بورتريه…اليزيد الراضي.. “سليل الكتاتيب” الذي ارتقى للمجلس العلمي الأعلى
بورتريه…اليزيد الراضي.. “سليل الكتاتيب” الذي ارتقى صهوة الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى
من عمق جبال الأطلس الصغير، وتحديداً من دوار “إداوزكري” بإقليم تارودانت، انطلقت رحلة رجل لم يكن يعلم وهو يحمل لوحه الخشبي الصغير أن الأقدار ستسوقه ليكون أميناً على الشأن الديني في المملكة المغربية. هو العلامة الدكتور اليزيد الراضي، الشخصية التي تمزج في كينونتها بين “هيبة الفقيه” و”دقة القانوني” و”بيان الأديب”.
لم تكن ولادة اليزيد الراضي عام 1950 مجرد رقم في سجلات الحالة المدنية، بل كانت ميلاد مشروع عالم. استقى أبجدياته الأولى من منبع صافٍ؛ فحفظ القرآن الكريم على يد والده، ثم شحذ همته بملازمة الشيخ سيدي الحاج محمد بن أحمد بن الحسين. في تلك الأجواء المضمخة برائحة الصمغ والصلصال، تضلع الراضي في المتون العلمية العريقة؛ من “الأجرومية” التي قوم بها لسانه، إلى “ألفية ابن مالك” و”رسالة ابن أبي زيد القيرواني”، ليرسم لنفسه مساراً علمياً عصامياً قل نظيره.
ما يميز “بورتريه” الدكتور الراضي هو ذلك الجسر المتين الذي مده بين التعليم الأصيل والتعليم العصري. ففي عام 1973، حقق الشاب السوسي آنذاك معادلة صعبة؛ حيث نال إجازتين في تخصصين متباعدين ظاهرياً، متقاربين في ذهنه: العلوم القانونية والدراسات العربية. هذا المزيج الفريد منح شخصيته توازناً بين صرامة النص القانوني وروحانية النص الشرعي، وهو ما توج لاحقاً بدكتوراه في الأدب العربي عام 2002.
لم يكن الراضي يوماً حبيس الجدران الأكاديمية؛ فمساره المهني يعكس تواضع العلماء وعزيمة المربين. تنقل بين فصول الثانوي في طاطا وتارودانت، قبل أن يستقر أستاذاً جامعياً بكلية الآداب بأكادير عام 1986. وفي رحاب المجلس العلمي المحلي لتارودانت الذي ترأسه منذ 2004، كان الراضي “صمام أمان” روحياً، حيث عرف بقدرته العالية على تدبير الشأن الديني بحكمة، ناشراً قيم الوسطية والاعتدال بأسلوب يجمع بين اللين في النصح والشدة في الحق.
في خزانة اليزيد الراضي، يسكن الفقه الواقعي؛ فكتابه عن “زكاة رواتب الموظفين” يعكس انشغاله بقضايا المجتمع الراهنة، بينما يجسد مخطوطه “بناء القصر” تمكنه من أدق تفاصيل الأحكام الفقهية. هو رجل يكتب ليبقى، ويبحث ليجد حلولاً، ولا يكتفي بمجرد النقل.
يأتي تعيين جلالة الملك محمد السادس للدكتور اليزيد الراضي أميناً عاماً للمجلس العلمي الأعلى، ليضع الرجل المناسب في المكان الاستراتيجي المناسب. إنه تكريم لجيل من العلماء المغاربة الذين حافظوا على “تمغربيت” في تدينهم، واعتراف بمسيرة رجل قضى أكثر من سبعة عقود في خدمة الحرف والكلمة والمحراب.
اليوم، يدخل الدكتور الراضي مقر الأمانة العامة بالرباط، حاملاً معه بركة دعاء الوالدين، وصرامة الفقيه السوسي، ورؤية الأكاديمي المتبصر، ليدشن مرحلة جديدة في مسار المؤسسة العلمية بالمملكة.