بوح الأحد : أنصار الفوضى يستنفدون طاقتهم في استجداء تعاطف لن يأتي
بوح الأحد : أنصار الفوضى يستنفدون طاقتهم في استجداء تعاطف لن يأتي، الصحافة ليست جريمة و الجماعة تخلد ذكرى شيوخ الدم، ثامن مستعمرة سابقة تنتفض ضد فرنسا و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
يصر أنصار الفوضى على نشر المغالطات لاستجداء تعاطف شعبي مع قضاياهم الخاسرة. سينتظرون كثيرا بدون طائل. لن يأتي هذا التعاطف إطلاقا وسيحصدون الهزائم تباعا لأن قضاياهم غير عادلة، ومن يدافعون عنها لا يتمتعون بمصداقية، والرأي العام استوعب حقيقة تلك القضايا، والمنابر الدعائية والمنظمات المأجورة استنفذت كل طاقتها بدون جدوى، ولأن في البلد قانون ومؤسسات لإنفاذه لا تخضع لمثل هذه الضغوط ولا تأخذ بعين الاعتبار إلا الوقائع وتكييفها القانوني بعيدا عن تأويلات من يريد تسييسها بالتعسف.
بعد إفلاس شعار “فري كلشي” الذي اكتشف “مبدعوه” أنه لم يؤثر حتى في بعض أنصارهم الذين لم يقتنعوا به لأنه غير منطقي وغير قانوني وغير حقوقي، وأن أقصى ما يجب أن يطالبوا به هو الحق في محاكمة عادلة للمتابعين، وكل التقارير الموضوعية تفيد بأنهم تمتعوا بها كما هي منصوصة في المواثيق الدولية المعتبرة. وبعد فشل طبع تلك المحاكمات بطابع سياسي بإضفاء بطولات على المتابعين فيها بجرائم أخلاقية وجنائية، ها هم هذه المرة يستمرون في التدليس على الرأي العام والكذب على أنصارهم بشعار “الصحافة ليست جريمة”.
الصحافة ليست جريمة. كلام حق يراد به باطل. هو محاولة لتزوير الواقع وطمس الحقائق وتضليل الرأي العام. من قال بأن الصحافة جريمة؟ ومن يجرؤ على ذلك؟ وهل هناك ما يسند هذا الادعاء من نصوص القانون وواقع الممارسة؟
الصحافة مهنة جليلة والمشرع أحاطها بأرقى الضمانات الدستورية حين نص على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”، وأتاح لها حرية التنظيم الذاتي وتنزيل مقتضياتها الأخلاقية كما سطر ميثاق الأخلاقيات ممثلو الصحافيين المنتخبين “تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به”، وأفرد لها قانونا متقدما خاليا من كل العقوبات السالبة للحرية، بل إن قانون الصحافة والنشر في المغرب لا يبيح تطبيق الإكراه البدني في قضايا الصحافة والنشر في حالة العجز عن الأداء المثبت بالوسائل المقررة قانونا (م92). ناهيك عن ضمان حق الصحافي في حماية مصادر أخباره بالسرية حيث لا يمكن الكشف عنها إلا بمقرر قضائي وفي حالات خاصة كما هو معمول به في كل التشريعات المتقدمة، وضمان الحق في الولوج إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومات من مختلف المصادر. واعتبر القانون أن هذه كلها التزامات للدولة حيث نصت المادة 7 منه على “تلتزم الدولة بضمان حرية الصحافة وترسيخ الديمقراطية وتعددية الإعلام وتعمل على الالتزام بها”. من أين استقى هؤلاء الهامشيون أنصار الفوضى شعارهم هذا إذن؟
في المغرب، يبلغ عدد الصحافيين، حسب إحصائيات سنة 2022، ما مجموعه3492 صحافيا، منهم 392 ولجوا إلى المهنة لأول مرة. وهو ما يعني أنها مهنة تستقطب كل سنة منتمين لها بنسبة معتبرة. أين إذن ما يدل على أن الصحافة جريمة؟ وهل يقبل عقلا أن ينضم لها هذا العدد كله وهي جريمة؟ وهل يصح أن يصمت كل هؤلاء الصحافيون عن هذه الجريمة؟
في المغرب كذلك مئات المنابر الصحافية الورقية والإلكترونية والسمعية والبصرية، وكلها تشتغل في جو من الحرية والمهنية والتنافسية. والأهم أن المغرب من الدول التي تعتمد الإيداع لدى القضاء وبنظام التصريح فقط. فأين ما يدل على أن الصحافة جريمة في كل هذا؟
ليس هناك مؤشر من القانون أو من الواقع يسعف أنصار الفوضى لإقناع المغاربة بأن الصحافة جريمة، وهذا ما يصيبهم بانتكاسة حقيقية لأنهم يفقدون حتى بعض أتباعهم الذين يكتشفون زيف وكذب وخداع هذه الشعارات التي تبطن ما لا تظهر.
نعم، الصحافة ليست جريمة. وهذا لا يعني أن الصحافيين ملائكة. كغيرها من المهن، يمكن أن يسقط بعض الصحافيين في جرائم قد ترتبط بممارسة المهنة وهذه ينظمها قانون المهنة كما هو الشأن بالنسبة لكل المهن وتسمى جرائم الصحافة والنشر في الصحافة كما تسمى الأخطاء الطبية في مهنة الطب وينطبق هذا على كل المهن، وجرائم قد لا ترتبط بممارسة المهنة وهي جرائم يتابع فيها ممتهن الصحافة وغيرها كمواطن مثل باقي المواطنين لأن الجميع سواسية أمام القانون.
الصحافة ليست جريمة ولكن هناك بعض المنتسبين للصحافة مجرمون كما هو الشأن في كل المهن الأخرى. يُلزم المنطق أن يكون هؤلاء المجرمون تحت طائلة القانون حماية للمهنة من جرائمهم وتحصينا لها من إساءاتهم. تجد متابعة هؤلاء أساسها القانوني في فعلهم المجَرَّم وليس في المهنة التي ينتسبون إليها ولم يرعوا لها نبلها وهي بريئة من جرائمهم. ينطبق هذا على كل المهن، سواء كانت صحافة أو أمنا أو هندسة أو طبا أو تعليما أو غيرها.
ألا يتابع الأطباء بارتكاب أخطاء طبية؟ ألا يتابع الطبيب بالقانون الجنائي في حالة ارتكابه لجرائم جنائية؟ ألا تنطبق نفس القاعدة على رجال الأمن ونسائه؟ وعلى المهندسين؟ وعلى الأساتذة؟ …
الصحافة ليست جريمة، والحمد لله أن الصحافيين في المغرب يعون جيدا هذه الحقيقة مثل وعيهم بأن هناك منتحلون لهذه الصفة يريدون قسرا الانتساب لها بدون التوفر على شروط ذلك كما هو حال غلام المعطي الذي يسوق نفسه كآخر صحفي مستقل!! هل يقبل الصحافيون على أنفسهم أن يعاملوا بهذه التصنيفات المجحفة فيوضعون جميعا في خانة “غير المستقلين”؟ هل الحماموشي صحافي؟ هل هو مستقل؟ ومستقل عمن وهو غلام تابع ومريد خاضع للمعطي؟ ألا يعتبر كلامه هذا تشهيرا بكل الصحافيين المغاربة؟
وهناك منظمات، تنتسب للصحافة، تتعمد خلط الأوراق وتعمد إلى نسب بعض “المحميين” لحقل الصحافة ليتمتع ب”امتيازات” أو لتمنح لنفسها صلاحية تبني قضيته، كما هو حال المعطي الذي تصنفه بعض الجهات “صحافيا استقصائيا” رغم أنه يمتهن التدريس، وهي نفس حالة عمر ولد البروكسي. هؤلاء الذين ينسبون للصحافة ما ليس منها هم من يرتكب الجريمة في حق الصحافة ليجعلوها “مهنة من لا مهنة له” أو “مهنة من يريدون تمتيعه بأفضلية”.
الصحافي ليس فوق القانون، وهو مواطن كغيره من المواطنين، ويتابع بالقانون الذي يسري على غيره من المواطنين في غير جرائم الصحافة والنشر. وهذا ما ينطبق على سليمان الريسوني وعمر راضي وتوفيق بوعشرين.
جرائم هؤلاء لا علاقة لها بالنشر إلا إذا أراد البعض إدراج أفلام بوعشرين البورنوغرافية ضمن الإعلام السمعي البصري، أو إدراج محادثات سليمان مع ضحيته ضمن برنامج إذاعي سجلته إحدى الإذاعات بنية بثه للعموم بعد ذلك، أو إدراج تخابر عمر مع سفارات ضمن مهام المراسل الصحافي الاستقصائي؟ هل يحق هذا؟ هل يقبل العاقلون من أنصار أصحاب الفوضى هذا؟
في كل الأحوال، لا يمثل هؤلاء عدد أصابع اليد الواحدة من آلاف الصحافيين. فكيف يتم رفع هذا الشعار؟ وكيف يستسيغ هؤلاء هذا التعميم الظالم؟ ولماذا يريدون تشويه الصحافة في المغرب بهذه الادعاءات الباطلة؟
هذا مثال آخر يكشف فشل الاستراتيجية التي يتبعها خدام الخارج. فشلوا في الاستقواء بالخارج رغم تدخل كل حماتهم بما نشروا من مواضيع ودبجوا من تقارير وصاغوا من توصيات ولكنها لم تحقق نتيجة لأنها غير مبنية على أساس قانوني وغير مؤسسة على مرجعية حقوقية وغير مسنودة بوقائع تدعمها، بل كل الوقائع تفيد بتورط مرتكبيها في جرائم يلزم أن يستحيي من يرتكبها من الانتساب ل “صاحبة الجلالة”.
فشل خدام الخارج في إيجاد دعم شعبي لقضاياهم، بل فشلوا حتى في الحفاظ على حصيصهم الذي يتناقص بفعل حال اليقظة الذي ينتاب بعض من كان مغيبا بشعارات مزيفة سرعان ما يكتشف أنها عكس الحقيقة.
فشل الطوابرية في استفزاز مؤسسات الدولة لتنزل إلى حضيض المواجهة معهم في ملعب ردود الأفعال لأنها أكبر من أن تسقط في هذا المستنقع الذي يتقن اللعب فيه أنصار الفوضى ممن ألفوا الاصطياد في المياه العكرة.
فشل الطوابرية في “تسييس” تلك القضايا لينالوا بها شرف “معارضي النظام” أو “ضحايا المخزن” أو “معتقلو الرأي” لأنهم في الحقيقة ضحايا رغباتهم الجنسية المرضية ومعتقلو نفوسهم الأمارة بالسوء ولا قدرة لهم على معارضة أهوائهم.
اصطدم الطوابرية بصخرة القانون وصلابة مؤسسات الدولة فاكتشفوا أن حماتهم تخلوا عنهم وانشغلوا بقضايا أهم منهم لأنهم لم يكونوا سوى وقودا وأدوات وأوراق ضغط احترقت وصار الاستمرار في اللعب بها مكلفا لهم.
أصبحت الكآبة تخيم على محيط الطوابرية، وصار العقم ملازما لأعمالهم، والأثر مفقود في كل خطواتهم، ولم يعد يسمع لهم صراخ خارج دوائرهم الضيقة، وخسروا معركة القانون والقضاء كما خسروا معركة السياسة وحقوق الإنسان والإعلام. هذا ما يفسر أنهم مستمرون في تجريب المجرَّب رغم ثبوت فشلهم كما هو حال زيان الذي يستمر في فضح نفسه بإصراره على التعليق على كل ما يحدث في العالم من زنزانته وحرص كتيبته على نشر تلك الترهات وتسويقها كتحليلات.
يثبت زيان بهذا الإصرار أنه يتمتع بكل حقوقه في السجن ومنها متابعته لوسائل الإعلام وتمتعه بنظام غدائي وصحي يساعده على التفكير والتحليل والمقارنة والاستنتاج والاستخلاص. أو يثبت زيان في حالة ادعائه عكس ذلك أنه انتسب زورا طيلة عقود خلت إلى فئة الساسة ولذلك فإنه اليوم، كما الماضي، يتعسف على الحقائق ويخوض في تحليل متسرع وموجه للأحداث بدون توفره على المعطيات اللازمة وبدون تمتعه بالصحة النفسية والذهنية والجسدية الضرورية للتحليل.
حالة العقم التي أصابت أنصار الفوضى لإيجاد وسائل جديدة هي من تدفع عدلاوة هذه الأيام إلى الترويج لأفكار سيد قطب بمناسبة إعدامه بما يفضح حقيقة اللاءات التي تروج لها زورا وضمنها لا للعنف. وصل الأمر بغلامها بناجح حد وصف سيد قطب ب”الشاهد بالحق وشهيد الحق” متناسيا أفكاره حول جاهلية العالم وتكفير مخالفيه والعزلة الشعورية والاستعلاء على الغير. هل يؤشر هذا الكلام على تحول في خط الجماعة بعد اكتشافها خطأ استراتيجيتها السابقة؟ أم أن في التصريح بتبني أفكار سيد قطب تأشير على دخول الجماعة مرحلة التمكين بالعنف كما هو دأب جماعات الإسلام السياسي؟
ما يؤكد هذه الفرضية هو إسهال التدوين الذي أصاب مريدي الجماعة احتفالا بالانقلابات التي تصيب في الآونة الأخيرة القارة الإفريقية. وصل الأمر بقيادي الجماعة، ممثل نظام الكابرانات في مجلس الإرشاد، حد التساؤل عن “الانقلابات التي تزحف اليوم على إفريقيا هل هي الحل الوحيد لمواجهة الأنظمة الدكتاتورية القائمة التي أذلت الأفارقة وجعلت الناجين من الغرق منهم متسكعين على أعتاب أوروبا؟”. هذه هي حقيقة عدلاوة أنصار الانقلابية والعنف والذين يقسمون العالم إلى فسطاطين (إسلام وجاهلية) وغير ذلك ليس إلا تقية تتغير حسب كل مرحلة. فمتى يستيقظ الديمقراطيون الحقيقيون من وهم التقارب مع عدلاوة؟
حالة اليأس بلغت بالكثير من أنصار الفوضى حد الترويج للانقلابات ليفضحوا أنهم غير ديمقراطيين وأن عقدتهم هي الحكم ويحلون كل شيء للوصول إليه. لذلك أباح أصحاب ريفيزيون لأنفسهم النقل المباشر لوقائع تلك الانقلابات ظنا منهم أنها قد تشحن الأجواء وتوتر الأوضاع وتصنع بيئة ومناخا ملائمين لتصدير أفكارهم الانقلابية المعادية للاستقرار. الحقيقة أنهم يفضحون أنفسهم، ويصرحون بأفعالهم هذه أنهم أنصار فوضى، وأنهم مجرد بيادق ضمن لعبة مخطط نشر الفوضى والإضرار بالاستقرار الذي صار عقدة لدى من يرون استمرار سيطرتهم على الموارد والثروات رهينا بنشر الفوضى في الدول لضمان تبعيتها وضعفها.
فؤاد والمعيطي مصابان بحسرة تدني مشاهدات “مغربهم الأسبوعي” ويستبقان من الآن موته الطبيعي بافتعال خطاب استفزازي مليء بالتضليل والعداء للمغرب ورموزه. يبحث أصحاب ريفيزيون على ما سماه المعيطي ب”شرف المتابعة بجرائم سياسية”، ولذلك فهم يمعنون في التطاول والاستفزاز. لحد الآن لم يعط الميركاتو نتائج تسر فؤاد وتجعله يطمئن على مستقبل “برنامجه”. ستستمر في حصد الفشل وتتفرج على الانحدار الذي تهوي به إلى القاع ولن تجد من تنسب إليه فشلك.
نظام الكابرانات مبتهج بريفيزيون وغيرها من “الدراري” الذين يروجون لخطاب بن بطوش ويسوقون لهزائم تبون باعتبارها انتصارات كأمثال الكوبل دميا اللذين اكتشفا أن “المغطي بفرنسا عريان”. اكتشف الكوبل أن “سبع أيام ديال البكور انتهت” وصارا يكيلان لفرنسا من التهم ما لم يقله مالك في الخمر. الحقيقة التي يريد أمثال هؤلاء الاعتراف بها هي أخطاؤهم في حق المغرب ورفضهم الاعتذار للمغاربة وتراجعهم عن الإساءات التي تسببوا فيها.
لخص لافروف كل شيء وهو يصف حقيقة الدولة في الجزائر. تحدث عن المعايير والإجراءات التي تم إعمالها لتوسيع البريكس، ولخصها في “هيبة الدولة ووزنها السياسي وموقفها على الساحة الدولية وأن تكون من ذوي الأفكار المشتركة مع دول المجموعة”. الجزائر التي تقدمت إذن بترشيحها للبريكس وأعلنت ذلك رسميا على لسان تبون في مونولوغه الإعلامي مع الصحافة التابعة لقصر المرادية، والجزائر التي حاولت إغراء دول البريكس بضخ مليار ونصف دولار في موارد بنك المجموعة لم تنجح في الظفر بالعضوية التي استحقتها خمس دول أخرى رغم الدعم الذي قدمته لها جنوب افريقيا.
تلقت جزائر تبون ضربة قاصمة برفض الانضمام للمجموعة، وتلقت ضربة قاتلة بإعلان أسباب الرفض. جزائر تبون إذن دولة بلا هيبة ولا وزن ولا مواقف معتبرة ولا تقدم قيمة مضافة للمجموعة. هذه هي الحقيقة كما جاءت على لسان لافروف. وقرار الرفض هو عين العقل لأن الجزائر ما دخلت منظمة إلا وأدخلتها لمنطق الحسابات الضيقة وصار شغلها الشاغل جعل عضويتها في خدمة عصابات البوليساريو التي تحصد الهزائم تباعا وصارت عبئا على الجزائريين يطلبون التخلص من ثقله.
تنضاف هذه الضربة لصفعة ماكرون حين نفى عن الجزائر صفة الأمة. هكذا يتضح أن تبون نذير شؤم على الجزائريين ولا يحفظ لشعب الجزائر كرامة ويرهن البلاد كلها، أرضا وشعبا وتاريخا، لمطامح شخصية وصراعات داخل مربع السلطة للظفر بولاية جديدة.
تسرع نظام الكابرانات لا حدود له. يغطون فشلا بفشل أكبر منه. مبادرة تبون لتهدئة أوضاع النيجر دليل آخر على هذا التسرع وعلى الخوف من الآتي من هناك. استبقوا الطلب الفرنسي باستعمال الأجواء رغم تأكيد فرنسا أنها لم تطلب منهم ذلك، وها هم يستبقون المستجدات على ضوء التوتر النيجري الفرنسي برفض فرنسا مغادرة سفيرها. الحل لم يكن سوى مبادرة متسرعة وناقصة وغير متوازنة وغير واقعية وغير قابلة للأجرأة. لذلك فمبادرة تبون ولدت ميتة ولم يتفاعل معها أحد، ولم تغط على الفشل في الانضمام للبريكس الذي لن يغفره الجزائريون لنظام الكابرانات.
الأولى للجزائر ونظامها الاستفادة من ملاحظات لافروف وفتح صفحة تقييم حقيقي لمسارها ومسيرتها. الأولى أن تشتغل بمراجعة سياساتها وخياراتها نحو مزيد من الاستقلالية والواقعية والاندماج في محيطه. الأولى أن تتقوى بشعبها من خلال سياسات تضع مواردها في خدمة هذا الشعب الذي لا يستحق الأوضاع والمعاناة التي يعيش فيها رغم الإمكانات التي تتوفر عليها الدولة. لن تجد الجزائر بهذه الأجندة من المغرب سوى التشجيع والتعاون والترحيب واليد الممدودة لما يقوي الاتحاد المغاربي الذي يفاخر للأسف رئيس الدبلوماسية الجزائرية عطاف بأن “الظروف لم تتغير بل تفاقمت سلبياتها ويصعب اليوم الحديث عن إحياء وإعادة الروح للاتحاد المغاربي”. هل المطلوب من نظام الجزائر التأسف؟ أم المطلوب منه إيجادُ السبل لإعادة الاتحاد المغاربي؟ سيما إن كان هناك اقتناع أن إحياءه مصلحة لجميع دول الاتحاد وللقارة الإفريقية والمنطقة المتوسطية كلها؟
هنا يظهر الفرق بين من يؤمن بتقوية العمل المشترك وبين من يبحث عن التهرب من ذلك. لن يعدم كل طرف الوسائل لتحقيق هدفه، ولكن حتما سيحسب لمن يريد رأب الصدع فضل بذل الجهد والاجتهاد وسيتحمل الطرف المتقاعس تبعات الجمود والفشل. التاريخ لن يرحم أحدا، والمستقبل سيفضح كل شيء، والشعوب لن تغفر لمن كان سبب شتاتها وإضعافها.
فرنسا الماكرونية تسير من سيء إلى أسوأ. تعشق المعارك الخاسرة وتنساق دائما وراء القضايا الوهمية. في الوقت الذي وقع فيه عمدة نيويورك مرسوما يسمح برفع الأذان عبر مكبرات الصوت الخارجية في صلاتي الجمعة والمغرب خلال شهر رمضان بدون الحصول على تصريح سابق مع السماح بتحديد أماكن مخصصة للصلاة في المؤسسات التابعة لبلدية نيويورك. في هذا الوقت يأبى وزير التعليم الفرنسي غابريال أتال إلا خوض معركة وهمية بمطاردة تلميذات بدعوى حظر “ارتداء العباءة في المدارس”. أإلى هذا الحضيض سقطت فرنسا الماكرونية؟ ألهذه الدرجة صارت تتوسع حد التسيب في تأويل قيم الجمهورية بهذا التعسف المفضي إلى التضييق على حريات شخصية بما يصنع جيلا ناقما على الدولة كلها؟
عوض الانشغال بالقضايا التي تهم المواطن الفرنسي اجتماعيا واقتصاديا وتضمن له ما يستحق من حقوق تتطرف إدارة ماكرون لأقصى اليمين لحسابات انتخابوية سابقة لأوانها وترهن فرنسا ومستقبلها لخطاب إقصائي وممارسات تجعل المجتمع الفرنسي جزرا لا رابط بينها.
يتزامن هذا مع خسائر في الخارج تحصدها فرنسا في مناطق وجودها في القارة الإفريقية. لم يستطع خطاب ماكرون السنوي أمام سفراء فرنسا في العالم أن يغطي عن هذا الإخفاق والتراجع. لم ينفعه الاختباء وراء الحلفاء، الاتحاد الأوربي وأمريكا، فيما اعتبره انتصارات، وكشف أن شعاراته التي رفعها منذ ولايته الأولى لم تتحقق على أرض الواقع والسبب ليس عدم واقعيتها ولكنه عدم كفاءة وشجاعة وواقعية ماكرون نفسه والمحيطين به.
قد يكون للعنة الماضي الاستعماري نصيب، ويشترك في هذا النصيب كل من تعاقب على قصر الإليزيه قبل ماكرون. ما يتعمد ماكرون تجاهله لتضليل الفرنسيين هو العوامل الأخرى. أهم هذه العوامل عدم قدرة ماكرون على وضع فرنسا في محيط تنافسي شديد، وعجزه عن استمالة شعوب القارة الإفريقية وتحسين صورة فرنسا لديهم. أدخل ماكرون فرنسا معركة كسر العظام من موقع ضعف ولا قوة لها إلا التلويح بتدخل عسكري لا تحسب بدقة عواقبه ولا تجد من يساندها فيه من دول الجوار أو من الحلفاء. وحتى عقوباتها الاقتصادية لم يعد لها تأثير بل صارت هي الأكثر تضررا من كل إجراء تقدم عليه حكومات الدول الإفريقية لأنها تحرمها من ثروات تضمن بها قوتها لأنها بدون موارد افريقيا لا تساوي شيئا.
لذلك يزداد الحنق ضد فرنسا، وليس غريبا أن تقتصر الانقلابات على المستعمرات الفرنسية في افريقيا فقط لتصل إلى ثمانية خلال ثلاث سنوات. ليس غريبا أن يصل الإذلال الشعبي بفرنسا لحد التظاهر الشعبي في النيجر لطرد سفير فرنسا في نيامي باعتباره لم يعد مرغوبا فيه.
أوصل ماكرون فرنسا لحالة ذل وهوان لم يسبق لهما مثيل، ولذلك فالفرنسيون غير راضين عن أدائه بنسبة مرتفعة وصلت ما يقارب الثلثين حسب استطلاع الرأي الذي أجراه معهد “إيفوب” لفائدة “لوجورنال دو ديمونش” الأسبوع الماضي حول شعبية الرئيس.
هذه هي المرآة التي لا يريد ماكرون رؤية وجهه الحقيقي فيها ليعرف ما يعرفه الجميع عنه حتى صار أضحوكة رؤساء الدول الكبرى.
نلتقي في بوح قادم.
