركين فيها كل متطلبات الراحة، وملاعب كروية ساعدتهم على الإبداع الكروي، ونموذجا تنظيميا ظل العالم مشدوها أمام دقته وعدم تركه أي تفصيل من تفاصيل النجاح وجمهورا أضفى إبداعه في الملاعب وخارجها رونقا خاصا للبطولة مقارنة مع سابقاتها.
أصبح المغرب خلال دورة الكان قبلة لدول ذات صيت عالمي في تنظيم المسابقات الرياضية للاستفادة ومعاينة أسرار هذا النجاح، وآخر مثال هو زيارة وفد يمثل المملكة المتحدة للاطلاع على تجربة تأمين مباريات هذه البطولة، وقد عاين هذا الوفد مباشرة مباراة نصف النهاية الثانية والإجراءات الأمنية المصاحبة لها، وزار مركز التعاون الأمني الإفريقي الذي كان بحق تجربة ناجحة ساهمت في تحقيق تنسيق غير مسبوق بين المؤسسات الأمنية لمختلف الدول المشاركة في الدورة، وقد أقيم لأول مرة في دورات الكان.
حالة الرضى عن الاحتضان والتنظيم كانت عامة ومتواترة مع استثناء دولة جندت كل “دراريها” و”بيادقها” للتشويش على هذا القبول العالمي والانبهار بالتنظيم وحفاوة الاحتضان ولكنها لم تحصد إلا الفشل الذريع.
فشل إعلام هذه الدولة وأدواتها في النيل من المغرب، وعجز عن تفسير أسباب إقصائه للشعب فلم يجد غير اللجوء بشكل بئيس إلى أسطورة “السحر” و”الشعوذة” مع أن من تابع مباراة إقصائه تأكد من النتيجة من بداية المقابلة. للأسف لا تنظر هذه الدولة إلى نجاح شهد به العالم كله بعين الرضى وتناطح الحقيقة ظنا منها أن باستطاعتها تزييفها بمنابرها الكاسدة التي ألفت نشر الأكاذيب على شعبها وتنتظر من العالم أن يكذب ما تراه عيناه ويصدق أراجيفها.
السعار الجزائري بلغ مداه بعد إقصاء عادي ومنتظر وربما تأخر مقارنة مع قوة المنتخبات المشاركة في الدورة، والأغرب هو تحميل المغرب المسؤولية عوض توجيه الشكاية للكاف وسلك طرق الطعن المعتمدة وانتظار البت فيها، وسينال كل ذي حق حقه وليست هناك ضرورة لإقحام المغرب في مشاكل لا علاقة له بها سوى محاولة التشويش على نجاح الدورة وهو ما انتبه له الجميع ولم يسقطوا في الفخ وتركوا إعلاما يعيش في عالم موازي خيالي غارقا في أحقاده وأراجيفه التي لم يعد يصدقها شعبه وهجره لرؤية الحقيقة التي تنقلها القنوات والشبكة العنكبوتية.
مشكلة ساكن قصر المرادية ومن يتحكم فيه ليست الإقصاء في حد ذاته فهذه هي كرة القدم التي تتضمن دائما رابحا وخاسرا، وهي رياضة أول ما يجب أن يتحلى به كل من له علاقة بها هو الروح الرياضية التي تتطلب تقبل الخسارة كما الانتصار. أكبر مشكلة عند هذا النظام هي شعبه الذي رأى بأم عينيه المستوى المتقدم الذي بلغه المغرب رغم فارق الإمكانيات المالية التي بين البلدين بينما هم لا يزالون ببنيات رياضية وطرقية وفندقية مهترئة. الشعب يرى حسن تعامل المغاربة وحفاوة استقبالهم لهم ويتابعون كذلك حجم الإساءات التي تصدر من بعض “المرضى” الذين يسيؤون لهم أكثر من إساءتهم للمغرب. الشعب يرى حالة الحقد التي صار عليها إعلام تضليلي يتجاهل الحقيقة ويروج للأكاذيب، ويحترف تعليق فشل فريقهم في المغرب ويصوره بالدولة “السوبرمان” التي تتحكم في الكاف والفيفا وحتى الجن والشياطين.
منتخبات عملاقة بتاريخها ولاعبيها وطواقمها تعاملت مع الإقصاء بروح رياضية واعترفت بأنها لم تكن في يومها ولم تنسب فشلها للتحكيم أو الكاف أو نظرية المؤامرة بينما هؤلاء أرادوا بهذه الاتهامات الباطلة صرف نظر الجزائريين عن تحريك المحاسبة لمسؤولي السياسة الرياضية المتسببين في فشلهم وإخفاقهم.
حالة السعار التي أصابت هؤلاء غير مبررة وستكون لها نتائج وخيمة عليهم ولن تبرر خسارتهم المذلة وأداءهم الباهت، ولن تغطي عليها تلك “البلطجة” التي احترفها بعض المأجورين الذين سيؤدون ثمنها وفق ما يقتضيه القانون وتتطلبه العدالة الناجزة ولن يفلت من العقاب كل من أراد الإساءة للمغرب ولهذه الدورة كائنا من كان.
من أهم الأرقام التي تحمل دلالات كثيرة وتبعث برسائل لجهات عديدة الرقم المتعلق بأعداد من تابعوا مباريات الكان في الملاعب. تجاوز العدد المليون و500 ألف متفرج وهو رقم غير مسبوق في دورات الكان. إنه مؤشر قوي على أن احتضان البطولة في المغرب استجاب لحاجة شعبية تؤكدها تلك الأعداد الكبيرة التي تتابع المباريات في الساحات العامة في أجواء احتفالية غير مسبوقة.
مما أضفى على هذه الدورة طابعا خاصا نجاح الفريق المغربي اللافت أداءا ونتيجة وقتالية. استأثرت مباريات المغرب باهتمام جماهيري كشف للعالم عشق المغاربة للكرة ولمنتخبهم ولمغربهم. مباراة ربع النهائي ضد الكاميرون بلغ عدد مشاهديها في الملعب 64178 متفرجا وهو رقم قياسي في الدورة سرعان ما تم تحطيمه برقم بعد أيام إذ بلغ عدد متابعي مباراة النصف 65458 متفرجا وهو كذلك رقم مرشح للتحطيم مساء هذا اليوم. هل هذه الأرقام عادية؟ ألا تحمل دلالات؟
لا أحتاج التذكير بأن هذه الأعداد لا تمثل إلا عينة من المغاربة الذين بذلوا مجهودا للحضور ولكن لم تسعفهم الظروف ولم يستطيعوا ذلك بحكم العدد المحدود للتذاكر، ولكن هذا الرقم شكل صدمة لأولئك الذين رفعوا زورا وتضليلا شعارات ضد الدورة وكانوا يطالبون بالصحة والتعليم وكأن تنظيم بطولة كروية يعني عدم اعتراف بضرورة الصحة والتعليم وغيرها من الأوراش الأخرى التي تتحقق فيها كذلك إنجازات.
والصدمة الأكبر هي صور كثير من قادة الأحزاب التي كانت في الملعب خلال هذه الدورة أو نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي والتي تدل على أنهم اكتشفوا خطأهم ويحاولون كعادتهم الاستدراك دون تقديم اعتذار للمغاربة عن أخطائهم. لا مصلحة في ذكر الأسماء ونشر صورها في هذا البوح والحديث عن السياقات، ولكن ما أتمناه هو أن يستفيق “مغفلو زد” من سباتهم ويتابعوا هذه الصور ويستوعبوا حجم المقلب الذي تعرضوا له حيث ساقهم بعض من ذوي المصالح الانتهازية إلى المقصلة بينما هم اليوم ممن يتسابق للحصول على تذاكر الحضور وارتداء القميص الوطني والتباهي بتشجيع المنتخب الوطني وكأنه لم يكن من أولئك الذين “صدعوا” رؤوس المغاربة ب “مابغيناش كأس العالم”.
اليوم هؤلاء مطالبون بمراجعة ما قالوا قبل أي شيء آخر، والتأكد من أن المغاربة لن يغفروا لهم تلك الأساليب التي دفع ثمنها شباب مغفل استدرج لخدمة أجندات لا مصلحة لهم فيها.
الصدمة الثالثة هي ملايين المغاربة الذي خرجوا بشكل تلقائي إلى الفضاءات العامة في منتصف الليل للاحتفال بنصر أحسوا بقيمته واستحق منهم ما يشبه الليلة البيضاء احتفاء بأسود الميدان الذين كسبوا معركة رياضية وقدموا درسا في الوطنية والاستماتة في الدفاع عن القميص الوطني.
لقد كشفت هذه البطولة وهذا النجاح المغربي مأساة جزء من النخبة التي ما تزال تتعامل مع التحولات المجتمعية بعقلية قديمة ولا ترى في الرياضة إلا مخدرا أو لهوا أو تزجية فراغ، وحتى إن تطور وعيهم فهم يرون فيها مناسبة لاستقطاب شباب اتضح أنه يعي جيدا من هم صناع هذا النصر الحقيقيين ومن يريدون الركوب عليه بعد حصوله.
المغاربة يعرفون من راهن مبكرا على أن هذه البطولة ستكون مناسبة لإعلاء راية المغرب ومن كان همه تبخيس سياسة المغرب الكروية والتشكيك في قدرة المغرب على جعل هذا النجاح الكروي نقطة قوة وجذب وفاعلية للمغرب.
لسان حديث المغاربة اليوم هو هذه القتالية وذلك الإخلاص والتفاني والتجرد الذي يشتغل به صناع هذا الانتصار وبين حالة “التفرج” التي عليها من يريدون اليوم الركوب عليه. لا حديث عند المغاربة اليوم إلا عن الطريقة التي يجب أن يعمم بها هذا الانتصار على باقي المجالات والمرافق التي عليها أن تشتغل بنفس الروح الوطنية العالية التي تعي بأن خدمة المغرب شرف وإرضاء المغاربة غاية والتمكين للمغرب هدف له الأولوية على كل شيء.
نعيش في هذه الدورة حالة وطنية غير مسبوقة. إقبال كبير على اقتناء الأعلام الوطنية وتعليقها في واجهات المنازل وتزيين السيارات بها، وانشغال كبير بالمنتخب الوطني ومواكبة أدائه بهبة تشجيع في كل الميادين، ورضى عن أداء تنظيمي يشعر معه المغاربة بفخر الانتماء للمغرب الذي رفع رؤوسهم عاليا في العالم، وتأثر كبير بجو الحماسة والقتالية الذي يخوض به المنتخب المغربي وطاقمه الفني والإداري هذه الدورة للظفر بلقب ينقص خزانتنا الكروية منذ نصف قرن.
حققنا في هذه الدورة كل ما تتمنى دولة محتضنة تحقيقه، في ٱنتظار اللقب الذي أكدنا للعالم أننا الأحق به.
في كل الأحوال تأكد للمغاربة والعالم أن السياسة الكروية للمغرب نجحت على كل المستويات وأنها صارت تجربة تقتدي بها الدول، بل تجربة تطالب شعوب دول حكامها باستنساخها لأنها ناجحة.
اكتشفنا في هذه البطولة الكروية وطنيتنا و”تامغربيت” التي تنظم وشائج العلاقات بيننا وشكلت دوما أكسير حياتنا، كما نكتشف في كل مناسبة أخرى كم نحن أمة عظيمة وشعبا موحدا ونستحق ما نحن فيه من نجاحات.
قبل أسبوع كنا على موعد مع ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال التي عبر من خلاله أجدادنا عن تشبثهم بمقومات دولتهم وأعمدتها ورفضهم الخضوع لأي وصاية أو انتداب أو حماية أو استعمار. ميزة المغاربة أنهم يرفضون الخضوع للغير ويتشبثون باستقلالية قرارهم والسيادة على أرضهم، وكما كانت معركة الاستقلال ضرورية في ذلك الوقت فإن معركة اليوم هي بناء الدولة القوية القادرة على إيجاد موقع لها في عالم لا مكان فيه للضعفاء.
قبل أيام كنا كذلك على موعد مع مناسبة أخرى أكدت أن المغرب يتشكل من أمة واحدة رغم تعدد نسيجها. إنها السنة الأمازيغية التي أصبحت مثالا آخر لنجاحات الملك محمد السادس في صهر كل مقومات الهوية المغربية ودمجها لتحقق التفاعل الإيجابي على قاعدة المواطنة التي لا تتعامل مع أي مكون من مكوناتها بمنطق الأقليات أو ما شابه لأن المغرب لا يتعامل بهذا المنطق.
قد يخطئ البعض فينظر لهذه المناسبة على أنها مجرد عطلة رسمية تم إقرارها منذ سنتين، أو أنها محاولة لإرضاء فئة من المغاربة فقط. هذا خطأ يبخس هذه الخطوة التي تندرج ضمن سياسة متدرجة تم تنزيلها بحكمة امتدت لأزيد من ربع قرن اشتغل فيها جلالة الملك على التمكين لمكون أصيل تعامل معه المغاربة على مر القرون كأساس من أسس هذه الدولة.
نتذكر جميعا خطاب أجدير سنة 2001 الذي عبر فيه الملك “إننا نريد، في المقام الأول، التعبير عن إقرارنا جميعا بكل مقومات تاريخنا الجماعي، وهويتنا الثقافية الوطنية، التي تشكلت من روافد متعددة، صهرت تاريخنا ونسجت هويتنا، في ارتباط وثيق بوحدة أمتنا، الملتحمة بثوابتها المقدسة، المتمثلة في دينها الإسلامي الحنيف السمح، وفي الذود عن حوزة الوطن ووحدته، وفي الولاء للعرش، والالتفاف حول الجالس عليه، والتعلق بالملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية. كما أننا نريد التأكيد على أن الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء، وعلى أنه لا يمكن اتخاذ الأمازيغية مطية لخدمة أغراض سياسية، كيفما كانت طبيعتها”.
هذه واحدة من أهم القضايا التي حكم تدبيرها استراتيجية ملكية مبكرة وعززها الملك بخطوات عملية بدءا بتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ومرورا بالإقرار الدستوري للمكون الأمازيغي كرافد من روافد الهوية المغربية، وإقرار “الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء”، والخطوات الأخرى المنصوص عليها في القانون التنظيمي بشأن مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية.
لكل ما سبق يجب عدم النظر للاحتفال بهذا اليوم بمعزل عن هذا السياق الذي تفرد به المغرب في محيطه الذي سقطت دول كثيرة فيه في صراعات عرقية ولغوية تهدد وحدتها واستقرارها.
لا يخفى ما تعيشه الجزائر مع القبايل، أو سوريا مع الأكراد، وعانته تركيا مع الأكراد والأمثلة كثيرة. استراتيجية محمد السادس كانت استباقية وساهم في نجاحها النسيج المغربي الناضج الذي ألف هذا التعايش منذ قرون، وكان من مؤشراته الاحتفال التلقائي للمغاربة منذ قرون ب”الناير” الفلاحي. ولذلك فما قام به الملك كان تجاوبا مع حاجة كل المغاربة وليس فئة فقط.
هذا مثال آخر من وحي أحداث هذا الأسبوع يبرز عبقرية ملك تثبت الأيام أنه قاد سفينة المغرب في ألفية ثالثة بمهارة وجنبها السقوط في الكثير من المطبات بسبب رؤيته الاستراتيجية وخبرته الواسعة ودرايته الكبيرة وحسن قراءته لمجرى الأحداث في العالم.
يتأكد أن خريف الإخوان متواصل، وقد أوفى ترامب بوعده الذي قطعه على نفسه، بعد فشله في تحقيقه في ولايته الأولى، في 25 نونبر الماضي حين وقع أمرا تنفيذيا لمباشرة إجراءات تصنيف بعض من فروع جماعة الإخوان المسلمين منظمات “إرهابية” أجنبية.
خلال هذا الأسبوع، صنفت الإدارة الأمريكية فرع الإخوان بلبنان منظمة إرهابية أجنبية، وكذا فرعي مصر والأردن منظمات إرهابية عالمية (والتمييز بين الأمرين مهم جدا وله تبعات قانونية جنائية). أول ما سيترتب عن هذا التصنيف هو استخدام هذه الإدارة لجميع الأدوات المتاحة من أجل حرمان فروع الجماعة المعنية من موارد الانخراط في الإرهاب، وثانيا اتباع هذه الخطوة من طرف دول عالمية كثيرة وهو ما سيضيق الخناق على الإخوان في العالم ويعرضهم لمتابعات في كل هذه الدول. قلتها أكثر من مرة أنه بغض النظر عن الحيثيات فإن هذا المسار الذي يتجه نحوه العالم ينبئ بنهاية المشروع الإخواني بمختلف تجلياته، وهذا إنذار مبكر للجميع ليفهم أن لا عاصم من هذا المصير إلا الاحتماء بالوطن والانتماء إليه بدون انتماء موازي لأي شيء آخر وأن يكون الولاء للوطن دون غيره من الولاءات لكل الروابط الأخرى.
ربيع الإخوان كان اختبارا لهم وسقطوا فيه في مدة زمنية قياسية أثبتوا فيها أنهم لم يقودوا البلدان التي حكموا فيها إلا إلى كوارث تدفع حتى اليوم ثمنها. ربيع الإخوان تحول إلى دمار وشتات قاد بعض الدول إلى حروب أهلية، وأخرى إلى شلل مؤسساتي، وأخرى إلى شعبوية مهدت الطريق لدكتاتوريات. ربيع الإخوان كان بضوء أخضر من البيت الأبيض وغيره من الدول العظمى ويتحول اليوم إلى خريف بضوء أخضر منها لأن زمنهم انتهى ولأن الغرض منهم قضي بما أراده مشغلوهم، أو ربما ظهر من يؤدي وظيفة تتماشى مع حاجيات هذه اللحظة والمرحلة. اليوم تأكد أن الإخوان كانوا مجرد تنظيمات وظيفية استعملت لإضعاف دولها وإنهاك قدراتها، وهم كانوا أول الضحايا.
في سياق مماثل، يؤكد ما قلته في أكثر من بوح سابق، أصدر الرئيس الأمريكي أمرا تنفيذيا تحت رقم 14199 بعنوان “سحب الولايات المتحدة من بعض منظمات الأمم المتحدة وإنهاء التمويل لها ومراجعة دعم الولايات المتحدة لكافة المنظمات الدولية”. المطلع على هذا الأمر التنفيذي يلاحظ شمول اللائحة ل66 منظمة دولية منها 31 كيانا تابعا للأمم المتحدة ولكن ليس ضمنها المينورسو وهو ما يؤكد أن حل قضية الصحراء تنظر إليه الإدارة الأمريكية انشغالا يكتسي صبغة استعجالية وأسبقية، وهو ما يعزز مقاربة المغرب ويؤكد انتصاراته ويضيق الخناق أكثر على من يناور لإدامة هذا النزاع.
الأمر الثاني الذي يجب أن يتوقف عنده من يريد فهم تحولات ومتغيرات السياسة الأمريكية هو شمول هذه اللائحة لمنظمات كثيرة تعنى بقضايا حقوق الإنسان وحمايتها، وخاصة قضايا القانون الدولي والبيئة والمرأة والطفولة والمساواة، ولم يتم ذكر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (UNHRC) لأن الولايات المتحدة انسحبت منه في فبراير من السنة الفارطة بعد أن كانت انسحبت منه كذلك في ولاية ترامب الأولى.
يوما بعد يوم تتضح صورة العالم الذي نحن مقبلون عليه ولموازين القوى ومعايير تشكلها، ويتضح أكثر فأكثر أن القيم التي حكمت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية تتجه نحو الاندثار لفائدة قيم جديدة.
نلتقي في بوح قادم.
المصدر: شوف تي في