الأحزاب في زمن الغلاء… من تمويل الحملات إلى اختبار المصداقية

الأحزاب في زمن الغلاء… من تمويل الحملات إلى اختبار المصداقية

A- A+
  • في سياق اجتماعي واقتصادي متوتر يتسم بارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة يجد المواطن المغربي نفسه في مواجهة يومية مع موجة غلاء تضغط على قدرته الشرائية وتعيد ترتيب أولوياته الحياتية بشكل قاس وفي خضم هذا الواقع تعود النقاشات السياسية إلى الواجهة مع اقتراب محطة انتخابية حاسمة ستفرز ملامح ما بات يوصف بحكومة المرحلة المقبلة المرتبطة برهانات كبرى على رأسها تنظيم كأس العالم 2030 وهو استحقاق لا يحمل فقط بعدا رياضيا بل يطرح تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة تضع الفاعل السياسي أمام اختبار حقيقي للنجاعة والمصداقية.

    وسط هذا النقاش يبرز موضوع تمويل الأحزاب السياسية كأحد العناوين المثيرة للجدل ليس من زاوية قانونية فقط بل من زاوية أخلاقية وسياسية مرتبطة بمدى تفاعل الأحزاب مع معاناة المواطنين فالدعم العمومي الذي تستفيد منه الأحزاب يخضع لإطار قانوني واضح تشرف عليه وزارة الداخلية المغربية وتراقبه مؤسسات الحكامة وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات وهو ما يجعل أي حديث عن التنازل عنه أو إعادة توجيهه مسألة معقدة تتجاوز القرار السياسي الظرفي إلى الحاجة لتأطير قانوني دقيق يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين.

  • غير أن النقاش الدائر اليوم لا يتوقف عند حدود القانون بل يتجاوزه إلى سؤال أعمق يتعلق بدور الأحزاب في زمن الأزمات فالمواطن الذي يواجه يوميا ارتفاع أسعار المواد الأساسية والنقل والطاقة لم يعد يكتفي بالخطاب السياسي التقليدي بل أصبح يبحث عن إشارات قوية تدل على أن الفاعل الحزبي واع بحجم المعاناة ومستعد لتقديم تضحيات ولو كانت رمزية في هذا السياق تبرز فكرة تنازل الأحزاب خاصة الكبرى منها عن جزء من الدعم العمومي أو تقليص نفقات الحملات الانتخابية وتحويلها نحو مبادرات اجتماعية كخيار قد يعيد بعضا من الثقة المفقودة بين المواطن والسياسة.

    لكن عند تفكيك هذه الفكرة يتضح أن أثرها الاقتصادي المباشر سيظل محدودا بالنظر إلى حجم الموارد المالية المخصصة للأحزاب مقارنة مع كلفة السياسات العمومية الكبرى المرتبطة بالدعم الاجتماعي الذي تشرف عليه الدولة عبر مؤسساتها المالية بقيادة شخصيات مثل فوزي لقجع حيث تظل أرقام الدعم المرتبطة بالمواد الأساسية والطاقة أكبر بكثير من أن تعوضها مبادرات حزبية مهما كانت أهميتها وهو ما يجعل الرهان الحقيقي ليس في حجم الأموال التي يمكن توفيرها بل في الرسالة السياسية التي يمكن أن تبعث بها هذه الخطوات.

    هذه الرسالة تكتسب أهميتها من كونها قد تعيد صياغة العلاقة بين المواطن والحزب السياسي على أساس جديد يقوم على القرب والتضامن بدل المسافة والشك فالأزمة التي يعيشها الحقل السياسي اليوم ليست فقط أزمة موارد بل هي في جوهرها أزمة ثقة حيث يشعر جزء واسع من المواطنين بأن الأحزاب غائبة عن همومهم اليومية ولا تظهر إلا في اللحظات الانتخابية وهو ما يفسر تراجع منسوب المشاركة السياسية وضعف التفاعل مع الخطاب الحزبي.

    من هنا يصبح التفكير في إعادة توجيه سلوك الأحزاب خلال الحملات الانتخابية أكثر أهمية من مجرد التنازل عن الدعم إذ يمكن للأحزاب أن تقدم نموذجا مختلفا في تدبير المال العام عبر تقليص مظاهر البذخ الانتخابي والابتعاد عن الحملات المكلفة التي تركز على الصورة أكثر من المضمون مقابل الاستثمار في إعداد برامج اقتصادية واجتماعية دقيقة وقابلة للتنفيذ تستجيب لتطلعات المواطنين وتقدم حلولا واقعية لمعضلة الغلاء وتدهور القدرة الشرائية.

    كما أن تقديم التزامات واضحة وقابلة للقياس قد يشكل مدخلا أساسيا لاستعادة الثقة فالمواطن اليوم لم يعد يقبل بالوعود العامة بل ينتظر أرقاما دقيقة وإجراءات ملموسة يمكن تتبعها ومحاسبة المسؤولين عنها بعد الانتخابات وهو ما يفرض على الأحزاب الانتقال من منطق الخطاب إلى منطق التعاقد السياسي المبني على النتائج.

    وفي ظل اقتراب استحقاقات انتخابية ستحدد ملامح المرحلة المقبلة فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الفوز بالمقاعد بل في القدرة على تقديم نموذج سياسي جديد يستجيب لتحولات المجتمع المغربي ويواكب التحديات الاقتصادية الكبرى التي تفرضها السياقات الدولية والإقليمية فحكومة المرحلة المقبلة لن تكون فقط حكومة تدبير يومي بل حكومة رهانات استراتيجية مرتبطة بمشاريع كبرى وبانتظارات اجتماعية متزايدة.

    في المحصلة يظهر أن النقاش حول تمويل الأحزاب يتجاوز بعده التقني ليعكس تحولا أعمق في وعي المواطن المغربي الذي أصبح أكثر مطالبة بالشفافية والمحاسبة وأكثر حساسية تجاه كيفية صرف المال العام وبين محدودية الأثر الاقتصادي لأي تنازل محتمل وقوة رمزيته السياسية تظل الفرصة قائمة أمام الأحزاب لإعادة بناء صورتها من خلال ممارسات مسؤولة تعكس انخراطها الحقيقي في قضايا المجتمع لأن التحدي اليوم لم يعد فقط في تدبير الموارد بل في استعادة الثقة وهي العملة السياسية الأهم في زمن الأزمات.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    في لقاء دراسي .. بنسعيد يضع “حقوق المؤلف” في قلب معركة تحديث الصحافة الوطنية