سبعون سنة من الأمن الوطني
سبعون سنة من الأمن الوطني
لايمكن قراءة الانبهار الذي أحدثته الأيام المفتوحة للأمن الوطني في المغرب باعتباره نجاحًا تنظيميًا أو فرجة جماهيرية عابرة، إنه يعكس تحوّلًا عميقًا في علاقة المؤسسة الأمنية بالمجتمع وبالخيال الجماعي للمغاربة. ما حدث فعليًا أن الأمن خرج من صورته التقليدية المغلقة: رجل بزي رسمي، إدارة، مراقبة، أو سلطة صامتة… ليتحول إلى مشهد بصري وتكنولوجي وعاطفي مفتوح على الجمهور.. وهنا تكمن قوة الحدث.
الدولة الحديثة لم تعد تشتغل فقط بالقانون أو بالقوة، بل بما يسميه علماء الاجتماع السياسي “إنتاج الثقة الرمزية”. أي أن المؤسسة لم تعد تريد فقط أن تكون قوية، بل أن تبدو أيضًا قريبة، محترفة، مطمئنة، ومتطورة.
في افتتاح الأيام المفتوحة، كان هناك وعي واضح بهذا البعد من خلال عدة أبعاد، أهمها: الإبهار البصري، الدقة التنظيمية، التدخلات الخاصة، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والاشتغال الكبير على الصورة ..
الكثير من المغاربة، خصوصًا الأطفال والشباب، عاشوا للمرة الأولى تجربة “الدخول” إلى عالم الأمن دون خوف أو رهبة. وهذا مهم جدًا. لأن المؤسسة الأمنية في الوعي العربي عمومًا ارتبطت تاريخيًا بالغموض والمسافة والسلطة الصلبة. بينما هذه التظاهرات تحاول إعادة تشكيل تلك الصورة عبر القرب والتفاعل والتربية المدنية.
أحسسنا بشكل جماعي أن المغاربة لم يأتوا فقط لرؤية الأسلحة أو العربات، بل أيضًا للشعور بالانتماء إلى لحظة جماعية ناجحة، دقيقة، متقنة، في زمن يسوده كثير من الفوضى البصرية والارتجال. كل الدول الحديثة تستخدم القوة الناعمة البصرية لإعادة تشكيل صورة مؤسساتها والاستعراض جزء من السياسة الحديثة.
لا يمكن إنكار أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة أمنية مختلفة نسبيًا داخل المنطقة من خلال وجود احترافية عالية، حضور تكنولوجي متقدم، تدبير أمني هادئ نسبيًا وقدرة على تنظيم أحداث كبرى، ولهذا كان الانبهار واسعًا، لأن المواطنين رأوا عن قرب وبالملموس صورة مغرب يريد أن يقول عن نفسه أنه قادر على صناعة مؤسسات حديثة بمعايير عالمية. حين ينجح الأمن في أن يتحول من مصدر خوف إلى موضوع فضول وإعجاب لدى الأطفال والعائلات، فهذا يعني أن المؤسسة الأمنية بدأت تفهم أن الهيبة الحقيقية تُبنى ليس فقط بالقوة، ولكن أيضًا بالثقة والرمزية والقدرة على مخاطبة المجتمع بلغته البصرية الجديدة.
لم يعد الأمن في القرن الحادي والعشرين مقتصرا على حراسة الحدود أو مواجهة الجريمة بالمعنى التقليدي، بل أصبح أحد أكثر المفاهيم تعقيدًا في عالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. فالدول اليوم لاتواجه فقط أخطارًا مرئية تأتي من الخارج، بل أيضًا تهديدات غير ملموسة تعبر الشاشات والشبكات والأسواق والهويات والهجرات الجماعية. لقد تغير شكل الخطر نفسه، ولذلك كان على المؤسسات الأمنية أن تعيد اختراع أدواتها ووظائفها باستمرار. في هذا السياق العالمي المتحول، تبدو تجربة الأمن الوطني المغربي خلال سبعين سنة تجربة لافتة في كيفية انتقال مؤسسة أمنية من منطق حماية الدولة الوطنية في سنوات التأسيس الأولى، إلى الانخراط في رهانات أمنية كونية معقدة، تشمل الإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة، والهجمات السيبرانية، والهجرة غير النظامية، وحماية الاستقرار داخل عالم مفتوح على كل الاحتمالات.
سبعون سنة من التحولات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية غيّرت بشكل جذري طبيعة الأمن ووظائفه وحدود اشتغاله. فالعالم الذي كانت فيه التهديدات محلية ومحددة المعالم، تحوّل تدريجيًا إلى فضاء مفتوح على أخطار عابرة للحدود، معقدة وسريعة التحول، تفرض على المؤسسات الأمنية أن تعيد تعريف أدوارها باستمرار. ومن هنا يمكن قراءة المسار الطويل الذي قطعته المؤسسة الأمنية المغربية: من جهاز يشتغل أساسًا داخل حدود الدولة الوطنية، إلى مؤسسة أصبحت فاعلًا ضمن منظومة أمنية دولية مترابطة.
