بوح الأحد: موقف ملكي بإسم المغرب، إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة…
بوح الأحد: موقف ملكي بإسم المغرب، إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة أمام الأمم المتحدة، تحصين التعاون الإستخباراتي و الأمني مع بلجيكا خطوة وازنة ٱستباقية على طريق تعزيز وتوسيع التعاون، الجزائر تحرق كل الأوراق و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
خلدنا منذ أيام اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1977 للتذكر الدائم لقرار تقسيم فلسطين سنة 1947، وهو الحدث الذي لم تتخلص البشرية حتى اليوم من آثاره الكارثية على الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين وترك جرحا في المنطقة كلها تتجاوز تداعياته الشرق الأوسط إلى العالم كله.
يكتسي التخليد في ظل الحرب على غزة -التي دخلت سنتها الثانية- طعما خاصا بسبب ما تتعرض له فلسطين من حرب عدوانية فاقت نتائجها كل التوقعات وكشفت ضعف المنتظم الدولي وعدم قدرته على إيقافها وفشله في تحقيق السلم في المنطقة.
شكلت هذه المناسبة فرصة أخرى للمغرب لتوضيح مواقفه ورؤيته ومبادراته ومقترحاته المنحازة للحق الفلسطيني. نتذكر جميعا الرسالة الملكية التي وجهها السنة الماضية صاحب الجلالة إلى رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف مطالبا باعتماد قرار ملزم بفرض الوقف الفوري والمستدام لإطلاق النار في غزة، ومذكرا بأن تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة والتمادي في استهداف المدنيين يُسائل ضمير المجتمع الدولي، وواصفا الأعمال العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بالانتقامية وأنها أبانت عن انتهاكات جسيمة تتعارض مع أحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ومجددا رفض وإدانة المغرب لكل التجاوزات وسياسة العقاب الجماعي والتهجير القسري ومحاولة فرض واقع جديد.
مواقف مبدئية وواضحة في انحيازها للصف الفلسطيني بعد أقل من شهرين من اندلاع تلك الحرب.
بعد مرور سنة -وبمناسبة نفس الذكرى- جدد جلالة الملك دعوته ومطالب المغرب عبر، رسالة ملكية، إلى السيد شيخ نيانغ رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف ليؤكد بأن ثوابت المغرب بخصوص القضية الفلسطينية لم ولن ولا تتغير.
هي رسالة تستحق القراءة بتأن لوضع حد لأكاذيب المتاجرين بدماء الشعب الفلسطيني وأصحاب الأجندات الذين يزايدون على المغرب بتحريف الحقائق.
ذكر الملك في هذه الرسالة بسياق تخليد الذكرى هذه السنة التي تتسم ب “استمرار الاجتياح العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة” وهو ما “يستدعي من العالم بأسره التحرك العاجل والفوري لوقف الحرب، وإلزام إسرائيل بفك الحصار عن القطاع، والسماح بعودة النازحين والمهجرين، في أفق إطلاق عملية إعادة إعمار ما دمرته هذه الحرب”، ولذلك أعاد جلالته التأكيد على “موقف المملكة المغربية الراسخ من عدالة ومركزية القضية الفلسطينية”، معتبرا إياها “مفتاح السلام والأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط”، ومكررا بأن ذلك لن يكون إلا “في إطار حل الدولتين المتوافق عليه دوليا، تكون فيه غزة جزءا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المستقلة” وعاصمتها القدس الشرقية. ومرة أخرى أكد الملك مطالبة المغرب ب”تدخل حاسم، من أجل الوقف الفوري والشامل والمستدام لإطلاق النار، والمزيد من العمل الجماعي المشترك لدعم وحماية حقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية، وتنفيذ القرارات الأممية ذات الصلة، والاحترام الكامل لمقتضيات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”، مؤكدا القلق العميق إزاء الأوضاع المأساوية التي نتج عنها آلاف القتلى الأبرياء العزل وحرمان الملايين من حقوقهم الأساسية في السكن والغداء والصحة والمياه النظيفة والتعليم والأمن، وتدمير البنيات التحتية للمنطقة مما يدفعهم للنزوح والهجرة مشددا على أن ما تقوم به إسرائيل اجتياح وأن هذه الوضعية غير مقبولة، إنسانيا وحقوقيا وأخلاقيا.
مقترحات المغرب للخروج من هذه الوضعية كذلك ظلت مبدئية وثابتة، وفي مقدمتها المطالبة بوقف فوري ودائم لإطلاق النار بقطاع غزة، وضمان حماية المدنيين، وفتح جميع المعابر بشكل فوري ودائم، دون قيد أو شرط لأنها شريان الحياة بالنسبة للفلسطينيين، والحفاظ على دور “الأونروا” وتعزيزه ودعمه، ومنع تهجير الفلسطينيين.
ذكر الملك مرة أخرى بأن الحل هو إطلاق مفاوضات جادة وهادفة لإحياء عملية السلام، وفق قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ولن ينجح ذلك ما لم تقم الدول الوازنة والمؤثرة في الصراع ب “إطلاق جهود دبلوماسية مكثفة بدينامية جديدة وفعالة، لإعادة كافة الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات، في أفق التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية، وبناء مستقبل مشترك للأجيال الفلسطينية والإسرائيلية القادمة، في إطار حل الدولتين” مع التأكيد على تجديد المغرب انخراطه في هذا المسلسل “مستثمرا مكانته وعلاقاته المتميزة مع الأطراف المعنية والقوى الدولية الفاعلة، من أجل توفير الظروف الملائمة، للعودة إلى طاولة المفاوضات، باعتبارها السبيل الوحيد لوضع حد نهائي للنزاع، وتحقيق الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط”.
أبدى جلالة الملك انشغاله بتشتت الفرقاء الفلسطينيين وتشجيع جميع مبادرات المصالحة الوطنية بين الأشقاء الفلسطينيين، وبصفته رئيس لجنة القدس فإن جلالته أكد مرة أخرى أن “الإجراءات أحادية الجانب والاستفزازات الإسرائيلية المتكررة، التي تتعرض لها مدينة القدس الشريف، تقوض كل جهود التهدئة، وتنسف أي مبادرة دولية لوقف مظاهر العنف والتوتر والاحتقان”، مجددا مواصلة المملكة المغربية “جهودها الحثيثة من أجل الدفاع عن المدينة المقدسة، من خلال العمل السياسي والدبلوماسي”، ومذكرا بأنه “أمام الكارثة الإنسانية التي يعيشها إخواننا في غزة، فقد أمرت في ثلاث مناسبات، بإرسال مساعدات إنسانية وطبية عاجلة إلى القطاع، جرى تأمين إيصالها من خلال فتح طريق غير مسبوق، والتي اكتست طابعا خاصا، لكونها تشمل أيضا معدات لعلاج الحروق والطوارئ الجراحية وأدوية أساسية، في وقت يعاني فيه القطاع الطبي في غزة من حالة شبه انهيار، نتيجة شح المستلزمات الطبية والأدوية”.
ولأن المغرب يقوم بكل ما يقوم به من منطلق الواجب لم يغب عن جلالته أن يذكر بأن ذلك “التزام صادق وموصول تدعمه إجراءات ميدانية ملموسة، تلقى كل التقدير والإشادة من لدن أشقائنا الفلسطينيين قيادة وشعبا.”.
تستحق هذه الرسالة الملكية أن تكون موضوع مدارسة في اجتماعات المغاربة المعنيين بالقضية الفلسطينية لأنها خريطة طريق وجرد حصيلة وبيان واضح لمواقف الدولة المغربية يلزم من يزايدون بالقضية الفلسطينية الاطلاع عليها لمعرفة طبيعة مواقف المغرب ومقاربته لما يحدث في غزة. اتسمت الرسالة بالوضوح والصراحة وتسمية الأشياء بمسمياتها مما يؤكد أن المغرب وفي لما وعد به وظل يتبناه منذ عقود.
الملك، حسب الدستور هو الممثل الأسمى للدولة وهو الذي يسهر على احترام التعهدات الدولية للمملكة، ولذلك فإن ما تضمنته الرسالة الملكية يؤكد أن مواقف المغرب تجاه الحق الفلسطيني ثابتة وإدانته للعدوان الإسرائيلي حقيقة وجهوده من أجل وضع حد للحرب متواصلة ومبادراته من أجل تخفيف المعاناة على الفلسطينيين نوعية، وغير ذلك من المزايدات على مواقف المغرب ليست إلا أراجيف يروجها من في قلوبهم مرض وأصحاب أجندات همها النيل من سمعة المغرب والتشويش على المغاربة.
لقد اختار الملك منذ توليه العرش أن يكون ملكا إنسانا، يتصرف دون مركب نقص لأنه اختار القرب من الشعب وأشركه في كل ما يعني الملكية وقطع مع أسلوب التسريبات التي تستهوي نوعا من الصحافة ظلت تتعامل مع حياة الملوك والقصور وكأنها أصل تجاري تتعيش منه وتنسج حوله الأساطير المثيرة لرفع مبيعاتها وتوسيع دائرة رواجها.
لم يعتد الكثيرون على هذا التعامل المنفتح على المجتمع، وليس الإعلام وحده، من طرف الملوك ولا شك أن هناك متضررون ممن ألفوا مضاعفة المبيعات بهذه الأخبار، ولكن مما يحسب للملك محمد السادس أنه وضع حدا لذلك حين ألغى القداسة من الدستور وأكد أنه ملك إنسان، واعتمد سياسة تواصلية بشأن كل ما يهم حياته مع الرأي العام اقتناعا بأن ذلك حق لهم في المعلومة. هي طريقة اشتغال غير مألوفة عند من بقي أسيرا للطرق القديمة، وهنا تكمن قيمة التجديد الذي قام به الملك للملكية انسجاما مع ما ظل ينادي به من مشروع حداثي ديمقراطي.
لذلك، لا غرابة أن يتداول المغاربة وغيرهم صورا للملك وهو يعيش حياته الطبيعية ويمارس رياضة المشي في جو عائلي استبشر به المغاربة لأن رسالة تلك الصور التي تلقوها بشكل عفوي أن الملك تجاوز وضعية صحية مؤقتة استعمل فيها عكازا بدون مركب نقص. تأكد المغاربة من تلك الصور أن السبب حينها عارض مؤقت وأن الملك في صحة جيدة يستمتع مع أسرته في أجواء عائلية كغيره من الناس. تلك الصور فضحت أصحاب الأجندات الذين لا شغل لهم سوى البحث عما يشوش على المغاربة، ومن هؤلاء من كتب بدون استحياء أن الملك في باريس في وضع صحي متدهور ومنهم من أدخله حالة الإنعاش بدون الاستناد إلى أقل ما يفترض في المعلومة من شروط ليبني عليها خبرا. التعامل المهني يقتضي ممن كان يهول من تدهور صحة الملك أن يبادر بنشر دلالات الصور الحديثة بخصوص صحة الملك أيضا ويقدم اعتذارا عما كتبه من مغالطات إن كانت بحسن نية. أليست هذه هي المهنية؟ أليس هذا هو الحياد؟
لم ير البعض في تلك الصور سوى شكليات لأن هناك من لا يرضيه إلا أن يتجول الملك بلباس رسمي كمثل اللباس الذي يستقبل به رؤساء الدول ويحضر به للمناسبات الرسمية. لم ينتبه آخرون لمفهوم الترابط العائلي والانسجام الأسري الذي كان واضحا في تلك الصور. تجاهل البعض معنى الأبوة وحنانها وحرصها على راحة فلذات الكبد الذي تجلى واضحا في تلك الصور وهو لحسن الحظ ما التقطه المغاربة فزادهم إعجابا بملكهم وارتباطا بملكيتهم.
تتعزز مكانة الملكية وعراقتها بمبادرات تحمل أكثر من دلالة. استقبال ولي العهد مولاي الحسن للرئيس الصيني شي جين بينغ بتعليمات من صاحب الجلالة رسالة أخرى عن هذه العراقة ومسلسل الإعداد الذي يبتدئ مبكرا لوريث العرش في المملكة الشريفة. من تابع مراسيم استقبال رئيس دولة عظمى مثل الصين يتأكد أن تربية الملوك تخضع لمعايير تراعي كل شيء ولا تترك حتى الجزئيات، وهذه من أهم أعمال جلالة الملك محمد السادس التي قد لا يلقي لها البعض بالا.
قلت في أكثر من بوح سابق أن أكبر خطأ يقع فيه بعض من يريدون تقييم أداء الملك هو بقاؤهم أسرى طرق تقييم تقليدية وعدم استحضار المستجدات الدستورية والسياسية والمجتمعية التي عرفها المغرب والتي استوعبها الملك مبكرا وتعامل وفقها فجدد منهجية عمله وطرق اشتغاله وأسلوب تواصله لإبقاء المغرب مواكبا للتحولات الجارية في العالم كله.
تستمر جهود عبد اللطيف حموشي في حصد إنجازات نوعية للمغرب على الصعيد الأمني والاستخباراتي. آخر إنجاز هو الاستقبال الذي تم هذا الأسبوع لفرانسيسكا بوستين، المديرة العامة لأمن الدولة بمملكة بلجيكا، بمناسبة زيارة العمل للمغرب. تكتسب هذه الزيارة قيمتها من طبيعة الدولة بلجيكا موطن الاتحاد الأوربي وما تمثله من أهمية استراتيجية، ومن طبيعة الوفد الأمني الذي رافقها خلال هذه الزيارة، ومن عدد المغاربة هناك، ومن طبيعة القضايا التي تمت مناقشتها، ومن رهان البعض على هذه الدولة لإضعاف علاقتنا بها لتكون مدخلا لإضعاف المغرب. ولذلك فإعطاؤها الأولوية كان ضروريا لتحصين التعاون الأمني معها، وهو ما استحضره حموشي جيدا كما هو دأبه في الاستشراف والتدابير الوقائية لأنه بنى منهجية عمله على الاستباقية والوقائية وتفادي التدخلات العلاجية البعدية المكلفة.
هذه الزيارة إذن خطوة ممهدة بدون شك لخطوات موالية هدفها التحصين والتعزيز وتوسيع مجال التعاون الأمني والاستخباراتي، وهي مناسبة لتقوية آليات وأجهزة إنفاذ القانون لما فيه مصلحة البلدين وتعزيز السلم الدولي ومكافحة الجريمة والإرهاب.
ميزة كل هذه اللقاءات هي الإشادة التي يشترك فيها كل من يلتقيهم عبد اللطيف حموشي أو يتحدثون عن المؤسسة الأمنية المغربية بأمور صارت محددة وتتمثل في الإشادة باحترافية المؤسسة الأمنية والاستخباراتية المغربية (أولا)، والإشادة بالتعاون الأمني المغربي دوليا (ثانيا)، والإشادة بنجاعة المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب (ثالثا). وهي إشادات تجعل من هذه المؤسسة ذات جاذبية دولية رغبة في الاستفادة من نجاحها والتعاون معها. القاسم المشترك بين كل الشهادات أنها تشيد بالأداء المهني والتعاون غير المشروط من أجل مكافحة الإرهاب والجريمة، وهي شهادة في حق من حدد مسبقا إطار عمل هذه المؤسسة وسياستها، وهو جلالة الملك الحريص على أن تبقى المؤسسة الأمنية بعيدة عن التجاذبات السياسوية وتركز على جوهر عملها الأمني والمخابراتي وفي خدمة مؤسسات الدولة وتزاوج بين مهامها العملياتية والاستراتيجية معا، واعتراف بنجاح عبد اللطيف حموشي في تنزيل هذه المقاربة، وإقرار بقدرته على حسن تدبير مواردها البشرية والمادية.
ولا نفوت الفرصة للتذكير في هذا الصدد بتعاون مثمر مع الجارة إسبانيا أسفر هذا الأسبوع عن تفكيك خلية إرهابية داعشية تتكون من نشطاء بشمال المغرب وإسبانيا يخططون وينسقون للقيام بأعمال إرهابية قبل الالتحاق بصفوف فرع هذا التنظيم بمنطقة الساحل جنوب الصحراء.
وبمناسبة الحديث عن الجارة إسبانيا والتعاون معها، يلزم أن نتحدث عن جارة السوء التي بلغ بها الحمق مبلغا لا يمكن تصوره لأن حكامها في وضع سيكولوجي يثير الشفقة.
تتوالى الهزائم والإخفاقات والفشل على نظام الكابرانات، ويتأكد عند حكام قصر المرادية فشل رهانهم على جمهورية الوهم، ويتخوفون من ساعة الحساب الشعبي، ولذلك فقد اهتدوا إلى فكرة لا تقل عن سابقتها بلادة وهي لعب نفس اللعبة مع جزء آخر من التراب المغربي هو الريف.
ففي ضرب لكل القوانين والشرعية الدولية، وخرق لحسن الجوار، وانتهاك لاحترام سيادة الدول، احتضنت الجزائر لقاء لبعض “البزناسة” المتاجرين في المخدرات والمطلوبين للعدالة وأطلقت عليهم اسم “الحزب الوطني الريفي خارج أوروبا” ووضعت عنوانا لذلك اللقاء “جمهورية الريف وحق استعادة الاستقلال”. للوهلة الأولى، قد يستغرب من يقرأ مثل هذا الكلام ويستنكر ويحتج ويندد ولكن من عرف طبيعة هذا النظام العسكري وجحوده وحجم الورطة التي يعيشها بعد تيقنه من أن قضية الصحراء المغربية تتجه نحو الطي النهائي ودبلوماسية الغاز وصلت نهايتها والرشاوي وشراء الذمم لم تعد مجدية ولذلك فلا حل أمامه غير لعب أي ورقة أخرى للتغطية على الفشل دون التفكير في مدى فعالية الخطوة الموالية، ويزيد من ارتباكه تفاقم أزماته الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الداخل الجزائري محتقنا وعلى فوهة بركان. حالة الخوف التي عليها نظام الكابرانات لم تعد خافية، ويفهم الرأي العام الجزائري من مثل هذه الخطوات المجنونة سبب عدم السماح لهم بالتضامن مع الشعب الفلسطيني لأنه نظام يتخوف من أن تتحول وقفات التضامن إلى مظاهرات ومسيرات تطالب برحيله ومحاسبته على الفشل والفساد.
من مؤشرات حالة الارتباك والتسرع طبيعة الأشخاص الذين يراهن عليهم نظام جارة السوء. هذا مؤشر على أنه لم يجد غير “النطيحة” و”المتردية” من تجار “العشبة” المستعدين لفعل أي شيء بحثا عن ملاذ يختبؤون فيه عند ملاحقتهم. بهذا تؤكد الجزائر أنها تحتضن المجرمين بعدما تأكد أن مخيمات تندوف تأوي إرهابيين.
جارة السوء تواجه الانتصارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية للمغرب بأساليب العصابات، وترد على اليد الممدودة بدعم أصحاب العشبة المطلوبين للعدالة. نتذكر كيف أن المغرب رفض الاعتراف بجمعية تساند حكم القبايل لأنه يحترم سيادة الدولة ويراعي حسن الجوار. هنا يكمن الفرق بين نظام طارئ ونظام عريق في التاريخ ينتقي أدوات ولغة الخصومة والصراع ويترفع عن استخدام “السَّقَط” من الوسائل البديئة.
هكذا يرى الرأي العام العالمي أنه في الوقت الذي يتحرك فيه المغرب لإيجاد حل لنزاع الصحراء المغربية -الذي عمر طويلا- بما يخدم المنطقة كلها، وفي الوقت الذي ينشغل فيه المغرب بتأمين البلد والجوار وتقديم خدمات للتقليل من المخاطر الإرهابية تستمر جارة السوء في مناوراتها لإشغال وإنهاك المغرب بعد تأكدها من وصول ورقة الصحراء المغربية النهاية بفشل دبلوماسي وسياسي ذريع، ولم تجد غير لعب ورقة أخرى على أمل أن يربح بها نظام تبون وشنقريحة الزمن ويشوش بها على المغرب. لم يجد هذا النظام وجوها ذات مصداقية سوى كراكيز لا تتجاوز عدد أصابع اليد والتحدي مطروح أن ينشر لائحة الحضور وصفاتهم غير صفة “بزناسة” “العشبة” المطلوبين للعدالة والذين تحولوا من “تجار مخدرات” إلى معارضين جذريين في أحضان نظام لا يكلف نفسه الاستجابة لحاجيات الجزائريين بقدر ما يستثمر أموالهم في تمويل عصابات للترويج لأطروحات انفصالية والتهديد بالحرب مع العلم أنه يعرف بأن لا قدرة له على خوضها والصمود فيها لأنه يعي أنها ستكون وبالا عليه من طرف الجزائريين قبل غيرهم.
يقيم نظام جارة السوء الحجة على نفسه أنه هو من انخرط وينخرط في مخططات التقسيم وتجزئة الدول دون مراعاة لمخاطر ذلك عليه وعلى الجوار كله بينما المغرب منشغل في عكس ذلك ومنخرط في استحقاقات كبرى يتابعها الشعب الجزائري متحسرا عن إمكانيات وجهود البلد التي تستعمل في مغامرات غير محسوبة ولا تعود عليهم إلا بالفقر والفساد.
تؤكد الأيام صواب مقاربة المغرب في الدفاع عن مصالحه. الدينامية الدبلوماسية التي يعرفها المغرب مع دول أوربية عدة، سواء فرنسا أو إسبانيا أو هنغاريا أو بلجيكا، وطبيعة الشراكات الموقعة والمشاريع المتفق على إنجازها في الصحراء المغربية كلها تؤكد ما سبق أن تنبأنا به حيال قرار المحكمة الأوربية الذي سيكون محدود الأثر وسيورط الاتحاد الأوربي لأن الدول الأوربية غير متفقة مع محتواه وستقوي علاقاتها الثنائية مع المغرب بما يجعله حبرا على ورق.
موعدنا بوح قادم.