أين هي الصفائح التكتونية؟ أعطوا لمنيب الصفائح
أين هي الصفائح التكتونية؟
أعطوا لمنيب الصفائح
في بلدٍ كنا نعتقد، إلى حدود الدروس الأولى في الجغرافيا، أن أرضه تتحرك على إيقاع صفائح تكتونية، و«أن المغرب كان عبارة عن زلازل وبراكين»، خرجت علينا نبيلة منيب لتعلن- ببراءةٍ ثورية – أن الصفائح التكتونية ربما أخذت عطلةً مفتوحة في الحوز، وأن الزلزال الذي هزّ جبال الأطلس وأدى بحياة المئات من الأرواح البشرية، لم يكن نتيجة احتكاك قشرة الأرض، بل نتيجة احتكاك شيءٍ آخر أكثرَ غموضًا، قادم من الدول العظمى التي زلزلت الأرض زلزالا بالحوز ونواحيها لغاية لايعلمها إلا هؤلاء ومنيب «عاقت» بيهم.
هكذا، وبجرة تصريح، تحوّل زلزال الحوز 2023 من ظاهرة جيولوجية إلى ملفٍ قابل للإحالة على «القوى الشيطانية الكبرى»، التي يبدو أنها – في زمننا هذا- أكثر نشاطًا من الصفائح نفسها. فمنذ متى صارت الصخور تتآمر؟ ومنذ متى صار باطن الأرض يوقّع بيانات سياسية دون أن يستشير علماء الجيولوجيا؟
ليست المفارقة في غرابة ما طرحته منيب، بل في طبيعة موقع صاحبتها البرلمانية والأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد، فنحن لا نتحدث عن مؤثر(ة) على «تيك توك» يشرح الكون وهو يتناول فنجان قهوة وراء شاشة، لديه خمسة دراهم «روشارج» وهاتف ذكي،
بل عن شخصية محسوبة نظريًا على تقليد يساري طالما ادّعى الانحياز إلى العقل، إلى العلم،
إلى التحليل المادي للتاريخ. يسارٌ كان يفتش عن البنية التحتية في الاقتصاد فإذا به اليوم يفتش عن «البنية الخفية» في الزلازل.
ولأن الأشياء تُقاس بسوابقها، لا يمكن فصل هذا «الاكتشاف الجيولوجي الجديد» عن موقف سابق من جائحة كونية، حين بدا أن الفيروس نفسه يحتاج إلى شهادة ميلاد لدى منيب لإثبات وجوده. فبين فيروس «مُختلق» وزلزال «مُفتعل»، يبدو أن الطبيعة – في قاموسٍ منيب- لم تعد موثوقة.
إنها مجرد ممثلٍ ثانوي في مسرحية تُكتب خلف ستارٍ كثيف تقوده القوى الشيطانية غير المرئية التي تريد الشر بهذا البلد الأمين.
بعد تصريحات نبيلة منيب اليوم، ماذا سنفعل بكل تلك الصفائح التكتونية التي أزعجتنا بها الكتب المدرسية؟ هل نعيدها إلى المستودع؟ هل نعتذر لها لأنها لم تعد صالحة للاستعمال السياسي؟ أم نمنحها لمنيب، لعلها تجد فيها ما يُسعف خطابًا تاه بين التحليل والتخييل؟
إن أخطر ما في هذا الانزلاق ليس الطرافة التي تثيرها الفكرة، بل الشرخ الذي تُحدثه في معنى النقاش العمومي. حين تصبح الكارثة الطبيعية مؤامرة، يفقد الضحايا مرتين: مرة تحت الأنقاض، ومرة تحت ثقل التفسيرات التي لا تفسّر شيئًا. وحين يتحول الخطاب السياسي إلى سوقٍ لبيع الاحتمالات الغيبية، يصبح العلم نفسه متهمًا، بدل أن يكون مرجعًا.
لقد كان اليسار- في لحظاته المضيئة- خصمًا شرسًا للخرافة، ناقدًا لكل تفسيرٍ يُرجع العالم إلى قوى غير مرئية. كان يؤمن بأن فهم الواقع شرط تغييره. أما اليوم، فيبدو أن بعضه يفضّل تغيير الوعي بدل فهم الواقع، أو على الأقل استبدال تفسيراته بأخرى أكثر إثارة، حتى وإن كانت أقلّ تماسا مع الأرض… تلك الأرض التي، للأسف، لا تزال تتحرك دون إذن من أحد.
ربما نحن بحاجة فعلًا إلى حملة وطنية عاجلة: «أعيدوا الصفائح إلى مكانها»، لا في باطن الأرض- فهي هناك أصلًا- أعيدوها لمنيب. أعيدوها إلى الجغرافيا، إلى العلم، إلى الحدّ الأدنى من المنطق الذي يسمح لنا بأن نميّز بين الكارثة والتأويل، بين الطبيعة والوهم.
أما منيب، فلا نطلب منها الكثير.
فقط أن تُصالح ما تعلمته يومًا مع ما تقوله اليوم. أن تتذكر أن الصفائح التكتونية، رغم صمتها، أكثر صدقًا من آلاف الكلمات التي تُقال لتفسير ما لا يحتاج إلا إلى قليل من العلم… وكثير من التواضع.