المغرب…هيمنة الفكر الشعبوي والسطحي على المشهد الاجتماعي والسياسي

المغرب…هيمنة الفكر الشعبوي والسطحي على المشهد الاجتماعي والسياسي

A- A+
  • المغرب…هيمنة الفكر الشعبوي والسطحي على المشهد الاجتماعي والسياسي وتراجع الصوت العقلاني

    يشهد الفضاء العام في المغرب تحولاً لافتاً يثير قلق النخب المثقفة، حيث يلاحظ تراجع مطرد لمكانة الفلسفة والعلوم الإنسانية في صياغة الوعي الجمعي. هذا الانكفاء ليس مجرد شأن أكاديمي حبيس الجدران، بل هو “أزمة معنى” بدأت تتسلل إلى مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية، معلنةً عن عصر تهيمن فيه السطحية على العمق، والشعارات الرنانة على التحليل الرصين. إننا أمام مشهد يتوارى فيه “العقل النقدي” الذي بشر به كبار الفلاسفة، ليترك الساحة خالية لخطابات عاطفية تدغدغ المشاعر بدلاً من أن تخاطب الأفكار.
    على المستوى السياسي، انتقلنا من زمن الصراعات الأيديولوجية الكبرى التي كانت تغذيها مرجعيات فكرية صلبة، إلى زمن “الشعبوية” التي تقتات على التبسيط المخل. لقد صدق إيمانويل كانط حين قال: “تجرأ على استخدام عقلك الخاص”، لكن الواقع اليوم يشير إلى نكوص عن هذه الجرأة؛ فالخطاب السياسي المعاصر أصبح يميل إلى استمالة الجماهير عبر دغدغة الغرائز والهويات الضيقة، بعيداً عن البرامج القائمة على أسس علمية أو رؤى فلسفية للمجتمع. هذا التراجع في منسوب “العقلانية السياسية” يؤدي بالضرورة إلى إفراغ المؤسسات من محتواها التشاوري، وتحويل الشأن العام إلى مجرد “استعراض” يخضع لمنطق المشاهدات والتريندات.
    أما في الشق الاجتماعي، فإن غياب العلوم الإنسانية (علم الاجتماع، علم النفس، التاريخ) عن النقاشات اليومية أدى إلى فقدان “البوصلة القيمية”. المجتمع الذي يهمش الفكر النقدي يصبح عرضة للتبعية الفكرية والانسياق خلف الأفكار الجاهزة. وهنا تبرز الحجة المنطقية التي تقول: “إن غياب التساؤل الفلسفي يعني القبول بالوضع القائم كقدر محتوم”. إن العلوم الإنسانية هي التي تمنح الفرد القدرة على تفكيك بنى السيطرة وفهم التحولات الاجتماعية؛ وبدونها، يتحول المواطن من “فاعل عقلاني” إلى “مستهلك للعواطف”، يسهل توجيهه عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تفضل “الضجيج” على “الحكمة”.
    إن إعادة الاعتبار للفلسفة والعلوم الإنسانية في المغرب ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية لاستعادة توازن الدولة والمجتمع. فالعقل هو الحصن الوحيد ضد التطرف والشعبوية، وهو الأداة التي تحول “القطيع” إلى “مجتمع مواطنين”. إذا استمر هذا التراجع، فإننا نخاطر ببناء جيل يمتلك المهارات التقنية لكنه يفتقر إلى “الحس النقدي” الذي يجعله يفهم لماذا وكيف يستخدم هذه المهارات. إن العودة إلى العقل هي المعركة الحقيقية التي يجب أن تُخاض في المدارس، والجامعات، وفي قلب العمل السياسي، لضمان مستقبل لا تبتلعه أمواج العواطف العابرة.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    المغرب…هيمنة الفكر الشعبوي والسطحي على المشهد الاجتماعي والسياسي