بوح الأحد: الدينامية التي لن تتوقف الأمن في خدمة القضايا الإستراتيجية للمغرب…
بوح الأحد: الدينامية التي لن تتوقف الأمن في خدمة القضايا الإستراتيجية للمغرب، خبايا حكم محكمة العدل الأوروبية الذي صدر ثلاثة أيام قبل نهاية الإتفاقية و يعطي عاما كاملا من أجل تجديدها و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
دينامية المؤسسة الأمنية مستمرة، ومساهمتها في إنجاح بعض الأوراش الاستراتيجية متواصلة، وحرصها على مصالح المواطنين لا يتوقف، وتأمينها لاستقرار المغرب يتسع أفقيا وعموديا ليشمل مجالات صارت ذات حساسية كبرى عند المواطنين والمقاولات والمستثمرين.
في هذا الإطار يكتسي بروتوكول واتفاقية الشراكة بين المديرية العامة للأمن الوطني وبنك المغرب الموقعين هذا الأسبوع أهمية كبيرة في تحصين المعاملات المالية والحد من التزوير ودعم إمكانية التحقق الرقمي الفعال والآني من بيانات فتح حسابات بنكية لدى مختلف البنوك المغربية لأن البروتوكول الموقع سيخول لبنك المغرب استغلال الوظائف التقنية للبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية في مجال مكافحة الاستعمالات التدليسية والاحتيالية للوثائق التعريفية، وهو ما سيساعد على تقوية آليات التحقق من الهوية ومحاربة تزويرها وتبسيط المساطر ورقمنة الخدمات، والهدف هو حماية مصالح المرتفقين والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة إليهم؛ أما الاتفاقية الثانية فتهم تقوية التعاون بين المديرية العامة للأمن الوطني وبنك المغرب في مجال حماية المنشآت الإدارية للبنك ومتاحف النقود التابعة له وفرعه ووكالاته وتمكينه من المرافقة الأمنية اللازمة لتأمين نقل الأموال والقيم، وكذا تعزيز هذا التعاون عن طريق تنظيم دورات تحسيسية وتمارين محاكاة من أجل اختبار مدى جاهزية المصالح المعنية للتدخل عند الضرورة.
هذه مبادرة مطلوبة وفي وقتها وتسرع فعالية التحول الرقمي في القطاع البنكي وتزيد من تقوية موقع المغرب والثقة في نظامه المالي والبنكي لأنها تحصن المعاملات وتؤمن المؤسسات البنكية وتشعر المرتفقين بالأمان وتزيد الثقة في المرافق المالية، ولذلك فقد تلقاها المعنيون بها بقبول حسن وارتياح كبير، ويمكن أن يكون لكل هذه الإيجابيات أثر على تحفيز الاستثمار وتوسيع دائرة الاستبناك والتعاملات المالية الشفافة المؤمنة.
وفي إطار دعم الشفافية والتبسيط والتجويد، انخرطت المديرية العامة للأمن الوطني بتعاون كذلك مع محكمة النقض والوكالة القضائية للمملكة والخزينة العامة للمملكة في تنظيم يوم دارسي حول موضوع “المداخل الأساسية لتجويد تدبير منازعات الصفقات العمومية”. وهو ورش آخر ذو طبيعة استراتيجية داخليا وخارجيا ويساهم في تعزيز الثقة في المغرب ويمنحه جاذبية استثمارية هو في أمس الحاجة إليها في ظل التحديات المستقبلية التي تنتظرنا.
أصبحت المؤسسة الأمنية شريكا منفتحا على كل المرافق لتعزيز حكامتها وتحسين جودة خدماتها من زاوية ما يفترض في هذه المؤسسة أن تقوم به من إرساء الأمن بمفهومه الواسع ودلالاته المتجددة.
بدأت ثمار تجديد هذه المؤسسة تؤتي أكلها وتجني منها كل المؤسسات التي تتقاطع معها في مجالات اشتغال مشتركة. وهذه إحدى نقاط قوة حموشي الذي يؤكد بمثل هذا الانفتاح والشراكات تهممه بالصالح العام لكل مرافق الدولة وقدراته القيادية والتدبيرية والتنظيمية والتواصلية والفكرية والاستشرافية، حيث استطاع بمقاربته الدامجة مصالحة الأمن مع المواطنين والمقاولات والمؤسسات والمرافق العمومية.
القوة التواصلية لمؤسسات الدولة بشكل مهني ومستمر صارت ضرورة ملحة لقطع دابر الشائعات، بل إنها أصبحت تؤرق الطوابرية الذين ألفوا الفبركة والكذب والنفخ والتضخيم. أهم مثال تجلى واضحا هذا الأسبوع كان مصدره المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج التي قررت وضع حد لادعاءات زيان الذي نشرت جريدته خبرا عاجلا (هكذا عنونته) مفاده أنه تعرض لثلاث نوبات قلبية في سجنه ويجد صعوبة في الكلام. وطبعا هذا تمهيد للنواح خوفا على صحته وحياته واستجداء الإفراج العاجل عنه أو نقله إلى مصحة خارج السجن.
قررت مندوبية السجون تحريك المتابعة في حق الجهة الناشرة لأنها اعتبرت ما نشر افتراءات تمس سمعة المؤسسة وسمعة الموظفين العاملين بها مؤكدة أن زيان يتمتع بجميع حقوقه التي يكفلها له القانون وضمنها التطبيب.
كان يفترض أن يكون زيان أول مرحب بهذه الدعوى طالما أنه رجل قانون ونقيب سابق ومطمئن للتشخيص الذي سربه عبر عائلته أثناء الزيارة مع أنه تشخيص ليس مصدره طبيب متخصص وغير منطقي ولا يقبله عقل سليم ولا يستسيغ نشره منبر مهني يتحقق مما ينشره. كيف لمن تجاوز سنه الثمانين تحمل ثلاث نوبات قلبية في يوم واحد؟ هل يمكن أن يعيش بعد هذه الأزمة؟ وهل يمكن أن تكون عنده قوة الخروج لمجالسة زواره والحديث معهم؟ فأحرى أن يتبادل معهم الحديث عن ذكرى الحرب على غزة والعدوان على لبنان وباقي الحجايات.
بمجرد ما أعلنت مندوبية السجون قرارها وأصدرت بلاغها التوضيحي للرأي العام أصيب زيان بالسعار وبدأ يلطف عباراته ويتراجع عما كان أكده بعبارات عامة مثل أنه يشعر بآلام على مستوى الجهة اليسرى من صدره، وأن الطاقم الطبي لمصحة السجن لم يجزم رغم الفحوصات، في مصدر هاته الآلام، ولكنه كعادته يفهم في كل شيء ويسمح لنفسه أن يجزم فيما عجز الطبيب عن تشخيصه مدعيا أنها تعني نوبات قلبية. وكالعادة فإن “همم” -التي تديرها همم ساقطة تنتعش في الإشاعة- موجودة في الذمة بأسلوب “التحياح” وهي التي لا تتقن سوى البلاغات دون تأكد مما يضعها في خانة مضادة للدولة بدون تبين أو تحقق. والأدهى أنها مستعدة لوضع التوابل “الحارة” على الشائعة بعد أن نسبتها لمنابر إعلامية بصيغة الجمع والحقيقة أن لا أحد نشرها غير موقعه، بل إنها مستعدة للكذب بشأن نوبات زيان الحالم ب”الإفراج القلبي” بعد أن يئس من العفو ومن استعمال جنسية أجنبية مُدَّعاة.
يبدو أن زيان ضاق ذرعا بقضاء عقوبته الحبسية وأصبح مستعدا لكل شيء، ولكن محاولاته تبوء دائما بالفشل وتورطه أكثر أمام المؤسسات والقضاء والإعلام والمغاربة، ولذلك يحاول رفقة كتيبته افتعال ضجة للتعمية عن تخليه عن مغربيته لفائدة إسبانيته التي لم تنفعه واستفزاز مؤسسات الدولة ولكنه حين يجد يقظة مؤسساتية وتواصلا سريعا وشفافا يظهر على حقيقته ك”خواف” من الحقيقة. وصار يجيز لنفسه الكذب وادعاء خطورة وضعه الصحي لضمان خضوعه لفحوصات دقيقة خارج السجن وليس داخله، وفي بيئة طبية توفر التجهيزات والوسائل المتطورة المطلوبة للوقوف على الأسباب الحقيقية لحالته الصحية هاته. لم يعد يقنعه وضع غرفة خمس نجوم وصار يطلب ما لم يوص به الطبيب المختص ويعول على الضغط لنيل مطلبه الذي يتعارض مع قانون السجون وحقوق الإنسان والتكافؤ مع باقي السجناء. هو في الأصل ما تصور يوما أنه مثل باقي المغاربة لأنه سوبر سبع.
كان لا بد أن أستهل بوح هذا الأسبوع بما سبق، وأعلم أن الكثير من القراء الأوفياء ينتظرون تحليلا وموقفا وتوضيحا بخصوص حكم المحكمة الأوربية.
كشف حكم المحكمة الأوربية الغطاء وأظهر حقيقة الطوابرية الذين لا يفرحهم إلا ما يسيء- في ظنهم- للمغرب ولو اقتضى الأمر التعسف بأشد الطرق للنكاية في الوطن، وآخر ورقة لعبها بعضهم بنوع من الانتشاء الذي سيكتشفون أنه كان بدون أثر أو مفعول هي قرار محكمة العدل الأوروبية CJEU بخصوص اتفاقيتي الفلاحة والصيد البحري الذي صدر منذ أيام، حيث أكد الحكم النهائي إلغاء هاتين الاتفاقيتين اللتان ظل العمل بهما منذ 2019.
كان هذا القرار منتظرا بالنظر إلى طبيعة هذه المحكمة وسوابقها وتركيبتها والصراع المَرَضي الذي يحكم مؤسسات الاتحاد الأوربي ويجعله أسير مزايدات تزيد من إضعاف هذا الاتحاد الذي تتضح من خلال مثل هذه الملفات أسباب تراجع تأثيره في السياسة الدولية.
علاقة المغرب بهذا القرار والدعوى التي نظرت فيها المحكمة تكاد تكون منعدمة لأن المغرب ليس طرفا فيها ولم يشارك في أي مرحلة من مراحلها ولأنه اعتبر نفسه غير معني بها منذ البداية.
قرار المحكمة الأوربية شأن أوربي خالص لا يهم المغرب إلا بمقدار ما ينبغي أن تقرره دول ومؤسسات الاتحاد على ضوئه بشأن التزاماتها تجاه المغرب، والمغرب بعد ذلك هو صاحب الصلاحية في كل ما يتعلق بسيادته وأمنه ووحدته وتعاملاته. وقد اختار المغرب مبكرا -تحسبا لمثل هذا النوع من المغامرات- أسلوبا متناسبا للتعامل مع شركائه قاعدتُه تنويع علاقاته وتوسيع دائرة شركائه، ولذلك فالمغرب يتوفر على بدائل متعددة وهو قادر على تصريف كل الارتدادات الجانبية لهذا القرار دون أن يتضرر منه.
لم يتأخر الرد من هذه الدول والهيئات، حيث سارعت أغلب الدول الوازنة في الاتحاد إلى تجديد تأكيدها على التمسك بشراكتها الاستراتيجية والمتميزة ومتعددة الأبعاد مع المغرب، ومن ذلك ألمانيا وفرنسا واسبانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا وهنغاريا وفنلندا والتشيك. وأكدت الأمر نفسه رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، والممثل السامي للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، حين عبرا على التزام الاتحاد الأوروبي بتعزيز العلاقات مع المغرب، وكذا البرلمان الأوربي الذي رفض بأغلبية ساحقة إدراج مناقشة هذا القرار في جلساته بعد تقدم بعض النواب المناوئين للمغرب بالطلب بإيعاز من جهات لم تعد تخفي حنقها من نجاحات المغرب. رفض المقترح أكد عزلة هذه التيارات “المتياسرة” التي ألفت هذا النوع من المغامرات لإحراج دول الاتحاد وإضعاف موقفها وعلاقاتها لأن منهم من هو غير مقتنع بجدوى هذا الاتحاد من الأساس، ولكن نتيجة التصويت الساحقة وضعتهم في حجمهم الحقيقي معزولين عن باقي ممثلي الشعوب الأوربية من كل التيارات السياسية.
هذا في حد ذاته انتصار مهم للمغرب داخل مؤسسة دأبت على المزايدة على المغرب واستفزازه، وطبعا هذا لا يراه الطوابرية ويتجاهلونه تماما.
يتضح من ردود الفعل السريعة والكثيرة التي صدرت عن دول أوربية استيعابها للفخ الذي سيضعها هذا القرار فيه وتداعياته السلبية على أمنها واستقرارها ومصالح فئات داخلها، كما هو الحال بالنسبة لدول الجنوب الأوربي خاصة.
وكما هي عادة الطوابرية فإنهم يتجاهلون مثل هذه الأحداث لأنها لا تصب في مصلحتهم، ويصورون القرار كأنه هزيمة للمغرب مع أنه في الحقيقة فضيحة للاتحاد الأوربي وورطة لمؤسساته، أما المغرب فعلاقاته الثنائية مع دول أوربا ستبقى قائمة وقد تتعزز أكثر وهي غير مشمولة وجوبا بهذا القرار.
من الناحية القانونية -ويلزم إيلاء هذا الجانب ما يستحق من نظر لأن المفروض في هذا القرار أنه صادر عن مؤسسة قضائية لا يهمها إلا إعمال القانون- (من هذه الناحية) يلاحظ أن القرار كان مشوبا بمجموعة عيوب شكلية ويحتوي الكثير من المغالطات الوقائعية ومحكوما بانحياز سياسي غير مبرر ضد المغرب.
من الناحية السياسية، لا يخفى أن في الحكم نوعا من الخضوع لبعض اللوبيات الفلاحية المتضررة من منتوجات فلاحية مثيلة لإنتاجها وافدة من خارج الاتحاد الأوروبي، ولكنها بالمقابل تضر بمصالح الكثير من الشركات التي تربطها علاقات وثيقة واستراتيجية مع المغرب.
من الناحية الزمنية، يطرح سؤال توقيت صدور هذا القرار في هذه الظرفية، طالما أن الاستئناف كان مباشرة بعد حكم ابتدائي في شتنبر 2021. فهل كان يلزم انتظار كل هذا الوقت لإصدار قرار لا يحمل بين طياته مجهودا يبرر استغراق كل هذا الوقت للنظر فيه؟ كما يلزم التذكير بأن موضوع الدعوى الاستئنافية أصبح من الأصل بدون جدوى لأن اتفاق الصيد البحري مثلا انتهى أجله في 17 يوليو 2023 وقد عبرت الدبلوماسية المغربية حينها عن موقف صارم تجاهه وبأنها ستعيد النظر في هذه الشراكة “بطريقة تراعي استراتيجيتها الخاصة بالصيد والعوامل البيولوجية”. إذن، بلغة القانون، يمكن القول بأن محل الدعوى غير قائم. فهل يعتبر هذا القرار نوعا من الابتزاز للمغرب؟ أو أسلوبا للي الذراع وإضعاف موقعه في التفاوض بشأن شروط اتفاق جديد؟ ويلزم ثالثا التذكير بأن هذا القرار يصدر في شهر أكتوبر وهو وقت يتزامن مع برمجة جلسات أممية حول هذا الملف. فهل يندرج القرار في إطار التشويش على الدينامية الحاصلة لحلحلة صراع طال بدون سبب ويرى البعض في إنهائه إضعافا لموقعه وإنهاء لابتزاز المغرب به؟ أم هي خدمة لنظام الكابرانات الذي ضاقت به الدوائر ولم يعد له من نصير بين دول الاتحاد التي تبتعد منه تباعا بعدما اكتشفت أنه الطرف الأصلي في هذا النزاع المفتعل وأنه عديم النية في إيجاد تسوية له. ويلزم رابعا وأخيرا إحاطة الرأي العام علما بأن القضاة الذين أصدروا القرار تنتهي ولايتهم بعد يومين من ذلك مما يفتح الباب أمام استفهام عريض عن خلفيات هذا التسرع بعد كل الانتظار لسنوات.
من ناحية أطراف الدعوى، كان المغرب منسجما حين لم ينصب نفسه طرفا في هذه الدعوى لأنه اعتبر دائما الموضوع شأنا أوربيا داخليا لا دخل له فيه إلا على ضوء ما تقرره مؤسسات ودول الاتحاد المعنية المباشرة به، ولذلك فمن تقدم بالاستئناف هما المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية وليس المغرب.
من ناحية الانحياز السياسي السافر، يمكن إعطاء مثال التعليلُ الذي قدمته المحكمة لإبطال الاتفاق، أي استدلالُها بأن الاتفاقين أبرما ب”دون استشارة شعب الصحراء الغربية”. هذه وحدها تؤكد الانحياز والجهل بوقائع الملف وتعمد الانتصار لعصابات البوليساريو. ألم يصل إلى علم المحكمة خبر الاستشارات الانتخابية المنتظمة التي تعرفها المنطقة الصحراوية؟ ألم تطلع على تقارير الملاحظين الدوليين الذين أقروا نزاهة تلك الانتخابات، ومنهم ممثلون للاتحاد الأوربي؟ بناء على أي أساس تنفي عن هذه المؤسسات الصفة التمثيلية للصحراويين؟ هل يعني هذا أنها تعطي الصفة التمثيلية للمحتجزين في أراضي جزائرية من طرف هذه العصابات؟ هل لديها ما يؤكد أصول الموجودين في مخيمات تندوف وجنسياتهم؟ ألم تنظر في تقارير الاتحاد التي أكدت التلاعب والاتجار في المساعدات؟ لم تترك تعليلات المحكمة فرصة للمطلع على قرارها لتجنب توصيفها بالجهل بهذا الملف، حيث تجاهلت متعمدة المجهود التنموي الذي بذله المغرب في هذه المنطقة بتخصيص عائدات صادراتها وزيادة لتطويرها تنمويا، وهذا أمر يمكن التأكد منه من تقارير زيارات وفود من الاتحاد نفسه للمنطقة. تشير الإحصائيات أن جهات الصحراء من بين الجهات الأقل فقرا في المغرب وأن مجموع الأموال التي ضخت في هذه الجهات منذ بداية النزاع تفوق بشكل كبير عائدات ثرواتها والاستثمارات التي استفادت منها المنطقة الصحراوية كبيرة لا تقل عن نظيراتها من جهات المغرب إن لم تكن أكثر منها. هذه كلها معطيات في المتناول لمن يبحث عن الحقيقة ويمكنه بعد ذلك مقارنة وضعية هذه الجهات مع مخيمات البؤس في تندوف الجزائرية التي ما تزال تفتقر إلى أدنى متطلبات العيش الكريم رغم ما يضخ فيها من مساعدات.
من ناحية الموضوع، نظرت المحكمة في موضوع لا اختصاص لها بشأنه لأنه يتعلق بالسياسة الخارجية للاتحاد، والقوانين التأسيسية للاتحاد الأوروبي، وخاصة المادة 275، تمنع على هذه المحكمة التدخل فيها، كما أنها سمحت لنفسها أن تخوض في صراع محددة على سبيل الحصر جهة الاختصاص في البث فيه وهي الأمم المتحدة وليس غيرها من الهيئات الإقليمية، و”التنوعير” الذي طالما قام به نظام الكابرانات لنقل النزاع إلى منظمات إقليمية مثل الاتحاد الإفريقي وغيره كان يبوء دائما بالفشل. فهل ترشح المحكمة نفسها للعب هذا الدور؟ وهل تم ذلك بعلم وموافقة دول الاتحاد؟
من ناحية التراتبية القانونية، يمكن للمطلع على القرار استنتاج تجاهله لكل القرارات الأممية في المجال، وخاصة تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وتعمده تجاهل كل التطورات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية وكأن المحكمة تنصب نفسها “فوق أممية” لا مرجعية تضبط قراراتها إلا أمزجة بعض قضاتها. لقد وضعت المحكمة نفسها خارج الاتحاد الأوروبي وفي تناقض مع القانون الدولي وليس من حقها أن تحسم فيمن يمثل الصحراويين لأن لهذا الاختصاص مؤسساته الدولية التي تنظر فيه وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
لا يخفى على أحد الخلفية الابتزازية لهذا القرار، ولعل أهم دليل على ذلك تنصيصه على منح سنة انتقالية لمؤسسات الاتحاد الأوربي لتدبير تصريف القرار، وهي مدة متعمدة للتفاوض على وضع جديد وبكيفيات جديدة تبقى كسابقاتها تحت رحمة هذه المحكمة.
يحسب للمغرب أنه قوى مواقعه وعزز شراكاته ونال بسبب وفائه بالتزاماته ثقة أغلب دول ومؤسسات الاتحاد، ولذلك كان رده سريعا وواضحا وحاسما بأنه يجدد “التأكيد على موقفه الثابت إزاء عدم الالتزام بأي اتفاق أو وثيقة قانونية لا تحترم وحدته الترابية والوطنية”، و”يطالب المجلس والمفوضية الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي باتخاذ التدابير اللازمة من أجل احترام التزاماتها الدولية والحفاظ على مكتسبات الشراكة وتمكين المملكة من الضمان القانوني الذي يحق لها التمتع به بكيفية شرعية، وذلك بصفتها شريكا للاتحاد الأوروبي بشأن العديد من الرهانات الاستراتيجية”، كما يحسب للدبلوماسية عدم تضخيم هذا القرار وتحميله أكثر من حجمه الطبيعي كما يريد بعض الطوابرية، ولذلك تم توصيفه بأنه “ليس حدثا” و”ضربة سيف في الماء” وأنه “ليس له تأثير على الملف ولا على ديناميته”.
لقد حقق المغرب انتصارات كثيرة وفي فترة وجيزة غيرت مواقف الكثير من الدول والمنظمات، وقدم للمنتظم الدولي حلا واقعيا وعمليا نال استحسان أغلب هذه المنظمات، وأوضح للعالم أنه لا يقبل التسامح بشأن وحدته الترابية حيث أكد جلالة الملك أن هذه القضية هي النظارات التي يرى بها العالم ويحدد من خلالها طبيعة علاقاته مع الأغيار.
لن يفلح الطوابرية الفرحون بما يظنونه مسيئا للمغرب، ولكنهم يفضحون أنفسهم أمام المغاربة لأنهم يعادون شعورهم وخاصة حين يتعسفون في استنتاجات مشبوهة. علي الملاوط الباحث عن فرص لتقديم نهج سيرة جديد للكابرانات تجنبه “السعاية” في مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تنفعه حتى الآن في تغطية احتياجاته الأساسية يحاول بكل الطرق الإساءة للمغرب ناسيا أنه يسيء للمغاربة ويقطع كل حبل معهم لأن كل شيء يغتفر إلا الإساءة للمغاربة واستفزاز شعورهم الوطني.
موعدنا بوح قادم.