رحمة ربي رجعات وماذا عنكم؟
رحمة ربي رجعات وماذا عنكم؟
بعد سنوات طويلة من الجفاف والقحط أصبح كثير من المغاربة مقتنعين بأن الأمر لم يعد مجرد دورة طبيعية للمناخ بل تحول حقيقي يفرض نفسه على الواقع اليومي للناس اقتنعنا بأن التغيرات المناخية أصبحت حقيقة لا يمكن إنكارها وأن المغرب مثل باقي دول العالم يؤدي ثمن اختلالات بيئية لم يكن مسؤولا عنها وحده تأقلم المواطن مع الوضع رغم صعوبته وتحمل ما لا يتحمله أحد.
تحملنا ارتفاع أسعار الأعلاف وتحملنا ارتفاع أسعار المواشي وتحملنا الزيادات المتتالية في الخضر والفواكه والمواد الأساسية تحمل سكان المدن كما تحمل سكان القرى لم يعد هناك فرق بين الشمال والجنوب ولا بين المدن الكبرى والصغرى الجميع دفع فاتورة الجفاف من جيبه ومن قدرته الشرائية ومن استقراره الاجتماعي.
ثم جاءت رحمة الله أمطار غزيرة لم تستمر لساعات فقط بل لأيام وأسابيع وشهور عادت الحياة إلى أراض كانت تبدو ميتة وعادت الخضرة إلى أماكن كانت تثير الحسرة في النفوس امتلأت السدود وارتفعت الفرشة المائية واستبشر المغاربة خيرا معتقدين أن مرحلة جديدة بدأت وأن بعض الأعباء ستخف عنهم تدريجيا.
ندرك جميعا أن آثار التساقطات لا تظهر بين ليلة وضحاها وأن الاقتصاد الفلاحي يحتاج إلى أشهر ليستعيد توازنه هذا أمر مفهوم ومنطقي لكن ما لا يمكن فهمه هو أن يجد المواطن نفسه في عز حرارة الصيف وعشية عيد الأضحى أمام انقطاعات للماء في عدد من المدن. هنا يصبح السؤال مشروعا إذا كانت الأمطار قد عادت والسدود تحسنت والمؤشرات الرسمية تبعث على التفاؤل فلماذا ما زال المواطن يعيش بمنطق الأزمة؟ وإذا كانت البلاد قد تجاوزت مرحلة الخطر فلماذا لا يشعر المواطن بذلك في حياته اليومية؟ ولماذا يبقى دائما هو الطرف الذي يؤدي الثمن في كل الظروف؟
هذه المظاهر تجعل المواطن يتساءل هل هناك فعلا احترام لذكائه وقدرته على الفهم أم أن هناك من يعتقد أن التبريرات وحدها كافية لإقناع الناس؟ لأن الثقة لا تبنى بالكلام بل بالنتائج والمواطن الذي تحمل سنوات الجفاف بصبر من حقه أن يرى انعكاس التحسن على حياته اليومية لا أن يستمر في أداء فاتورة الأزمات حتى بعد تراجعها.
وإذا كان ملف الماء يثير الكثير من الأسئلة فإن ملف عيد الأضحى يثير أسئلة أكبر. الجميع تقبل القرار الملكي المتعلق بعدم إقامة شعيرة الذبح هذه السنة حفاظا على القطيع الوطني كان قرارا استثنائيا فرضته ظروف استثنائية وتعامل معه المغاربة بروح المسؤولية والانضباط لم نسمع احتجاجات ولم نشاهد رفضا لأن المغاربة يدركون أن المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
لكن بعد ذلك خرجت التصريحات التي تؤكد أن القطيع الوطني بدأ يستعيد عافيته وأن الأعداد تحسنت مقارنة بالسنوات الماضية استبشر الناس خيرا واعتبروا أن التضحيات التي قدموها بدأت تعطي نتائجها. كثير من الأسر كانت تنتظر الأيام الأخيرة قبل العيد على أمل أن تنخفض الأسعار قليلا فتتمكن من شراء أضحية أو على الأقل الاستفادة من أجواء السوق وتحريك بعض الأنشطة التجارية المرتبطة بالمناسبة.
غير أن المفاجأة كانت صادمة، أضاح كانت معروضة في الأسواق اختفت فجأة المواطن لا يعرف أين ذهبت ولا كيف بيعت ولا لمن بيعت والأسئلة بقيت معلقة دون أجوبة واضحة إذا كان القطيع قد تحسن فأين انعكس هذا التحسن؟ وإذا كانت الأعداد قد ارتفعت فلماذا ظل الإحساس بالندرة حاضرا؟ وإذا كانت الأسواق ممتلئة قبل أيام قليلة فكيف اختفت الأضاحي بهذه السرعة؟ ومن المستفيد من هذا الغموض؟.
المشكل الحقيقي ليس فقط في الأسعار ولا في وفرة العرض بل في غياب الوضوح المواطن المغربي أصبح يطالب بالمعلومة قبل أي شيء آخر يريد أن يفهم ما الذي يجري حوله ولماذا تتخذ بعض القرارات وكيف تدبر بعض الملفات لأن الغموض هو البيئة المثالية للشائعات وفقدان الثقة.
اليوم لم يعد المغاربة يطالبون بالمستحيل هم فقط يريدون أن يروا نتائج التضحيات التي قدموها يريدون أن يشعروا أن سنوات الصبر على الجفاف لم تذهب سدى وأن الأمطار التي أنعم الله بها على البلاد ستنعكس على حياتهم اليومية يريدون أن يشعروا أن المؤسسات تعمل بمنطق الخدمة العمومية لا بمنطق تدبير الأزمات الدائم.
رحمة الله عادت إلى الأرض وأحيت ما كان يظنه البعض مستحيلا أما السؤال الذي ما زال ينتظر الجواب فهو متى تعود الثقة كاملة بين المواطن وبعض القطاعات التي ما زالت عاجزة عن إقناع الناس بأن ما يقال في التصريحات يجد طريقه فعلا إلى الواقع؟
المصدر: شوف تي في
