<>

1

بين البادية والمدينة …سوق يكشف ما لا يُقال

بين البادية والمدينة …سوق يكشف ما لا يُقال

A- A+
  • بين البادية والمدينة …سوق يكشف ما لا يُقال
    شوف تيفي
    الحبيب أيمن

    بين ضغط الأسعار وقلق الأسر يعود موسم الأضاحي كل سنة ليكشف واحداً من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية وتعقيداً في المغرب، موسم يبدو في ظاهره شعيرة دينية مرتبطة بالفرح والتقاسم لكنه في العمق يتحول إلى مرآة تعكس اختلالات اقتصادية واجتماعية، أعمق سوق غير متوازن، سلسلة توزيع طويلة، ثقة مهزوزة بين البادية والمدينة، وصورة متبادلة مشحونة بالأحكام المسبقة.

  • في قلب هذا المشهد يطفو إلى السطح النقاش حول الوسطاء في السوق أو ما يعرف شعبياً بالشناقة، فبين من يعتبرهم سبباً مباشراً في ارتفاع الأسعار وخلق المضاربة ومن يرى أنهم مجرد حلقة تتحرك داخل فراغ تنظيمي كبير، تبقى الحقيقة أن حضورهم القوي يعكس بالأساس غياب قنوات تسويق منظمة وشفافة بين المنتج والمستهلك، في مثل هذا الفراغ تتعدد الحلقات وتتراكم الهوامش ويصبح السعر النهائي نتاج سلسلة طويلة من التدخلات أكثر من كونه انعكاساً مباشراً لكلفة الإنتاج.

    لكن اختزال الأزمة في الوسيط وحده لا يكشف الصورة كاملة، فالبداية الفعلية للمعادلة توجد في البادية نفسها حيث يعيش الكساب والفلاح تحت ضغط متزايد خلال السنوات الأخيرة، الجفاف، ارتفاع كلفة الأعلاف وتذبذب الإنتاج كلها عوامل جعلت ممارسة تربية المواشي نشاطاً محفوفاً بالمخاطر، في هذا السياق يدخل جزء من الفلاحين السوق بمنطق اقتصادي صارم هدفه الأول هو تعويض الخسائر وضمان الاستمرار وليس فقط البيع الموسمي وهنا تتحول العلاقة مع السوق إلى علاقة بقاء قبل أن تكون علاقة تجارة.

    هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على نظرة كل طرف للآخر، فبعض الفاعلين في البادية ينظرون إلى سكان المدن من زاوية القدرة الشرائية حيث ينظر إلى المدينة كفضاء يمتلك فيه الناس هواتف حديثة، سيارات وشققاً مريحة ما يخلق لديهم تصوراً بأن القدرة على دفع ثمن الأضحية أمر مفروغ منه، حتى لو ارتفعت الأسعار وفي المقابل يرى كثير من سكان المدن أن هذه النظرة لا تعكس الواقع كاملاً لأن جزءاً كبيراً من الدخل يستهلك في تكاليف العيش اليومية من سكن ونقل وفواتير ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الأضاحي عبئاً ثقيلاً على الأسر المتوسطة والضعيفة.

    في هذا التوتر المتبادل لا تعود الأسعار مجرد أرقام بل تصبح رموزاً لصراع تصورات فعندما يتحدث البعض عن أثمنة قد تصل إلى 5000 أو 8000 أو 10000
    درهم وقد تتجاوز ذلك في بعض الحالات حسب السلالة والوزن وظروف السوق فإن هذا الرقم لا يقرأ فقط كقيمة اقتصادية بل كعلامة على الهوة بين من ينتج ومن يستهلك وبين من يبيع ومن يشتري.

    ومع تراكم هذه الصور تظهر عبارات تعكس هذا التصادم في الفهم من قبيل أن أهل المدينة لن يغلبهم ثمن الكبش لأنهم يعيشون في مستوى معيشي مريح، لكن هذه المقاربة رغم انتشارها في الخطاب الشعبي تبقى تبسيطاً لواقع أكثر تعقيداً لأن القدرة الشرائية في المدن ليست متجانسة، كما أن صورة الرفاهية ليست عامة بل تخفي وراءها تفاوتات اجتماعية واضحة داخل نفس المجال الحضري.

    في المقابل يرى الكثير من سكان المدن أن بعض سلوكيات السوق تفسر على أنها استغلال للطلب الموسمي خصوصاً عندما ترتفع الأسعار بشكل سريع في فترة محدودة، بينما يعتبر الفاعلون في البادية أن الأسعار في النهاية تعكس كلفة الإنتاج والمخاطر المرتبطة به في ظل ظروف طبيعية قاسية وسوق غير مستقر.

    هكذا يتشكل نوع من سوء الفهم المتبادل تغذيه الصور النمطية أكثر مما تغذيه المعطيات الدقيقة فالبادية تختزل أحياناً في صورة المنتج الذي يسعى للربح بأي وسيلة والمدينة تختزل في صورة المستهلك القادر دائماً على الدفع وبين هذين التصورين تضيع التفاصيل الحقيقية للاقتصاد القروي والحضري معاً.

    ولا يمكن إغفال أن التحولات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة زادت من تعقيد هذا المشهد فالهجرة القروية نحو المدن خلقت تداخلاً بين المجالين حيث أصبح كثير من أبناء البادية جزءاً من النسيج الحضري يحملون معهم خبراتهم ونظرتهم للسوق لكن دون أن يختفي الفارق في الشروط الاقتصادية بين المجالين.

    ما يكشفه موسم الأضاحي كل سنة ليس مجرد أزمة أسعار بل أزمة ثقة وتنظيم فالسوق يتحرك داخل بنية غير مكتملة تسمح بتعدد الوسطاء وتضعف فيها آليات الشفافية ويغيب فيها الربط المباشر بين المنتج والمستهلك، ومع غياب هذا التوازن تتحول كل مناسبة موسمية إلى لحظة توتر بدل أن تكون فرصة لإعادة التوازن الاجتماعي والاقتصادي.

    إن جوهر الإشكال لا يكمن في طرف واحد لا في الشناقة وحدهم ولا في الكساب وحده ولا في المستهلك وحده، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة تنظيم عميق يعيد بناء الثقة بين البادية والمدينة ويقلص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ويضمن أن يتحول السوق من فضاء للتوتر المتكرر إلى فضاء أكثر عدلاً ووضوحاً، حيث لا تبنى الأحكام على الصور النمطية بل على قواعد اقتصادية شفافة ومتوازنة .

     

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    فرنسا تسجل أول إصابة بفيروس “هانتا”