الحكم الذاتي أداة لتسوية النزاعات الداخلية ولا يعتبر من أشكال التفكك

الحكم الذاتي أداة لتسوية النزاعات الداخلية ولا يعتبر من أشكال التفكك

A- A+
  • مركز للدراسات: الحكم الذاتي أداة لتسوية النزاعات الداخلية ولا يعتبر من أشكال التفكك ولا يقوم على تقاسم للسيادة

    شوف تيفي

  • يعد الحكم الذاتي من المفاهيم المركبة في الفكر السياسي والقانون الدستوري المقارن، إذ يرتبط أساسا بكيفية تنظيم السلطة داخل الدولة الواحدة، وتوزيع الاختصاصات بين المركز والوحدات الترابية في سياق يسعى إلى التوفيق بين وحدة الدولة من جهة، ومتطلبات تدبير التنوع المجالي والثقافي واللغوي من جهة أخرى.

    وحسب المذكرة السياسية حول رؤية استراتيجية متكاملة لتنزيل الحكم الذاتي بالصحراء المغربية صادرة عن مركز المؤشر للدراسات والأبحاث، أن الحكم الذاتي لا يعتبر شكلا من أشكال التفكك أو الانفصال المقنع، بل كصيغة دستورية وسياسية متقدمة تسمح لجماعة ترابية معينة بممارسة صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها الداخلية في إطار احترام السيادة الوطنية والاختصاصات الحصرية للدولة.

    وفي هذا الإطار، يميز الفقه الدستوري بين الحكم الذاتي واللامركزية الإدارية التقليدية حيث يقوم الأول على منح سلطات تقريرية فعلية لهيئات محلية منتخبة، تشمل مجالات تشريعية وتنظيمية وتنفيذية، في حين تظل اللامركزية الإدارية محصورة في نقل بعض الاختصاصات التنفيذية تحت رقابة المركز.

    كما يختلف الحكم الذاتي عن الفيدرالية من حيث كونه لا يقوم على تقاسم أصلي للسيادة بين مستويات الحكم، بل على تفويض دستوري من الدولة الموحدة، يحتفظ فيه المركز بالاختصاصات السيادية الكبرى، كالدفاع الوطني والعلاقات الخارجية والعملة والنظام القضائي الأساسي.

    و حسب المذكرة، برز مفهوم الحكم الذاتي تاريخيا كاستجابة سياسية وقانونية لمعالجة نزاعات ترابية أو مطالب هوياتية داخل دول موحدة، خاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية حيث اعتمد كحل وسط يضمن استقرار الدولة ويستجيب في الآن ذاته لمطالب الساكنة المحلية في تدبير شؤونها الخاصة.

    وتكشف التجارب المقارنة، سواء في إسبانيا أو إيطاليا أو المملكة المتحدة أو الدول الاسكندنافية أن الحكم الذاتي يتخذ أشكالا متعددة، تختلف باختلاف السياقات التاريخية والسياسية، لكنه يقوم دائما على عناصر مشتركة، من بينها وجود مؤسسات محلية منتخبة، وصلاحيات مالية وتشريعية واضحة، وضمانات دستورية تحمي هذا الوضع الذاتي من التراجع التعسفي.

    وعلى المستوى القانوني الدولي، تطور مفهوم الحكم الذاتي باعتباره إحدى الصيغ العملية لتجسيد حق تقرير المصير الداخلي، في مقابل التفسير الكلاسيكي الذي كان يربط هذا الحق حصرا بخيار الانفصال، حيث كرست الممارسة الدولية، خاصة منذ نهاية الحرب الباردة، توجها متزايدا نحو اعتماد صيغ حكم ذاتي موسعة كأداة لتسوية النزاعات، بما ينسجم مع مبدأ وحدة الدول واستقرارها، ويحد من مخاطر التفكك والنزاعات المسلحة. وفي هذا السياق، لم يعد تقرير المصير يفهم كحق مطلق في الانفصال، بل كحق في المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية داخل الدولة، من خلال أشكال متقدمة من التدبير الذاتي.

    ويبرز من خلال هذا التطور أن الحكم الذاتي لم يعد استثناء قانونيا أو حلا ظرفيا، بل أصبح خيارا دستوریا معترفا به في الفكر السياسي المقارن، وأداة مرنة قادرة على التكيف مع خصوصيات كل حالة. وهو ما يجعل منه إطارا مناسبا لمعالجة النزاعات الترابية المعقدة شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية، وضمانات دستورية واضحة، ونموذج مؤسساتي قادر على تحقيق التوازن بين المركز والجهة المعنية.

    وفي ضوء هذه الخلفية النظرية، يكتسب مقترح الحكم الذاتي المغربي مشروعيته المفاهيمية، باعتباره منسجما مع تطور الفكر الدستوري والسياسي المعاصر، وقابلا للإدماج ضمن المنظومة القانونية للدولة الموحدة، والأمن والعملة، والاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة.

     

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    تصنيف رسمي لأقاليم بالشمال والغرب ضمن المناطق المنكوبة