أنا مع بلادي.. الوطنية مسؤولية لا شعار
لا تُختزل الوطنية، في معناها العميق، في الاصطفاف خلف زعيم سياسي عالمي هنا أو هناك، ولا في ترديد شعارات عابرة قد تشتعل في لحظة توتر ثم تنطفئ مع تغيّر الظروف. الوطنية موقف أخلاقي وثقافي قبل أن تكون رد فعل سياسي. إنها إحساس عميق بالانتماء إلى الأرض والناس والتاريخ، وإدراك بأن مصلحة الوطن لايمكن أن تكون رهينة حسابات القوى الكبرى أو رهاناتها المتقلبة.
لذلك أقول: “أنا مع بلادي في الحرب ضد إيران”، لا مع هذا الزعيم ولا مع ذاك، أنا ضد نظام ظل يعادي الوحدة الترابية للمملكة، وظل يجند مرتزقة بوليساريو ويهدد عقيدة المغاربة، في نفس الآن أنا مع الشعب الإيراني في حماية وحدة أراضيه وفي استقراره وفي حريته وحقه في حياة آمنة وديمقراطية… هذا شعور غريزي بالدفاع عن الوطن، شعور مفهوم ومشروع، لأن الإنسان بطبيعته يقف مع بلده حين يشعر أنها مهددة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعور إلى خطاب تعبوي بسيط يختزل العالم في معادلة ثنائية: معنا أو ضدنا، صديق أو عدو، خير أو شر.
إن الدعوات التي ترفع شعار “أنا مع ترامب ضد من يعادي بلادي” تكشف عن ميل متزايد إلى ربط مصير الأوطان بقرارات قادة عالميين أو بسياسات دول كبرى. غير أن التاريخ يعلمنا أن الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها الخاصة قبل أي شيء آخر. فهي قد تكون حليفًا اليوم، ثم تغيّر موقفها غدًا عندما تتغير موازين القوة أو تتبدل أولوياتها.
الوطنية الحقيقية، إذن، لا تعني أن نضع مستقبل بلداننا في يد زعيم أجنبي، مهما كانت قوته أو نفوذه. بل تعني أن نبحث عن مصلحة بلادنا بعين نقدية وعقل هادئ، بعيدًا عن الحماسة العاطفية أو الانجراف وراء الشعارات. كما أن الدفاع عن الوطن لا يعني الدعوة إلى الحرب بقدر ما يعني حماية السلام.
إن الشعور بالانتماء إلى الوطن شعور نبيل، لكنه يحتاج دائمًا إلى بوصلة أخلاقية وفكرية حتى لا يتحول إلى تعصب أو انغلاق. فالوطن الذي نحبه ليس مجرد حدود جغرافية أو شعار سياسي، بل هو فضاء للعيش المشترك والأمل في مستقبل أفضل. وفي زمن تتصاعد فيه الخطابات المتشنجة على وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح من الضروري أن نتذكر أن مسؤولية المثقف والصحافي والمواطن الواعي هي أن يرفع مستوى النقاش، وأن يرفض اختزال العالم في صراعات مبسطة.
أن تكون مع وطنك لا يعني أن تكون ضد العالم. بل يعني أن تدافع عن مصالحه بعقل مفتوح، وأن تدرك أن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالحروب وحدها، بل بالحكمة والعدالة والقدرة على رؤية ما وراء اللحظة.
فالوطن، في النهاية، ليس ساحة معركة فقط، بل بيتًا كبيرًا نحاول جميعًا أن نحميه من العواصف، لذلك فأنا كمغربي سأصطف مع بلدي ومع مصالح وطني ضد كل من يمس حدوده أو مصالحه الحيوية، ولست مع أي كان ضد أي كان، مشكلتنا كمغاربة كانت مع نظام سياسي في إيران مس مصالح الأمة المغربية في أقدس قداسه وهو وحدتها الترابية وجند خصومها لزعزعة أمنه واستقراره، لذلك فأنا ضد هذا النظام المنغلق والشمولي ولست ضد إيران كوطن والإيرانيين كشعب نتضامن مع ما يعانونه من ويلات الحرب، هذا هو في تقديري المعنى الأساسي للوطنية، ولكم واسع النظر..