بين المرض والموعد البعيد… أزمة صامتة في قطاع الصحة

بين المرض والموعد البعيد… أزمة صامتة في قطاع الصحة

A- A+
  • شوف تيفي

    أيمن الحبيب

    قبل الخوض في تفاصيل الحالة التي أثارت الجدل من الضروري أولاً وضعها داخل إطارها الأشمل واقع قطاع الصحة العمومية في المغرب الذي يعيش منذ سنوات تحت ضغط بنيوي متواصل جعل من الولوج إلى العلاج تحدياً يومياً يواجهه المواطن وليس مجرد خدمة عمومية عادية تُطلب وتُقدَّم في ظروف طبيعية.

  • قطاع الصحة اليوم يعاني من اختلالات متداخلة تبدأ من الخصاص الحاد في الموارد البشرية الطبية خصوصاً في التخصصات الدقيقة والحيوية مثل طب القلب والأعصاب والإنعاش هذا الخصاص لا ينعكس فقط في الأرقام بل يظهر في الواقع اليومي للمستشفيات ضغط كبير على الأطر الصحية عدد غير كافٍ من الاستشارات وإرهاق مهني يؤثر على جودة وسرعة التدخل الطبي.

    إلى جانب ذلك هناك إشكال واضح في الطاقة الاستيعابية للمستشفيات العمومية فعدد المرضى الذين يلجون يومياً إلى هذه المؤسسات يفوق بكثير الإمكانيات المتاحة من حيث الأسرة وأجهزة الفحص وعدد المواعيد الممكنة هذا الاختلال بين العرض والطلب يؤدي بشكل مباشر إلى تراكم المواعيد أحياناً لمدد طويلة جداً خاصة في التخصصات الحساسة.

    كما يبرز خلل آخر لا يقل أهمية يتمثل في ضعف تنظيم المسار العلاجي داخل المنظومة الصحية المفروض أن يمر المريض عبر مستويات مختلفة من الرعاية بشكل منظم يبدأ بالرعاية الأولية ثم الإحالة نحو التخصص عند الحاجة لكن الواقع يكشف عن ضعف في هذا التنسيق ما يؤدي إلى تكدس الحالات في المستشفيات الجامعية والإقليمية حتى تلك التي يمكن تدبيرها في مستويات أقل.

    ومن النقاط المركزية كذلك طريقة تدبير المواعيد الطبية في كثير من الحالات لا يتم اعتماد فرز طبي دقيق وملزم يحدد الأولويات حسب درجة الخطورة بل يتم الاعتماد على نظام زمني إداري جامد هذا يجعل بعض الحالات المستعجلة تخضع لنفس منطق الانتظار الذي تخضع له الحالات العادية وهو ما يطرح إشكالاً كبيراً في العدالة الصحية والنجاعة الطبية.

    في هذا السياق برزت حالة سيدة مسنة تبلغ من العمر 83 سنة توجهت إلى المستشفى بسبب انتفاخ في الساق وهو عرض لا يمكن اعتباره بسيطاً طبياً في هذا السن إذ قد يكون مرتبطاً بأمراض قلبية أو وعائية أو حتى جلطة وريدية تستدعي التقييم السريع غير أن الصدمة كانت في تحديد موعد طبي لدى اختصاصي في أمراض القلب بتاريخ 15 فبراير 2027 أي انتظار يقارب سنة كاملة.

    طبياً هذا النوع من الأعراض عند كبار السن يتطلب تدخلاً سريعاً أو على الأقل تقييمًا استعجالياً لاستبعاد الأخطار المحتملة لأن عامل الزمن في هذه الحالات ليس تفصيلاً بل جزءاً من التشخيص نفسه أما إدخال الحالة في مسار انتظار طويل فهو يعكس فجوة بين المنطق الطبي القائم على الاستعجال والمنطق الإداري القائم على تنظيم المواعيد حسب الإمكانيات المحدودة.

    ورغم الجهود التي تبذلها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في إطار إصلاح القطاع سواء من خلال توسيع التغطية الصحية أو تحسين البنيات التحتية أو إعادة هيكلة العرض الصحي إلا أن التحدي الأساسي ما زال مرتبطاً بقدرة هذه الإصلاحات على إحداث تغيير فعلي داخل المستشفيات خصوصاً على مستوى تدبير الأولويات وترتيب الحالات حسب خطورتها الطبية وليس فقط حسب الأسبقية الزمنية.

    ما حدث في هذه الحالة ليس مجرد واقعة فردية بل انعكاس لواقع أوسع يعيشه قطاع الصحة العمومية حيث يتقاطع الضغط الكبير على المنظومة مع محدودية الموارد وضعف بعض آليات التنظيم وبين هذا وذاك يبقى المواطن وخاصة الفئات الهشة وكبار السن هو الأكثر تأثراً بهذه الاختلالات في انتظار منظومة صحية أكثر عدالة ونجاعة تضع الإنسان في قلب الأولويات قبل كل اعتبار إداري أو تقني.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    لهذا السبب تراجعت أرباح اتصالات المغرب في الفصل الأول من 2026