بوح الأحد: احتيال واسترزاق بروكسيوس الفرنسي باسم بيڭاسوس، من يتبوأ الصدارة

بوح الأحد: احتيال واسترزاق بروكسيوس الفرنسي باسم بيڭاسوس، من يتبوأ الصدارة

A- A+
  • بوح الأحد: احتيال واسترزاق بروكسيوس الفرنسي باسم بيڭاسوس، من يتبوأ الصدارة: التجمع أم البام بعد وصول العدالة والتنمية إلى المنحدر، عدم المشاركة الواسعة المنتظرة وإفلاس المقاطعة السياسية
    أبو وائل الريفي
    لم أصدق للوهلة الأولى خبرا حول أحد الطوابرية يفيد أنه نشر كتابا جديدا بهذه السرعة عن “قضية بيڭاسوس”. والسبب أن الحدث ما يزال رائجا أمام المحاكم، والكتابةُ الموضوعية تستلزم درجة من المسافة بين الكاتب والحدث، وخاصة بالنسبة لمن يقدم نفسه أستاذا جامعيا وباحثا في العلوم السياسية وحول حدث يقف المعنيون به على طرفي نقيض. ولكن حين تفحصت الأمر مليا وجدت فضيحة تفوق فضيحة، وليست قضية، بيڭاسوس. للأسف، أحد أعمدة الطابور الخامس يتاجر في فضيحة بيڭاسوس على شاكلة تجار الأسلحة الذين تنتعش تجارتهم إبان الحروب فيخرجون “خردة” السلاح لارتفاع الطلب عليها. ركب بروكسي الفرنسي موجة الضحية المستهدف بالتنصت على هاتفه كما يدعي بدون دليل ليجني أرباحا بالاحتيال على القراء مدعيا من خلال العنوان أنه يتناول ملف بيڭاسوس، حيث عنوان كتابه القديم/الجديد “التحقيقات الممنوعة.. في قلب قضية بيڭاسوس” ولكن الحقيقة أن القارئ الذي سيشتري، بما يقارب العشرين أورو، ما اقترفته يد بروكسي الفرنسي سيتفاجأ بأن الجديد لم يصل إلى قلب أو حتى أمعاء بيڭاسوس وأن الأمر لا يعدو مقدمة جديدة لمحتوى قديم متهالك. والمحتوى هو لكتابين سبق أن اقترفهما بروكسي الفرنسي سنتي 2014 و2017 ولم يحظيا باهتمام حينها ففكر في حيلة جديدة تمثلت في جمعهما، ونقول بالدارجة جملهم أي يبيعهوم بالجملة في موسم البروموسيون، في مطبوع واحد مع مقدمة جديدة محاولا استغلال ما يراه زخما إعلاميا فرنسيا حول ملف بيڭاسوس بطريقة غير أخلاقية ولإطالة التعاطي مع ملف ولد ميتا ولم يطُل التداول بشأنه وسط الرأي العام لأن شركة NSO نفت وقصر الإليزيه لم يوجه الاتهام للمغرب والمحامي الفرنسي أحرج المدعين الذين لم يتقدموا بأدلتهم بعد أمام القضاء. والأهم أن المعطيات حول هذا الملف توضح أن اللائحة لا علاقة لها بالتنصت طالما أنها تتضمن أرقاما لهواتف ثابتة. وحتى تكون عملية النصب مكتملة الأركان كان لزاما استغلال صفة المستهدف من النظام المغربي بالتنصت على مكالماته وبأنه ضمن اللائحة المنشورة فقد صار هذا أصلا تجاريا بالنسبة للبعض، ولكن بروكسي لم يقل للقارئ ما هي الأسرار التي تجعل السلطات في المغرب تتنصت عليه وأخبارُه وفضائحه وعائلته سارت بذكرها الركبان حتى جعلته يحتجب عن الظهور مدة طويلة تجنبا للإشارات الخبيثة من طرف أصدقائه قبل خصومه، أصدقاؤه الذين يملأون بأخبار إحدى قريباته جلساتهم ويغيرون الموضوع في حضرته. حتى لا يتحدثون عن فضائح المتصابية التي تحملت “الدولة البوليسية”، حسب ما يروج له دائما، المسؤولية في إيقاف المبتزين لها بالصور الفاضحة التي أرسلتها لهم عن طيب خاطر وضاجعت بعضهم بإلحاح منها وهي المتزوجة ووضعت رهن إشارة أحد صبيتها شقة حتى يبقى قريبا منها في سلا. بروكسي هذا ظهر فجأة بعد أن خرج من كهفه ليسوق لما كتبه سابقا في كتاب مدعيا أن كتبه السابقة ممنوعة في المغرب ودون أن يحدد من طلبها أصلا حتى يقال أنها طالها المنع، ومتناسيا أن هناك قانون في المغرب ينظم عملية المنع وبإمكانه التأكد من ذلك وهو الذي يقدم نفسه أستاذا جامعيا. هذه هي التوابل التي يريد أن يصنع بها الإثارة والتشويق لعلها تجلب قراء جددا لبضاعته الكاسدة منذ سنين، ولكنه نسي أن الإكثار من التوابل يفقد الطعام اللذة فيعافه الجميع. والسؤال لماذا لم يدرج قضية قريبته كذلك ضمن فضيحة بيڭاسوس ويتهم من خلالها “الدولة البوليسية” بالتنصت على مواطنين؟ هل لأن الأمر هنا فيه مصلحة شخصية له؟
    هل يبلغ الأمر بشخص كل هذه الدرجة من الكذب والنصب والاحتيال لادعاء الاستهداف والمنع والتضييق واستغلال الفرص للاغتناء من المآسي؟ لماذا لم يوضح بروكسي ابتداء رقم مبيعات كتبه السابقة وحجم الإقبال عليها في فرنسا مثلا؟ هل يعتبر هذا سرا وهو الذي صدع رؤوسنا بالشفافية؟ ولأن الأمر تجارة وسعي إلى الربح، فقد كان لافتا للانتباه أن يتضمن تقديم الناشر جملة غريبة ولكنها فضيحة تستحق وحدها من كل قارئ حصيف وضع أكثر من علامة استفهام على الكتاب كله. لقد قال صاحب هذا التقديم بأن المؤلف من المستهدفين بالتجسس على هاتفه من خلال برنامج بيڭاسوس و”أفضل حماية يمكن أن نقدمها له اليوم هي التعريف/ والبث/ والتوزيع الواسع لأعماله”. وهكذا تتضح حقيقة هذا الطوابري الذي ألف “فلوس الخارج الباردة” والذي يحركه الحقد ضد المغرب والمغاربة لأنه يوهم نفسه بأن المخزن هو سبب كل مآسيه متناسيا أن فشله وعدم مهنيته هما السبب، ولأنه يتصور أن ما يرتكبه من مقالات الفاست الفود كافية أن ترفعه إلى مقام الصحافيين الكبار والباحثين المحترمين بينما هي مكتوبات صحافة لا تتوفر فيها أدنى مقومات المنتوج المهني الذي يحترم القارئ. لقد سبق أن عبرت في بوح سابق بأن بيڭاسوس فضيحة يريد الكثير من الطوابرية جعلها مناسبة لتسليط الأضواء على أشخاصهم وحولها البعض أصلا تجاريا ويريدها بعض آخر فرصة لابتزاز الدولة ولكن هيهات هيهات. بيڭاسوس فضيحة لكل من جعل نفسه طرفا فيها وما على كل هؤلاء إلا أن يُدلوا بالدليل ووحده القضاء الذي سينصف كل واحد. أليست هذه هي دولة القانون؟
    ما يزال المسكين بروكسي يشتغل بالأدوات القديمة ظانا أن اللجوء إلى خدمات بعض الأسماء في التقديم يجعل طوابير القراء تقف على الصف للحصول على نسخة من كتابه كما كان الشأن مع كتابه القديم حين لجأ إلى خدمات جيل بيرو أحد المرايقية الذي ما يزال يظن أن اسمه كاف لمنح علامة جودة لأي منشور رغم أن الزمن انتهى عنده في مغرب الألفية الثانية لأن معلوماته تفتقد التحيين ولأن الكره والحقد للمغرب هما محركاه دائما منذ مُنع العطاء وانقطع عنه الكيل متناسيا أن زمن الابتزاز ولى إلى غير رجعة وما عليه وغيره إلا الاتعاظ بفضيحة “إيريك لوران” و”كاترين غراسيي”. لماذا يلجأ أمثال بروكسي إلى تأجير هذا النوع من الخدمات؟ إنه عدم الثقة في ما يكتب، وعقدة الأجنبي الذين يحاولون تقليده في أسلوب كتابته وطريقة ابتزازه.
    لقد كان حريا بالأستاذ الجامعي الشبح الذي لم نقرأ له بحوثا في مجلات متخصصة محكمة أن يستغل فرصة الجائحة حيث قلت التزاماته المهنية ليحسن مستواه ويضيف إلى سيرته دراسات علمية محترمة عوض حمل صفة الأستاذ الباحث والمتخصص وهو يتحدث في كل شيء ولا يقول شيئا. وكان حريا به انتظار حكم المحكمة طالما هناك قضية رائجة أمام القضاء الفرنسي ولم يدل فيها مُدَعُو التجسس ضد المغرب بأدلتهم. أما الاتجار بملف بيڭاسوس والركوب على موجة المظلومية والاستهداف فهي موضة قديمة لم تعد كافية لتسويق بضاعة كاسدة وترويج منتوج رديء لأن الوقت والمناسبة وتضخيم صفة الكاتب لا يصنعون البوز إن كان المضمون فارغا.
    هذا حال الطوابرية يعيشون على أنقاض الماضي، يظنون أن جيل اليوم يمكن الاحتيال عليه بسهولة بادعاء بطولات صحفية واختراع قصص وهمية عن بطولات لوجورنال وغيرها متناسين أنها منابر ما كان لها أن تعيش لولا الصيروم الذي كانت تتلقاه حينها من أموال إشهارات المؤسسات الاقتصادية والمالية للمخزن الذي تعتبر فلوسه حلال وليست ريعا عندهم في هذه الحالة. ولا أعتقد أن هذا التمويل صار سرا أو محط جدل. هذا حال الطوابرية يفضحون أنفسهم بأنفسهم ويبينون أن آخر ما يهمهم هو المغرب وأن كل شيء يجوز في عرفهم لتلميع صورتهم وصناعة هالة إعلامية حولهم ولو بالكذب والاحتيال والنصب. من حقك أن تكون معارضا وستنال الاحترام من طرف مخالفيك قبل أنصارك إن أنت كنت منسجما مع ما تدعيه من مبادئ، أما أن تحل لنفسك جرائم الاغتصاب والنصب والاغتناء من أموال عمومية وتتاجر في مآسي الناس فهذا يجعلك في قاع القاع وبعيدا عن المغاربة. ولعل هذا أحد أهم أسباب العزلة التي يعيشها هؤلاء الطوابرية في المغرب، وإطلالة على صفحاتهم وأرقام مبيعات منشوراتهم تبين أنهم في واد والمغاربة في واد آخر، حيث تقتصر رؤية ما يدونون على الكيطو الصغير الذي صنعوه لأنفسهم.
    لم يعد يفصلنا عن الانتخابات إلا أيام قليلة. وهذه أول مرة ينظم فيها المغرب كل الانتخابات، تشريعية وجهوية ومحلية، في يوم واحد. يتضح للوهلة الأولى أن هذا تحدي كبير بالنظر إلى ما يتطلبه كل استحقاق بمفرده من إمكانيات وموارد بشرية، وخاصة في ظل هذه الظرفية الخاصة جدا. ولذلك فإنجاح تنظيم الانتخابات وحده إنجاز وأي إنجاز، ومؤشر على وفاء الدولة بالتزاماتها المنصوص عليها دستوريا باعتبار الانتخابات تجرى بطريقة منتظمة كما ينص على ذلك الفصل الثاني من الدستور “تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم”. ودليل آخر على الطابع المستقر للبلاد ونضج الممارسة الديمقراطية وانخراط الدولة في مسلسل دعم الدمقرطة واحترام الدستور والقانون والمؤسسات رغم أنه كان يمكن التحجج بالوضعية الاستثنائية لتأجيل كل الاستحقاقات الانتخابية.
    لقد استبق الملك هذه الانتخابات في خطاب ثورة الملك والشعب قبل أسبوعين حيث قال “إن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية، تخدم مصالح المواطنين، وتدافع عن قضايا الوطن. لأننا نؤمن بأن الدولة تكون قوية بمؤسساتها، وبوحدة وتلاحم مكوناتها الوطنية. وهذا هو سلاحنا للدفاع عن البلاد، في وقت الشدة والأزمات والتهديدات”. الانتخابات وسيلة وليست غاية، ومسؤوليةُ إنجاحها جماعية تتحملها كل مكونات العملية الانتخابية وفي مقدمتها الأحزاب السياسية.
    يجب أن لا يخفى على أحد أن هذه انتخابات تجرى في وضعية وبائية خطيرة وفي حالة طوارئ تفرض تقييدات كثيرة على حركة المرشحين وعملية تواصلهم. وهذا أمر يلزم أخذه بعين الاعتبار عند المقارنة بين هذا الاستحقاق وسابقيه، ولكن هذه الظرفية بالمقابل مناسبة لمساءلة الأحزاب السياسية عن قدراتها التعبوية والتواصلية بالأساليب الجديدة، وفرصة كذلك لمساءلتها عن قدرتها على التجاوب مع حاجيات الشعب وانتظارات الناخبين، والأهم من هذا وذاك هو أنها اختبار للأحزاب ومناضليها أمام الرأي العام لقياس حالة الرضى عن أداء القدامى وجاذبية الجدد.
    لا ينتظر، وهذا معطى موضوعي، أن تتجاوز نسبة المشاركة في هذه الانتخابات الأرقام المعروفة والمعهودة بالنظر إلى الظرفية الخاصة التي تجرى فيها، وهذا تحدي مستقبلي أمام البلاد لتطوير طرق جديدة للتعاطي مع مثل هذه الأوضاع الاستثنائية مستقبلا والوفاء بالالتزامات الدستورية والقانونية، وهي مهمة المشرعين المقبلين تحديدا. وهو تحدي أكبر أمام الأحزاب بكل تأكيد لتطوير طرق تواصلها التقليدية المعتمدة على الاتصال الجسدي والتجمعات الحضورية كوسيلة رئيسية للحملات الانتخابية.
    إن إطلالة على الترشيحات الكثيرة التي تقدمت بها الأحزاب وفحص مدى تناسبها مع انتظارات المواطنين ومدى احترامها لتمثيلية النساء خارج الكوطا الإجبارية ومدى حضور الشباب فيها ونسبة التجدد ومدى تجانس خطاب بعض المرشحين وشعاراتهم مع طبيعة القوائم المرشحين عليها تؤكد أن العمل الحزبي في المغرب ما يزال يحتاج مجهودا ليساير دينامية التطور ويرقى لمستوى أهداف الدستور. والجواب الأكيد والملموس هو ما سيعبر عنه الناخبون يوم الاقتراع لأنه الجواب الذي لا تخطئه العين المجردة ولا يمكن قراءته بأكثر من طريقة إلا بالنسبة لمن ألف التباكي و”يلصق كلشي فالدولة والداخلية والمخزن والقوى الخفية وداكشي”.
    طبيعة الأشخاص المرشحين وطبيعة البرامج وطبيعة الخطاب وأشكال التواصل والقدرة على التأقلم مع وضعية كورونا وظاهرة الترحال الحزبي كلها تحديات أمام الأحزاب مجتمعة تستلزم معالجة سريعة إن أرادت هذه الأحزاب ربح رهان المشاركة الشعبية الواسعة وإعادة الثقة لعملها وإرجاع المصداقية أكثر للانتخابات والمؤسسات المنبثقة عنها. وقد صار للأحزاب اليوم من الإمكانيات ودعم الدولة ما يؤهلها لذلك إن هي وضعت إعادة الثقة كأولوية في برامجها ومبادراتها الميدانية.
    وفي ما يخص النتائج غير متوقع حصول مفاجأة لأن الصفوف الأربعة الأولى لن تخرج عن الأحزاب الكبرى المعروفة. ومن حسنات الانتخابات أننا لحد الساعة يصعب التنبؤ بمن سيتصدر النتائج وهذا رهان مهم لهذه الانتخابات يجعلها انتخابات حقيقية برهان كبير سيؤثر على الساحة السياسية طيلة الولاية القادمة. وهذه ميزة انتخابات المغرب في عهد الملك محمد السادس حيث صارت مفتوحة على كل الاحتمالات ويصعب الحسم المبكر بمتصدرها.
    هناك من يتحدث عن كون المنافسة حول تصدر النتائج محصورة بين التجمع والبام وهذا ما يبرر التشنج الحاصل بين مرشحي الحزبين الذي يغديه العدالة والتنمية أملا في ضرب مصداقية التجمع إن تصدر الانتخابات.
    يجمع الجميع أن العدالة والتنمية فقد الكثير من شعبيته بفعل النزيف الداخلي وتراجع شعبيته، ولكن السؤال المطروح هو إلى أي حد سيتقهقر الحزب، وهل إلى الحد الذي يجعله غير  معني بتشكيل الحكومة المقبلة إذا تكلف بتشكيلها أخنوش أو وهبي، لأن بيانات الحزب حول الحملة الانتخابية لا تحتمل إلا قراءة واحدة هي أن الحزب يهيئ قواعده لهزيمة محتملة تخرجه من تدبير الشأن العام.
    لن تحدث المفاجأة في تشكيلة البرلمان التي ستكون متناسبة مع حجم تمثيلية كل حزب في المجتمع وهذه من حسنات نظام الاقتراع المعتمد الذي يحفظ حضورا لكل القوى السياسية بشكل يتناسب تقريبا مع قوتها في المجتمع. وبعد ذلك تبقى الكرة في يد الأحزاب لفرز مؤسسات منسجمة وقوية وفعالة.
    تنتظر المؤسسات التي ستفرزها هذه الانتخابات تحديات داخلية وخارجية وعلى كل المشاركين التعامل مع الانتخابات باعتبارها لحظة وليست مرحلة ممتدة في الزمن. ينبغي الانتقال إلى ما بعد الانتخابات لتشكيل المؤسسات القوية والمنسجمة والمتجانسة في احترام للوعود ووعي الناخبين وتناغم سياسي وإيديولوجي وإلا فإن هذه الانتخابات يمكن أن تكرس مزيدا من النفور والعزوف. وسنرى هل ستتمكن الأحزاب من ذلك أم تجرجر كما حدث سابقا البلاد في حالة انتظار طويلة يكون الخروج منها بتدخل ملكي. على الأحزاب أن تتحمل مسؤوليتها من الآن وتهيء نفسها لسيناريوهات ما بعد إعلان النتائج.
    في الجهة الأخرى هناك مقاطعون لكل العملية السياسية ولكل المؤسسات المنبثقة عنها. وهذا حقهم طبعا، ولكن عليهم أخلاقيا تجنب المزايدات وتضخيم الأنا والركوب على أعداد غير المشاركين لتصنيفها في خانة المقاطعين واحتسابها لصالحهم.
    القاعدة المنطقية والتي لا تحتاج كثير جهد للإقناع هي أن ليس كل من لم يشارك يوم الاقتراع يمكن اعتباره مقاطعا، فهناك من منعته أعذار عدة، ذاتية وموضوعية، للإدلاء بصوته. على المقاطعين تقديم مؤشر منطقي لحجمهم في الساحة كما هو الشأن بالنسبة للمشاركين في العملية الانتخابية. لقد كان الباب مفتوحا أمام دعاة مقاطعة الانتخابات طيلة الحملة وقبلها وجربوا كل وسائل التواصل بدءا بالشارع رغم حالة الطوارئ الصحية، ومرورا بتنظيم الندوات والتدوين في مواقع التواصل الاجتماعي، وانتهاء بتنظيم الحملات الدعائية وصياغة هاشتاغات “مامصوتينش” و”لن نصوت” بكل اللغات الحية، حيث بدا الخلاف شاسعا بينهم حول ما هو الأجدى: هل استعمال الدارجة أم اللغة العربية ليتضح أن الرفاق والإخوان يمكن أن يتصارعوا عند أول اختبار. على دعاة مقاطعة الانتخابات التحلي بالمنطق والصراحة واحتساب حجمهم من خلال عدد المتجاوبين مع دعواتهم وصفحاتهم ومتابعي ندواتهم. والحقيقة أن هؤلاء لا يتجاوزون على الأكثر بضعة آلاف كما هو الشأن في الندوة التي أطرها نهجاوة والعدليون بمشاركة أعلى هرم القيادات السياسية، وهي الندوة التي شهدت تعبئة استثنائية من طرف التنظيمين معا وكانت نتيجة المتابعين مخيبة للآمال وتعكس الوزن الحقيقي لهما معا. وهناك مؤشر آخر كان يمكنه وضع كل فريق المقاطعة في الميزان الحقيقي ولكن دهاقنة الفريق تنبهوا في اللحظة الأخيرة فحذفوه، ويتعلق الأمر بصفحة على الفيسبوك تحت عنوان مامصوتينش أغلقت ساعات بعد فتحها مخافة الفضيحة إن هي لم تتجاوز الأرقام المليونية التي يدعون تمثيلها ويتحدثون باسمها زورا. هذه الصفحة التي كتبت بالدارجة بداية والتي تقف وراءها العدل والإحسان التي قادت الحملة ضد استعمال الدارجة منذ سنين تبين درجة ميكيافيلية الإخوان وبأن عندهم ذاكرة قصيرة لأنهم يطالبون بشيء ويأتون نقيضه في مدة وجيزة. لماذا لم تكن عندهم الشجاعة لقيادة المقاطعة باسم الجماعة؟ لماذا يدفعون شبيبتهم لذلك بشكل غير رسمي؟ إنه الخوف من الحقيقة التي يعرفونها جيدا وهي أنهم لا يمثلون شيئا في المغرب ومعزولون عن الفئات العريضة من المغاربة. ولأنهم ألفوا أسلوب المناورات والغموض وكلنا يتذكر إنزالات الجماعة في 2011 رغم أنها كانت تقول أن الأمر يعني الشبيبة فقط كما كان في بيان دعوتها للانخراط في حركة 20 فبراير.
    المسؤولية الأخلاقية تقتضي من إخوان العبادي ورفاق البراهمة ومن على يمينهم ويسارهم من المقاطعين التحلي بالصدق والشفافية ويتحدثون فقط باسم من في صفهم ومن يتجاوب مع أنشطتهم وليس باسم المغاربة. كما أن هذه المسؤولية تستلزم من المشاركين في هذه الانتخابات تحمل تبعات نتائجها ونسبة المشاركة فيها لأنها هي التي وضعت إطارها القانوني والتنظيمي والإجرائي والمؤسساتي.
    وليكون دعاة المقاطعة في مستوى الحدث، كان عليهم عدم الاقتصار على لعن الظلام وتسويد كل تاريخ المغرب لأن الشعب في انتظار من يبادر ويقترح ويشعل شمعة، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام من يدعي زورا أنه يمثل الشعب. والحقيقة أنني لم أستخلص شخصيا وأنا أتابع منذ عقود خطاب المقاطعين إلا نبرة عدمية سوداوية تشاؤمية خالية من أي اقتراح مفيد وهذا ما صار يعيه أتباعهم قبل الشعب فصار ينفر من هذا الخطاب ويكون أول العازفين عن حضور أنشطة هذه التنظيمات والتفاعل مع تدوينات القيادات. ويمكن التأكد من هذا من خلال إطلالة بسيطة على حجم التفاعل مع تدوينات كل القيادات مجتمعة التي أصيبت بإسهال التدوين خلال هذه الفترة لدعوة المغاربة إلى المقاطعة.
    في الضفة الثالثة هناك طوابرية قلبهم على ألمانيا ويبذلون مجهودا خرافيا لإقناع غيرهم بأن المغرب أخطأ تجاهها بقراره ضدها وتجاهله لأي خطوة تقارب معها مقارنة مع إسبانيا. ولأن الطوابرية تجار ولا يعرفون إلا الفلوس فلم يكن أمامهم إلا المبلغ المالي الذي يقدمونه بعد النفخ فيه كخسارة يتكبدها المغرب لأنه كان يتلقاها من ألمانيا على شكل مساعدات. للأسف لا يرى الطوابرية في كل ما يحدث إلا الهبات والمساعدات لأنهم فقدوا عزة الوطن وكرامة المواطن ونبل الدفاع عن الوطن. نسوا الاستهداف المتكرر لوحدة المغرب والانتصار المبالغ فيه لأعداء الوحدة الترابية والتحيز المفضوح لمن يستهدف مؤسسات الوطن والكيل بمكيالين تجاه القضايا التي تهم المغرب.
    للأسف لم يحين هؤلاء جميعا طريقة تفكيرهم ليعلموا أن المغرب الجديد لا يرضى بالإهانة والتنقيص ولو صدر من أعتى قوة فهذا زمن جديد لا مكان فيه للتبعية. هذا زمن الشراكة والندية والتقدير والاحترام المتبادل. واللي عندو شي فلوس أو غاز أو ما شابه يريد أن يستعبد بها هذا البلد يخليها عندو أحسن. والحمد لله أن للمغرب قادة وحماة قادرين على فتح واجهات كثيرة كلما أغلقت واحدة ولهم من الكفاءة ما يجعلهم يطورون بدائل أفضل. والأيام بيننا هي الفيصل. لم يوجد بعد من يبتز المغرب ويخضع المغاربة لأجندته، ومن اختار التعامل مع المغرب والشراكة معه ليس مطلوبا منه إلا احترام المغرب ومؤسساته وقوانينه وإلا فعليه تحمل تبعات اختياراته. وعلى الجميع استيعاب أن اللجوء إلى الخدمات السرية لهؤلاء الطوابرية لن يصنع ضغطا على الدولة ولن يؤثر في المغاربة لأنهم ببساطة بعيدين عن نبض المغاربة واهتماماتهم.
    نلتقي في بوح قادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة طنجة…توقيف شخص  متورط  في ارتكاب جريمة قتل عمد داخل مؤسسة استشفائية