مرحلة انتقالية أم أزمة نتائج؟ قراءة هادئة في وضع الوداد

مرحلة انتقالية أم أزمة نتائج؟ قراءة هادئة في وضع الوداد

A- A+
  • أيمن الحبيب

    يعيش الوداد الرياضي اليوم لحظة دقيقة من تاريخه، لحظة تختلط فيها ذاكرة قريبة مليئة بالتتويجات مع واقع جديد لم تتضح ملامحه بالكامل بعد. هذه الوضعية ليست استثناء في عالم كرة القدم، بل تكاد تكون قاعدة تمر بها أكبر الأندية، حين تنتهي دورة رياضية وتبدأ أخرى. غير أن خصوصية الوداد تكمن في أن ذاكرة النجاح ما تزال طازجة في أذهان جماهيره، وهو ما يجعل تقبل المرحلة الانتقالية أمرا بالغ الصعوبة.

  • خلال سنوات رئاسة سعيد الناصيري، اعتاد الوداديون على فريق يدخل كل موسم وهو مرشح طبيعي للألقاب، فريق يملك شخصية تنافسية واضحة، ويخوض المنافسات القارية والمحلية بعقلية المنتصر، لم تكن تلك المرحلة مثالية أو خالية من الأخطاء، بل شهدت بدورها لحظات توتر وانتقادات ومطالبات بالتغيير، لكنها في ميزان النتائج صنعت صورة ذهنية قوية لدى الجماهير؛ مفادها أن الوداد لا يعرف إلا القمة. هذه الصورة بقدر ما تجسد طموح الأنصار تتحول في لحظات التحول إلى عبء ثقيل على أي إدارة جديدة.

    مع قدوم هشام أيت منا دخل النادي مرحلة جديدة محاطة بآمال كبيرة، الرجل القادم من عالم الأعمال بصورة ناجحة وحضور وازن، أوحى لجماهير الوداد بأن الاستقرار المادي مضمون وأن مشروعا رياضيا طموحا في الطريق. غير أن ما لم يكن واضحا بما يكفي هو أن أيت منا لم يتسلم فريقا في أوج جاهزيته، بل فريقا أنهكته سنوات المنافسة المتواصلة، وتراكمت داخله الحاجة إلى إعادة هيكلة على مستويات متعددة إدارية وتقنية وبشرية.

    ومع توالي المباريات بدأت النتائج المتذبذبة تكشف حجم التحدي، تغييرات في الطاقم التقني، ارتباك في الاختيارات وإقصاء مؤلم من كأس الكونفدرالية الإفريقية أمام أولمبيك آسفي داخل الميدان، كانت كلها كافية لتفجير غضب المدرجات. غير أن هذه الأحداث في عمقها ليست سبب الأزمة بقدر ما هي انعكاس طبيعي لمرحلة انتقالية لم تستقر بعد، فالفرق الكبرى حين تدخل طور إعادة البناء تمر حتما بفترة عدم توازن، لأن الفريق يكون عالقا بين جيل انتهت صلاحيته التنافسية وجيل جديد لم يكتمل بعد؛ وبين فلسفة سابقة لم تعد صالحة بالكامل ومشروع جديد لم يتجذر بعد.

    المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في النتائج، بل في المقارنة المستمرة بين مرحلتين مختلفتين تماما في السياق والظروف. المقارنة بين فترتي الناصيري وأيت منا قد تبدو منطقية عاطفيا لكنها غير عادلة رياضيا وإداريا، لكل رئيس زمنه وأدواته وتحدياته، الناصيري اشتغل في مرحلة كان فيها الفريق قد بلغ نضجه التنافسي، بينما أيت منا يشتغل في لحظة إعادة تشكيل تحتاج إلى وقت طويل حتى تتضح معالمها.

    في خضم هذا الوضع يجد جمهور الوداد نفسه ممزقا بين حقه الطبيعي في القلق على ناديه ورغبته الدائمة في رؤية فريقه في الصدارة، وبين ضرورة إدراك طبيعة المرحلة التي يمر بها النادي. القلق مشروع بل صحي لأنه دليل انتماء، لكن تحوله إلى ضغط متواصل وسب وشتم ومطالبة مبكرة برحيل الرئيس قد يربك المشروع أكثر مما يسرع نجاحه. الأندية الكبرى لا تنهار بسبب مرحلة فراغ لكنها قد تتضرر فعلا عندما تفقد الثقة الداخلية ويغيب الهدوء الضروري لاتخاذ القرارات الصائبة.

    الوداد اليوم لا يحتاج فقط إلى تعاقدات جديدة أو مدرب مختلف، بل يحتاج قبل ذلك إلى استقرار في القرار وإلى رؤية تقنية تبنى بهدوء، وإلى إدارة تمنح نفسها الوقت اللازم، وجماهير تمنح مشروعا في بدايته فرصة الظهور؛ فالمشاريع الرياضية لا تقاس بعدد الجولات الأولى بل بقدرتها على الصمود حتى تتبلور ملامحها الحقيقية.

    إن ما يعيشه الوداد ليس أزمة بقدر ما هو مرحلة انتقالية حساسة، والفرق بين الاثنين كبير، الأزمة تولد ارتباكا وفوضى، أما المرحلة الانتقالية فتتطلب وعيا جماعيا حتى تنجح، واستعادة صورة الوداد القوي لا تمر عبر ردود فعل انفعالية بل عبر بناء متدرج تشارك فيه الإدارة والجماهير معا.

    في نهاية المطاف يبقى الوداد أكبر من الأشخاص وأكبر من المراحل، لكنه مثل كل الكيانات الكبرى يحتاج أحيانا إلى أن يمر بفترة إعادة ترتيب داخلية، حتى يعود أكثر تماسكا وقوة. والصبر هنا ليس ترفا بل شرطا أساسيا لنجاح العهد الجديد حتى تستعيد القلعة الحمراء مكانتها الطبيعية في الواجهة؛ لا بذاكرة الماضي فقط بل بملامح مستقبل يبنى بهدوء وثبات.

    أيت منا، الوداد، المغرب، الدار البيضاء، المجهور ،

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    المغرب وكينيا يوقعان 11 اتفاقية تعاون